|
وفاء حرفوش
|
|
2006-06-04 |
خاص: نساء سوريةرآها تشتري أقلاما ودفتر.. كانت تقلب بأنواع الدفاتر الموجودة عند البائع وبعد عناء كبير استقر رأيها على واحد منهم.. كانت تنظر إلى غلافه، وفي داخله، بفرح. ومن ثم أمسكته بحزم كأنها تعلن له بداية العمل، وأنه أمام مسؤولية كبيرة. يكفيه أنه سوف يحتفظ بقصة حياة إنسان، بكل تفاصيلها.. كان ينظر إليها وهي تحمله وقد بدأ يحسده.. لأنه سيكون قريبا منها.. ولأنه، منذ هذه اللحظة، سيكون رفيقها الدائم.. رفيقها الأهم، والمخلص، والوحيد الذي سوف يكون أول من يعرف بفرحها وبحزنها.. وحده الذي سوف يعلم بما تفكر، ومن تحب.. وحده سوف يعلم ويسمع كل الكلام الذي يقال بينها وبين من تحب.. الآن، أحس أن هذا الدفتر الذي كان قبل دقائق صامتا لا يتحرك وليس له أي أهمية.. أصبح أكثر أهمية منه وأصبح منافسه الأكبر.. كانت تمشي أحيانا بدلال وأحيانا برزانه كأنها مقدمة على مشروع مهم وصعب ومسؤول.. كان قلبه يخفق مع كل خطوة من خطواتها.. كأنه عاد إلى أيام الطفولة وهم يلعبون لعبة القفز فوق الحواجز.. هي لا تعلم أنها، منذ تلك الأيام، قد سرقت قلبه. وأنها، هي، لعبته المفضلة, يجلس ساعات وساعات ليتأملها وهي تقفز أمامه وتتحرك وتغني.. لا يهمه أن يلعب هو. يكفي أن يرى لعبته الجميلة أمامه سعيدة ومسرورة.. هي الحياة التي كان يستمد منها حياته وسعادته للأيام القادمة.. كان دائما يراقبها من شرفته المطلة على الحي.. شرفته التي أصبحت مكانه المفضل منذ أن أحترف الكتابة وأصبح القلم رفيقه.. منذ أيام الطفولة.. كان زملاؤه في الصف يلقبونه بالصامت. كان قليلاً ما يتكلم.. شارد الذهن.. هو في عالم الأحلام وهم في الواقع.. كان لكل كلمة تقال أمامه، أو حدث, تفسيره الخاص به وبداية قصة جديدة يحلم بها.. بالأمس كان كل شيء للحلم أما الآن فأصبح كل شيء للكتابة.. في كل كلمة قصة.. في كل مشهد يراه أمامه وهو يراقب المارة قصة.. فتراه يبدأ أكثر من قصة معا. ولكل واحدة منها وقتها.. كأنه الملاك الحارس لهذا الحي، استقاه الله من أجل أن يكتب ويؤرخ حياة هذا الحي.. (ليست الأحداث العظيمة للتاريخ فقط, وليس الأبطال هم فقط من ذكريات الماضي.. فلكل زمان أبطاله). أجمل ما في الكتاب الذي تقرأه هو أن تجد شيء منك فيه.. شيء يمسك.. يهزك.. يقلبك رأسا على عقب ويجبرك على التخلي عن الكثير من الأشياء. والإمساك بالكثير من الأشياء.. وإلا، فما الفائدة منه أن لم يحرك ساكنا؟! آه.. يا ألهي! لقد أغفل عنها فجأة وهو شارد في أفكاره. لم يعد يرى سوى طرف ثوبها الخمري وهي تقطع الشارع الآخر! ذلك الثوب.. آه لما تلبسه الآن؟! تذكر يوم حضرت فيه احتفال نهاية العام الدراسي في الجامعة.. يوم تسليم الشهادات.. يومها أتت متأخرة.. كأنها تقصد ذلك.. الجميع كانوا يتحدثون. وصوت الموسيقى لنشيد الطلبة. والمعيد يحضر كلمته.. هو يذكر أن القاعة كانت مضاءة بشكل جيد.. لكن ما