SWO
 
اتصل بنا | من نحن | النشرة البريدية | مواقع مهمة | شارك معنا | ابحث في المرصد

المعرفة حق لجميع الناس

الحملة الوطنية: أوقفوا قتل النساء! أوقفوا جرائم الشرف!

منتدى الحوار
منتدى نساء سورية
لا للعنف ضد المرأة
قل لا للعنف ضد المرأة
استطلاع نساء سورية
هل انت مستعد للامتناع عن استخدام كلمات مثل: معوق، متخلف عقليا، كسيح.. بهدف الإساءة إلى شخص أو فكرة؟
 
خط الثقة

 انقر هنا..
أوقفوا جرائم الشرف
الوثيقة الوطنية
إدانات..
شركاء..
مقالات..
فهرس الأسماء الموقعة
أضف توقعيك
حق الجنسية
من أجل قانون جنسية عادل
Languges
English
Français
Deutsch

خدمة RSS


دعد ابراهيم تقدم نفسها كإنسانة أولاً طباعة أخبر صديق
علم الدين عبد اللطيف   
2006-06-03

خاص: نساء سورية

بعد (ضوء أبيض من بعيد) تصدر المجموعة القصصية الثانية لدعد إبراهيم بعنوان (طيران خارج الحلم... وتتضمن عشر قصص.
لم تتصدر قصة (طيران خارج الحلم) المجموعة، بل وسم عنوانها العمل بكامله، لأن الكاتبة في كل قصصها، تبدو وكأنها تحلق خارج الحلم، وداخله، وفوقه وتحته... .ومن خلاله، وأيضاً وراءه وأمامه.
/الأنا / و/الهو/... ضميران سرديان تقاسما القصص بالتساوي، وكأن دعد تأبى أن تسحب أناها على كامل النصوص، في الوقت الذي ترفض إقصاءها أيضاً، الحضور والغياب يتكفلان بإقامة قسطاس التساوي، حتى أن (عبد الله)... يستحضره ضمير الهو الغائب في القصة الأولى، وضمير الأنا في الثانية، لكن الكاتبة في القصتين، لا ترى بأساً في الحضور بذاتها، عبر التوصيف المتعالي على الحدث، والذي يقارب حالة الغياب... ويمهد للدخول في عباءة النص (الكسل صقيع ينشر حضوره فوق جثة المدينة... المدينة تنام على أضواء الشوارع الباهتة... رائحة العفونة تغطي على رائحة رغيف الخبز... السهل المقابل للمدينة خلا إلا من شجر عقيم... ).
تختبئ الكاتبة إذن وراء ضمير الهو، وتقدم التوصيف، وكأن الحدث لذاته لا يكفي دون تدخل من جانبها، ولا بد من شرح الموقف، وإذا منا في هذه الحالة أمام لغة شارحة، فإن هذه اللغة تساهم في تخليق الخط الدرامي للحدث، الذي ربما استعصى على الفهم بدونها، كيف لا ونحن أمام مشهد أقرب إلى السريالية، لا تكفي فيه المعاينة فقط (الأمر غير العادي، والذي شل تفكير عبد الله، هو أن هذه الأجساد لا تحمل رؤوساً) و(انسحبوا يتدافعون إلى قاعة جانبية، وعبد الله يراقبهم بدهشة، كانت القاعة تغص بالرءوس، وكل واحد منهم يبحث عن رأسه) ثم (هذا كان مدعاة لجنون عبد الله، فقد رأى الكثير من الرجال يحملون رؤوس نساء بشعر طويل ووجه جميل، ورأى نساء كثيرات يمشين بثياب قصيرة، ورؤوس ذوات وجوه بلحى وشوارب)... إذن نحن لسنا أمام لوحة سريالية بالمعنى التقني، أو الأداتي، بل أمام حالة تبادلية، المقصود منها أداء المطلوب المحدد، دون مصادرة على بقية عناصر الواقع، في كل هذا عبد الله يبحث عن راوية (تابع بحثه عنها وعن هويته... ) ثم (عبد الله عاشق، وريحانة روحه غابت عنه، والمدينة التي شكلت إنسانه الأول، فارقته، أحس بعمق جرحه، فأصبح مثل نمر جريح )... اللغة الشارحة، الخارجة عن حدود الضمائر، يتم استحضارها لتوصيف الداخل /عاشق/... وإقامة المعادل الداخلي لاسم الحبيبة /ريحانة الروح/... لكن الأمر لا يقف عند هذا الحد، فإذا كان /الهو/ الغائب، يستطيع، بل يحق له ذلك، فإننا من جانبنا، تأخذنا الدهشة عندما نرى /الآخر-الخارج/... الذي يستحضر عادة بشكل تقريري ومباشر، ينحو على خلاف هذا المنحى، فيتضمن التقرير المرفوع إلى أولي الأمر بالمدينة، ذات الصيغة في التوصيف (ريحانة الروح راوية كانت حمامة بيضاء...)