الذي حدث؟! لما سكت الجميع لوهلة عندما أغمض عينيه إذ رآها؟! ربما تفاجئ بها.. وربما حزن من انبهار الجميع بها كأنهم يخطفونها منه.. لم ينتبه أن المقعد الذي بجانبه كان فارغاً منتظراً أن تأتي وتجلس عليه.. عندها لم يعد يرى سوى ذلك اللون الخمري. ولم يعد يسمع سوى نغمة صوتها تتردد في أذنه.. - صباح الخير.. ربما دوخه عطرها.. فكل ما في القاعة لا يعنيه.. فقد بدأت حكاية جديدة منذ هذه اللحظة.. سألها لما تأخرت.. - الوقت يغدر بنا دائماً عندما نعطيه فرصة ليتحكم بنا.. لم يفهم شيء مما قالته. لكنه أصر أن هناك شيئاً ما يحزنها.. هو يعلم ويحفظ كل رعشة فيها. فكيف لا يعلم أنها الآن حزينة! هل هي قلقة بشأن النتيجة؟! ربما تأخرت لتأتي بهذه الهيئة الجميلة وهذا الترتيب الرائع.. هل يكون الحزن من زينة هذه الأيام؟! أحيانا يعطي الحزن للإنسان جمالا أكبر.. خصوصا هي.. كان لتقلبات مزاجها جمال.. كالسماء تعجبك وهي صافية والشمس في وسطها.. وتعجبك وهي غائمة وتنهمر بالبكاء بعد دقائق.. سوف يتمكن من خطبتها من أهلها.. إنه عهد أول لقاء حب.. كانا في المرحلة الثانوية، في عيد الحب. وهو أصر أن يعلن لها عن حبه وأنه غير قادر على فراقها ويخاف أن يخطفها أحد منه.. في ذلك اليوم أشهدَ الوردة الحمراء على عهدهما. فاحتفظت هي بها بعد أن كتب اسمه واسمها على تويجات الوردة.. ورسم تاريخ ذلك اليوم.. كان عهدا بريئا براءة الحب، براءة وطهر الحب.. عهد اثنين تعاهدا على الحب والإخلاص والوفاء مهما طال الزمن.. أوأبعدهما المكان.. نجحا في الثانوية معا.. كان يهنئها بنجاحها عندما رآها والدها معه.. اختطفها منه وهو يشتمه.. لم يسمع ما قاله الأب.. لكنه كان كمن شُلّت حركته فجأة.. كمن أخذت منه الحياة.. النظر.. القلب.. وكل شيء..! ماذا يعني هذا الكلام؟! انهار عندما رأى أثاث منزلهم يرحّل في سيارة كبيرة.. لم السعادة، دائما، ليس لها مكان؟! لم هي دائما راحلة من مكان إلى آخر؟! تُسعد الناس لحظةً ثم تعلن الرحيل؟! هو لا يستطيع منع والدها من الرحيل.. كان يخاف أن يقوم بأي عمل يؤذيها به.. ظلّ واقفا كعادته، صامتا، ينظر إلى ما يحدث.. أحس بشوق للكتابة.. لكنه تأمل أن يراها ولو من بعيد.. ظهرت أخيرا.. من غير أن تبحث عنه مباشرة! كأنها تعرف أنه ينتظر أن يراها! كأنها تطفئ لهيب قلبه بهذه النظرة الرائعة! وكأنها تعطيه ميثاق أمان: الوردة الحمراء وإناؤها بيدها لتقول له: لا تخف.. أينما ذهبتُ سيبقى العهد معي إلى الأبد! فجأة وجد أحد أخوتها إلى جانبه يحمل ورقة كانت كتبت عليها بعض العبارات: "أحبك.. ولن أنساك.. سأذهب إلى الجامعة.. إلى قسم اللغة العربية.. انتقلنا إلى منزل قريب من هنا.." كأنها تعطيه موعداً محدداً! هي لا تعلم أنها قررت مصيره. وقررت سكنه ورحيله.. بل وكل شيء في حياته! وهكذا.. بدأ العام الدراسي وزاد العهد بينهما سطراً واحداً أنهما سيتزوجان عندما ينتهيا من