... في الوقت الذي يعزى فيه إقامة هذا المعادل – ويجب ذلك – إلى ضمير الهو فقط، الذي يحل محل الذات الراوية، فكيف يتأتى للآخر إتيانه كدال صادر عن راو حاضر بالتناص /عبد الله/... بالحوار أو بالمونولوج؟... لا يطول الأمر بالسرد حتى يورد الإجابة (وراوية يا سيدي هي المرأة التي يعشق، وأحياناً يقول هي المدينة التي يعشق... كلام مجانين يا سيدي... ) إن عبارة كلام مجانين يا سيدي، تفسر حيادية الآخر، وعدم تبنيه لتوصيف الداخل الذي يفترض فيه وحده إقامة البدائل كمعطيات قيمية، والتوصيف على ذمة /عبد الله / الذي سمعه كاتب التقرير يقوله، وإن لم يتضمنه السرد في زمنيته، بل كان المسكوت عنه اختزالاً، وليس نقلاً مباشراً عن ضمير الغياب، إذ يكون وقتها تبنياً من الآخر للأنا، أو الخارج للداخل، وهو ما يتنافى مع قاعدة فصل الدوال باختلاف زمن السرد، أو مصدره، حتى أن الخارج إياه – كاتب التقرير-، يمضي في تقديم الآخر الوهمي، وهو في الحقيقة الداخل المفترض وفق زمن القص.. (فهو يمشي بينهم ويقول الكلاب المسعورة تنهش لحم الرجال...) وكأن الكاتبة تتقصد بناء سياقات سردية مركبة، تنتجها بطريقة التبادل، ولا تنسى الحياد التقني الذي يستلزمه تكنيك البناء المدروس في مثل هكذا حالة، فتقول (مع أن كلاب المدينة يا سيدي نفقت كلها في مرض معد)... يؤكد ذلك الاستطراد الذي يصر على البقاء ضمن ذات التوليفة البنائية (أحدهم تأثر بعبد الله وقال إن دماً أسود أخذ ينز من بعض الحراس له رائحة كريهة... لابد أن الخبر كاذب يا سيدي...)... تقيم إذن الكاتبة مدلولاتها عبر دال حيادي، فتنقل مقولات الداخل إلى الخارج، الذي يتكفل بإيرادها عبر لعبة الاعتراف مع التحفظ، الأمر الذي يضفي مصداقية ما كانت لتتحقق لو كانت ذات المقولات صادرة عن الأنا الحقيقية أو الطارئة في مونولوج الشخصية القصصية أو تداعياتها، أو لو كان نقلها ضمير الهو الغائب ذاته.
في هذه القصة، لا تقحم دعد إبراهيم ذاتها، ككاتبة في النص، لكن ضمير الغائب يأبى إلا أن يستحضرها بحركية مغايرة تماماً لمفهوم الإقحام المباشر (شوهد عبد الله مقيداً إلى ثوب أبيض، روحه تسيل على إسفلت الشارع، صوت راوية يستوقفه، ينظر إليها، تطير بجناحي فراشة... تنبت بينهما شجرة خضراء... تحتضن أحلامهما... ودفء المدينة...)... وعذر الكاتبة في ذلك أنها، وكما تقول في الحاشية الأخيرة للقصة، أنها بدأت تبحث عن القضبان التي تكبل الربيع الآتي بخجل، ولا تتردد في تقرير مشاهدتها لليافطة التي تحمل الأمر السلطاني بالقضاء على جرأة الربيع، وإقامة مقابر جماعية للورود... فالمشاهدة تجبَ حالة الغياب وتنفيها، ولا بد من الحضور لاستكمال مصداقية المشهد، إذ لا يعرف ماذا حدث سوى المشاهد المعاين في عياب الراوي، أو الآخر الحال محل الراوي في تقريره.
قصة (سلاماً لريحانة الروح) ينهض بها بناء مدروس، وتكنيك مدروس بعناية.