الدراسة. الجامعة لها وقتها.. وهما لهما وقتهما! رسما حياتهما القادمة.. في كل يوم حلم جديد، ووعد جديد.. المهم أنهما، في النهاية، معاً. كانا واثقين من بعضهما. ولم يكن أحدهما يهتم أن يرافق الآخر من كان.. كان يرى إعجاب زملائه بها.. حتى إعجاب المعيدين في الكلية. لكنه لم يشكّ يوماً أنها ستكون لغيره! كانت قمر ليله وشط أمانيه.. هو لم يعلم أن لامبالاته التي كان يبديها تجاهها في علاقته مع الشباب، وكلامه معهم، جعلها تحس أنه لم يعد يهتم بها! وأن حياة الجامعة غيرته! وأن الفتيات اللواتي في الجامعة ربما كن أجمل منها وأقرب إلى قلبه منها هي! لم يكن يعلم أن اهتمام الآخرين وتغزلهم بها ولّد عندها نوعاً من الغرور.. وشيئاً من الحقد عليه هو.. ورغبةً في أن تسترد مكانتها لديه.. لكن كيف؟! هنا بدأت الحكاية.. أحيانا نحول الحب إلى مأساة من كثرة ما نقيده. ونشدد القيود على من نحب.. أو من كثرة ما نجعل حياتنا على ميزان، وننتظر الآخر أن يخطأ فنحاسبه! الحب عطاء.. تضحية.. تفاني.. نضحي من أجل من نحب.. ونعمل كل شيء يسعده. لكن علينا أن نعلم أن لا شيء يضمن للحب نهاية سعيدة.. هو دافعَ عن لامبالاته نحوها بأنه أراد أن يعطيها الحرية في الاختيار! فهي، قبل كل شيء، فتاة من حي شعبي يعرف التقاليد.. وأن مجرد حديث بينها وبينه قد يسبب لها مشكلة! فهي لم تختلط بشباب من قبل. لذلك أرادها، بعد كل معارفها، أن تختاره هو.. من يسمعه يقول ذلك في البداية يقول أنه إنسان نزيه ومقاتل أصيل لا يقبل معركة مع شخص لا يملك نفس أسلحته! وربما يقول أحدهم: يا له من شاب مغرور! فلو كان لديه أدنى شك بأنه قد يخسرها، لما غامر أبداً! أو أنه مستعد أن يتقبل الخسارة على أن يعيش مع إنسانة لا تحبه بصدق.. بكل الحب.. في البداية كان الجميع يعلم أنهما متحابان.. لكن التغير الكبير في علاقتهما غيّر النظرة.. فربما يكونان قد افترقا.. وكلما حاول أحد أن يسألهما عن سبب الفراق كانا يجيبان: الحياة.. الحياة....! كم نضيع السعادة من عمرنا لأجل أفكار لا أساس لها من الصحة؟! أو لكبرياء واهم.. أو بانتظار من يتنازل أولا! وكم نندم لاحقاً على كل ثانية أضعناها! الحب الصادق يبوح بحبه لحبيبه مهما كانت النتائج. فإما يفوز بحبه. أو، على الأقل، يستطيع عندها أن يوقف تردده وضياعه. أما أن يكمل في بناء حبه.. أو يبحث عن طريق آخر.. لكن بعض أصدقائهما كان يريد أن يتأكد من انتهاء الحب بينهما.. وأن يعرف السبب الحقيقي.. فبدأت الوشايات بينهما.. ونقل الكلام حتى وصل بينهما الأمر لأن يتصارحا أمام أصدقائهما في الجامعة! مهما كان، لا يمكن لأحدهما أن يذكر الآخر إلا بكل خير.. لكنهما كلاهما كان ينتظر الآخر ليسأله: لما هذا البعد.. هي لم تعد قادرة على تكرار رفض من يتقدمون لها.. فربما كان حبه سراباً! والعمر لا يرحم! وأمها وأقربائها يقولون لها أن الفتاة قد يدركها قطار العمر فتبقى على المحطة