في القصة الثانية (المخاض)، يبدو أن السرد تنهض به ثلاثة مستويات، فالراوي / الأنا المتكلم/... لا يطيل حضوره، فقط أربع جمل افتتاحية، لينقل مهمة السرد إلى عبد الله/الآخر/ الذي يتم تقديمه بعبارة (صديقي عبد الله الطيب)... الذي يقدم بدوره صديقه /حيان/... كرافعة ثالثة يقوم عليها تكنيك السرد، هذه الرافعة الأخيرة / حيان/... تبدو وقد حلت محل ضمير الغياب المستبطن (أم أن الهواء ينقل الإشاعات وحده؟ لا بد أن أحداً ساعده، هل هو المعلم حيان؟ لأنه كما يقولون يتواجد في كل الأماكن في المدينة) ثم (المعلم حيان يقول) و (لنعد ثانية إلى ما سمعته منه... قال... )... ليعود السارد المستحضر أصلاً إلى السياق/ عبد الله/... (بعد اختفاء حيان)... بمهمة السرد، الذي ينقطع كل فترة (لا أعرف لماذا أردد كلماته)... ويتناوب كل من / عبد الله وحيان / على إكمال سيرورة النص، كل بمقولاته التي تبدو واحدة بالأساس، لكن اسم حيان / فعلان/ الذي (يتحدث مع الناس أحاديث تجعلهم يقفون مبهوتين أمامه)... كان ضرورة تقنية لإضفاء المصداقية على التوصيف في النص، فيتم اللجوء إلى الآخر الذي يقول ما نود قوله، وهو الأمر الذي قصدته الكاتبة على ما يبدو في اختبائها وراء سارد، يتوارى خلف سارد آخر، ليكون تواتر الحديث دليل صدقيته، فلست أنا الذي أقول، بل الآخر، وآخرين غيره، وفق مقولة هو القائل.
الرمز يبدو / خاصرة المدينة الجنوبية / المعرضة للخطر من قبل /شذاذ الآفاق/... لا يحتاج إلى التنصل من مسؤولية التوصيف وإطلاق حكم القيمة والمعيار، لكن الكاتبة تتنبه لمحذور المباشرة، وتتجنب الوقوع فيه، فتلجأ إلى التركيب، والاستحضار بالواسطة، إذ يرد على لسان /عبد الله/... الشخصية المستحضرة لتحل محل الراوي بأناه (لا أعرف لماذا أردد كلماته، حتى بعد أن غاب عنا، وينتابني الندم لأني لم أسانده منذ البداية، لكنني الآن أحاول أن أنطلق متحدياً مقصاتهم، مخرجاً الخوف من حروفي، حتى لا يكبت إنسانيتي، رغم أني أحسده على غيابه الذي جنبه حضور انكساراتنا) ثم (سأطلعهم على حقيقة غيابه، بالنسبة لنا هو لازال حاضراً، نسمع صوته يردد قناعاته أينما ذهبنا، ومنا نرددها خلفه)... فاسم عبد الله الذي يشي بتعميم الحضور الجمعي /عبيد الله/... يحتاج ربما إلى تخصيص من نوع آخر، يستمد فاعليته من اسمه /حيان / فعلان /... الحي الفاعل حقيقةً، بدليل أن عبد الله – مثله مثل عبيد الله – لا يملك إلا أن يستغرب في البداية عدوانية رئيس المخفر / الضرب/ لجاره أحمد الذي لم يفعل شيئاً على ما يعلم، لكنه لا يستمر في هذا الاستغراب، لينتقل إلى تبرير الفعل الصادر عن الآخر (لابد أنه ارتكب خطأ ما وتجرأ عليهم... ) في الوقت الذي يمضي فيه السارد / عبد الله/ بنقل الحقيقة لا كما خمن (رئيس المخفر وضح كل شيء حين سأل أحمد عن شائعة روجها، مفادها أن رئيس المخفر اعتقل لأنه متهم بالثراء الفاحش الذي لم يرثه عن أهله، وأن مصدره مجهول... قال لأحمد ها أنذا أمامك سليماً معافى، حراً لا يطالني أحد، فمن أين أتيت بهذه الأكاذيب؟ أجاب أحمد أنا أقول ما أتمنى أن يحصل، فهل تحاسبونني على النية؟ ولم ينج أحمد من سهامهم لأنهم اعتبروا نيته سيئة)... إذن لنترك الآخر يستدعي آخرين لاستكمال مصداقية الشهادة، وبعد أن تتم فصولها لابد للسارد الأصلي من العودة إلى حيث بدأ استهلاله بتقديم /عبد الله /، ليكمل بحضوره رسم دائرة الخط الدرامي بالقسم الثالث من القصة، وإن لم توضح الكاتبة أن السارد الأصلي الذي قدم /عبد الله/ إلى المتلقي، هو الذي يختتم القصة بالدعاء (مباركة هذه المدينة التي تحن إلى رجولة أبنائها، ولا تخفي هذا الحنين )... فإن اعتماد هذا المنطق ليس مستبعداً، لا بل مفترضاً، وفق مبدأ الشك يجب أن يفسر لصالح صاحب الغرم، وحتى لو لم يكن الأمر كذلك، واستكمل السارد المستحضر / عبد الله / هذه الدائرة، فلن يختلف الأمر، فقط يمكننا أن نتساءل عن مصير صديق عبد الله، الذي يمكن أن نخمن تبنيه لمصير كل من عبد الله وحيان... .ولا يهمكم، يكفي وجود الشباب.
في القصة الثالثة /خلف المطر/... تلجأ الكاتبة إلى تقنية مختلفة، لكنها تنتمي إلى ذات التكنيك الذي اعتمدته في القصتين السابقتين، فتهرب من المباشرة، عبر استحضار شخصية أخرى مفترضة يقوم اسرد عبرها بالحوار مع السارد الأصلي، يبرر هذا إشكالية المصداقية في تقديم الذات، بدون آخر يتكفل بتقديم هذه المصداقية للمقول المفترض، على الأقل فنياً (أنت حزينة لأنك وصلت مع زوجك إلى مفترق صعب... علت الدهشة وجهي وصوتي، فقلت صحيح كيف عرفت؟) وكأننا بالكاتبة تقول ربما نكون فعلاً بحاجة إلى آخر يضعنا أمام أنفسنا، رغم حساسيتنا تجاه الصدمة التي يمكن أن يحدثها بصراحته التي نفتقد مثيلتها في ذواتنا (حين تذكرت أنني أتكلم مع امرأة غريبة عن خصوصياتي قلت لها بغضب ولكن من أنت؟ وما الذي تعرفينه عني؟).
مسألة الرمز هنا تبدو بسيطة، لكنها في الواقع تحمل بعداً فنياً مدروساً، فالطربوش الأحمر الذي يعتمره الرجل، ويتباهى به، هو ذاته عرف الديك الأحمر، الذي يدل به ويزهو على إناثه... (بدأ يكبر، ولم تتوقف ظاهرته في غرفة النوم، بل تجاوزها إلى الصالة، وإلى غرف البيت كله، حتى المطبخ لم يخل منها..) وتقوم الشخصية الأخرى بالمساعدة المطلوبة (وعملك أيضاً لم يعتقه، فقد زين بالعديد من الطرابيش، حتى أصبح الزملاء والزميلات يتغامزن عليك)... هذه السلطنة المكرسة بالطرابيش، هي موروث، قد لا يستطيع الزوج نفسه التخلص منه، رغم محاولته ذلك (شعرت أنني أنزاح شيئاً فشيئاً، فهناك من يخطط لبعدي عني، وإلهائي بالأدوار الثانوية للرقص الشرقي، لكنني يا سيدتي لم أخسر جدي من أجل طربوشه، ولم أخسر أبي، وسوف أحاول ألا أخسر زوجي... ) ثم (حين رآني أكرم، أحسست كم هو نادم... لم يصدق عودتي بعد إهاناته، واعترف بأن ردة فعله كانت خاطئة... اعتذر لأول مرة) (كما أنني لاحظت خوفه من الطرابيش مثلي )... هذه الشخصية الأخرى، تفاجئنا القصة - فنياً على الأقل -..وليس على مستوى الحدس، الذي تبرر الحوارات قيامه، وتستبق نهاية القصة... بأنها هي ذاتها الشخصية الأولى وقد استولدت شخصية ثانية منها (اقتربت منها وكأنني أريد مبرراً لحزني، وحين نظرت إليها، عرفت فيها طفولتي وصباي، عندها تركت مقعدي، وركضت في الحديقة خلف المطر)... هل يكون الخوف من الذات؟ من المشاعر التي نأبى الاعتراف بها؟ ربما كان خوفنا من تبكيت الضمير إزاء حكمنا على الآخر، ولو كان في محله، هو أسمى مظاهر الإنسانية، خصوصاً إذا كان الأمر يتعلق بامرأة تواجه رجلاً... رجلها، امرأة من نوع خاص كما يبدو، وأيضاً تقدم الحاشية الأخيرة تعقيباً رائعاً (حين وضعت المرأة في سجن إلهي، ضاعت في تضاريسه كل الكلمات، وكل العصافير)... فالمسألة تكمن هنا، في هذا السجن الإلهي، الذي يجعل المرأة مهزومة أبدياً، أمام جدها وأبيها وزوجها... وربما ابنها، فلا عجب أن تضيع كلماتها التي ربما كانت تصلح لاستحضار عصافير الدنيا.