تنتظر المعجزة..! ولكثرة ما أحست بالغيرة من الفتيات المحيطات به، ومن عدم مبالاته بها، قررت الموافقة على الخطبة من معيد في كليتها الجامعية.. وأصبح الحديث عن خطبتها حديث الكلية كلها.. كان إحساسها أنها ربحت جولة من جولات السباق..! فهي فرحة وسعيدة بانتظاره! ولكنها خائفة من السباق أولا! ومن الخسارة في النهاية! خسارة حبه هو.. ولو ربحت الزواج من خطيبها.. هو ظل كعادته هادئا.. لا يعنيه أي شيء في هذا العالم! ففي النهاية كل شيء يحدث كما يتمنى هو! أو كما لو كان هو من يكتب القصة.. إذ لم يغادره ظنه أنه مالك لهذه الأرواح الهائمة حوله.. ويستطيع تحريكها متى أراد! وظن أن الوقت كاف لمتابعة المسرحية الحية أمامه! ومازال وقت التدخل مبكرا..! الجميع لاحظوا كثرة شروده وانزوائه عن الجميع ونظرات الحزن في عينيه.. واستاء أصدقاؤه من صمته ورفضه المبادرة إلى محادثتها! وبدلا من ذلك اشترى لها باقة من الأزهار الحمراء التي اعتاد أن يهديها لها.. وردة.. وردة.. وكتب لها على البطاقة: (ما يهمني هو سعادتك.. فحين تكونين سعيدة أكون أسعد إنسان في هذا العالم)! زاد هذا الكلام من حقدها عليه.. كأنه يسخر منها! وكأنه يعلم أنها ليست سعيدة ويشمت بها.. أحست بالتعب.. بالحزن.. بالكآبة تحيط بها من كل صوب.. أحست أنها خسرت.. رغم الفوز.. أحست أن كل شيء انتهى وأن مصير حياتها لم يعد في يدها.. فإذا كانت تلعب.. فمعيد الكلية لا.. ولن يدخل معها في هذه اللعبة... أتتركه...! وماذا يقول الطلبة وباقي أساتذة الجامعة؟!.. أحب طالبة وخطبها ومن ثم تركته؟!.. لا...... أن هذا الكلام ثمنه غالي جدا.. دار هذا الحوار بينها وبين خطيبها بعد ثلاثة أيام فقط من طلبه منها أن تحدد متى تكون جاهزة لأجل الزواج.. فهو يريد أني قيم حفلة العرس يوم تسليم النتائج.. وعندها فقط أحست بوطأة الجدية والالتزام.. بدأت تفيق على الواقع.. إنها تحبه هو، حبيبها.. ولا تستطيع أن تتخلى عنه! فقررت أن تذهب إليه وتصارحه.. هو الذي كان يفكر أيضاً أن أيام الجامعة أوشكت على النفاذ.. ولا بد من اتخاذ القرار النهائي: إما معيد الكلية.. وإما هو....! المعيد الذي كان معروفاً بمرحه بدا، هذا اليوم، غاضبا بشكل غريب... أعلنت النتائج.. هو ناجح.. وهي راسبة...!! كانت قد دخلت متأخرة.. فهل كان حديثها مع المعيد، خطيبها، هو الذي أخرها؟! وهل نتيجة الدراسة هذه هي نهاية الحديث ذاك؟! عندها فقط أحس كم هو مدين لها.. احتضنها.. وأحس بها كعصفور يرتجف بين يديه.. عصفور ضاع عن عشه قبل زمن طويل.. وها هو الآن يعود إليه طالباً الدفء في صدره الحنون.. والارتواء من ينبوع حبه.. انتهى من الكتابة.. رفع رأسه عن أوراقه.. كانت أمامه تقدم له الدفتر والأوراق التي اشترتها قبل قليل..: - كل عام وأنت بخير حبيبي.. ابتسم متذكراً.. كان عيد زواجهما.. - هنا، على هذا الدفتر، اكتب قصة علاقتنا.. ولا تنسى.. أريده هديتي.. 3/2005
|