في حالة خاصة أيضاً ، يبدو أن الكاتبة تلح على إيجاد الآخر، فتنتظر (بهاء) حبيبها الذي تعرف أنه لن يأتي، لكنها تعيش انتظاره كي تبقي على اخضرار روحها... واخضرار المطر،وفي قصة كهذه، يبدو أنه لا مندوحة من تدخل اللغة كعنصر تقني في بناء النص، واللغة الشارحة تحديداً ، فهي ذاتية بامتياز،ولذلك أيضاً فإن حضور الكاتبة كان مفهوماً من حيث أن تداعيات الداخل / الذات/ يبدو أنها تحتاج لمثل التدخل، من وجهة نظرها على الأقل، ولم يتم الاقتصار على استخدام ضمير الغياب الحر، حيث يمكن لأي كاتب الاختباء خلفه، وتوظيفه في مثل هكذا حالات، / بداخلها كانت تعيش امرأة سؤولة / بهاء تحاول أن تبعد المرأة السؤولة، لأنه يوم احتفالها / .
القصة بإغراقها في الذاتية، تصل إلى حالة من مساجلة الداخل، لا استدعاؤه فقط، عبر تشخصن مفترض... ابتداع للآخر، لتحقيق التوازن، هذا بالضرورة ينحو بالقصة عموماً –أي قصة – إلى الاقتراب من الخاطرة، وإن كانت الحاشية الأخيرة قد قالت ما لم تقله القصة، أول مرة قال لها وأنا أحبك أكثر، وفي الثانية قال لها شكراً... ثم في الثالثة أجاب بإيماءة من رأسه.
وحتى في وردة الصقيع، تقوم المشاعر برفد الأنا الساردة بمادتها القصصية، لكنها تحل محل الحدث الحقيقي ذاته / لنتذكر قصة خلف المطر /... الخوف من المواجهة، إنما هذه المرة مع الآخر، الندم وتبكيت الضمير... والاعتذار عن أخطاء لم نرتكبها، ربما أفاد تقطيع القصة إلى مقطعين في الاستغناء قليلاً عن اللغة الشارحة، بحيث تم الفصل بين الحدث الحقيقي، الذي ينهض به حوار مسترجع... مفارق لزمن القص، وينتمي إلى الذاكرة فقط، وبين الحدث المفترض/ النتيجة/، تداعيات الداخل، وذلك في المقطع الثاني، وهكذا أمكن الاستغناء إلى حد ما، عن حضور اللغة كمعادل لغياب الحدث، فقط بهذه الحركة البسيطة.
في (طيران خارج الحلم)... يقوم التخييل بدور الرافعة الأساسية في تنامي الخط الدرامي للنص، وتلجأ الكاتبة إلى طريقتها في إيكال مهمة الإيصال لسارد طارئ (أخباره كانت مادة دسمة للأمهات في تسلية أبنائهن، فلنستمع إليهن يروينها لهم)... الراوي الحقيقي ينقل عن راو آخر، ليس على مسؤوليته المباشرة /بلسانه/، وكان من الطبيعي أن يحدث بسبب هذا إنزياح في زمن القص، لنكون أمام حالة سردية متداخلة العناصر... مركبة، أغنت النص وعمقته، ولكن إلى حين / اختفاء صالح المحمود/، وبطبيعة الحال لن يكون من الواقعية في شيء إكمال الحكاية على لسان الأمهات، ولا بد من تدخل السارد الأصلي لإكمال الصيرورة القصصية (ولم يعرف أحد المكان الذي استقر فيه، وتنتهي حكاية الأمهات)... ويعود الراوي الأول ليمسك بزمن القص من جديد، ويعمل التخييل عمله (لاحظ شيئاً غريباً فوق جسده جعله ينقز ويرتعب، فق كان ينبت له ريش قاس)... الأمر هنا يبدو معكوساً لجهة البناء الفانتازي،فالآخر الذي يفترض به رؤية الواقع، خلافاً لتداعيات التخييل الذاتي، هو الذي يتولى مهمة تنامي هذا التخييل واستكمال فصوله (لكن وأمام دهشتهم، أخذ جسد صالح يطير ويطير خفيفاً، لكنه كان ذاهلاً وحزيناً، يرتجف قلبه وهو يودع روحه التي كانت تتهاوى منفصلة عنه، ترتطم بالصخور والحجارة وتدمى، إلا أن أحداً غيره لم يشهد مقتلها... ) النص هنا يقيم إشكالية حدثية، فليس الجسد الذي يتهاوى، بل الروح، والآخر الراصد لا يمكنه متابعة حركة الأرواح بطبيعة الحال،، ويثور هنا سؤال الغاية المفترضة، فإذا كان بناء النص قد عانى من بعض التزيد في إطلاق التخييل / المراوحة/ المغادرة والعودة السريعة / إنزياح بين الداخل والخارج/ الأنا/ الآخر/ الهو المنحاز إلى الخارج أكثر من الداخل، فربما برر الأمر وجوب توزيع مسؤولية سيرورة الحدث النهائي، وخلافاً للعادة، فإن الحاشية الأخيرة لا تقدم إيضاحاً مهماً فيما يتعلق بحساسية وخصوصية الخط الدرامي للنص، أو لتبرير تكنيك التقطيع، والانتقال من سارد إلى آخر، واللعب على فكرة الزمن، إذ يفترض أن الداخل هو الذي يقوم بالتسبيب في حالات التخييل المختلفة، أما هنا فيحل الخارج محل الداخل ويطلق إشكالية الوهم والحقيقة.
قصة (ذات)... التي تذكرنا بقصة الشيخ والبحر، مقتضبة وموحية بآن، فالصياد العنيد (حسن) يصطاد بصنارته سمكة كبيرة، بعد صراع معها ومع البحر، وعندما يخرجها إلى الشاطئ، تتألب عليه قروش البر هذه المرة، وليس قروش البحر كما عند همنغواي، ويقررون نقلها إلى العاصمة في براد كبير، لعرضها ربما.
الفرق بين همنغواي ودعد إبراهيم هنا، في تأكيد أن للبر قروشه، هذا على مستوى الخارج، أما بالنسبة للداخل / الصياد حسن/، فإنه استطاع تحقيق انتصار ما، ولو بالنسبة إلى علاقته مع الخارج/ قروش البر/.. فجنب السمكة / إنجازه/ شر هؤلاء القروش ولو بعد موتها، ولو لم يستفد هو من صيده... سأهزمكم على حسابي.
إنها قصة تنضح بالإيحاءات والإحالات، ينساب فيها السرد سلساً دون مطبات أو عوائق، فالفكرة واضحة ولا تحتاج إلى تقنيات من نوع مختلف، وكان أن لازم السارد زمنه، ولم يفارق مكانه.
قصة (دوائر الصمت)... تقيم العلاقة بين الداخل والخارج بمستوياته الشعورية والحسية، والتأثير المتبادل في علاقة كل منهما بالآخر نتيجة تداخل العناصر والبنى والأنساق، حيث تنتج حالة جديدة، هي محصلة غير جمعية على المستوى الحسابي، فالجملة ليست حاصل جمع مفرداتها مع بعضها، بل نتيجة تضايفها وإحالاتها إلى بعضها، والتأثير المتبادل نتيجة ذلك، وهكذا نكون أمام نوع من استيلاد غير متوقع، يقيمه الواقع بتجلياته وإشراقاته غير المنتظرة / الداخل والخارج/ كمتلازمتين تحيلان إلى بعضهما، ويكمل كل منهما الآخر، فلنترك للمواضيع مهمة الاصطفاف، الفكرة بسيطة وغير معقدة، وقد لا تترك للاحتمالات بعداً يذكر، ينهض بها نص بعيد عن التكلف والتعقيد، ويقارب التقرير (أخذت أشعر بانتمائي إليهم، أحزن لحزنهم، وأعيش سعادتهم) ثم (أنا دخلت الدائرة ولا أريد أن أخرج منها... تستطيع أن تكتب عني... ).
في قصتي (نبتة من رحم خجول) و(ذاكرة الصور الميتة)... يتم استدعاء الخواطر / الداخل/... الذاكرة... الثقافة... الماضي... المستقبل، وفي كل ذلك لا يتحرك الزمان أو المكان، وتبقى إحالات القصتين ضمن سكونية زمن القص... الاسترجاع، ويكون لشطحات الداخل دورها في ترسيم احتمالات القص وتداعياته.
دعد إبراهيم، في مجموعتها هذه، تقدم نفسها كإنسانة أولاً وأخيراً، ويمكننا أن نستذكر قولاً يفيد... إذا كان الإنسان يستمد كل معرفته وأحاسيسه من الوسط الذي يعيش فيه، ومن تجربته التي يتلقاها من الحياة، فيتوجب عليه أن يبني عالمه بطريقة تظهر تفاعله مع العالم، واستيعاب وتقديم ما فيه من إنساني بالفعل، وأن يقدم نفسه بوصفه إنساناً حقيقة، وأن تتوافق مصلحته مع مصالح البشر، وإذا كانت أمزجة الناس تحكمها ظروفهم، فينبغي العمل على جعل الظروف ذاتها أكثر إنسانية.
هذا ما أقدر أن دعد تريد أن توصله في عملها (طيران خارج الحلم).

27/2/2006
  

 
< سابق   تال >

أبواب نساء سورية
الصفحة الرئيسية
مرصد العنف
قضايا المرأة
العنف ضد المرأة
قضايا الطفولة
العنف ضد الأطفال
قضايا الأسرة
قضايا الرجل
قضايا المعوقين
المراهقة والشباب
حياتنا الجنسية
قضايا الإيدز
التدخين والمخدرات
قضايا صحية
تربية وتعليم
سكان، تنمية، بيئة
مجتمعيات
فلسفة ورأي
حوار مفتوح
فن وثقافة
إبداعات حرة
كتابك المجاني
كتب وإصدارات
دراسات قانونية
قوانين واتفاقيات
تقارير ووثائق
سؤال وجواب
نشاطات
قضايا الجمعيات
مرصد الإعلام
أدلة وتدريبات
تعاريف ومصطلحات
الاتجار بالبشر
زوايا نساء سورية
زاوية حادة
سكر نساء
بين السطور
وإلى موعد آخر.. كل أحد
همسات صارخة
قالت لي العصفورة
مواطنيات..
شغفي..
علم نفس واجتماع
مقالات ودراسات
رسائل وحلقات بحث جامعية
مراجع باللغة العربية
مراجع باللغة الانكليزية
سير ذاتية
دورات، محاضرات، نشاطات
صفحات أساسية
أرشيف الافتتاحية
سيرة ذاتية للكتاب
كاريكاتير
صفحات خاصة بالجمعيات
رابطة النساء السوريات
مركز البحوث والدراسات
المركز الإنجيلي لرعاية المسنين
نادي دوحة الميماس
إحصائيات المرصد
عدد المقالات: 5996
عدد القراء: 3581886



© 2008 SWO
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.