|
علم الدين عبد اللطيف
|
|
2006-06-03 |
خاص: نساء سوريةقال لها : - مرة فارقتك... ابتعدت عن عينيك ، وبقيت وحدي، إلى أن جاء النوم بعينيك إليّ مجدداً، كان ليلاً جميلاً... ساكناً ، فنمت فيه، كان الهزيع الأخير منه يتولى حمايتي من غائلة اليقظة، عندما فاجأتني عيناك.... نظرت إلى الشفق... كان يتلون بعينيك، عرفت إذ ذاك لماذا تشرق الشمس من هناك... ولماذا يسجد هنالك الجبل، ولماذا تتلون أوراق الحبق بالخضرة عند نافذتي، لم أعد أبحث من وقتها عن بياض القمر... صرت أهرع إلى حضن الليل، وأغمض عيني حتى مقدم الشفق... لا يهمني شروق الشمس ، ولا يعنيني سجود الجبل، صرت أرى بعينيك ما لم أره من قبل بعينيّ ، كانتا تأتيان باتجاهي، وتعبراني إلى ما وراء ذاكرة عيني... فأرى فيهما مقاطع طويلة ولا متناهية من الأوقات... والأمكنة... فيما وراء ذاكرتي، نعم عيناك أصبحتا ذاكرتي، رأيت في قاع خضرتهما بلداناً من السرو... وحدوداً تنداح في الأزمنة المستحضرة... رأيت بحاراً تحتضن قيعانها، ترضعها الملح، وتأخذ منها الفيروز.. وتقدمه لأبناء اليابسة بعد أن يئست من انتفاع كائنات الماء منه. يتوقف قليلاً.. كمن يعيش العالم الآتي... وتبقى هي في ما مضى من لحظات الرؤى، مستسلمة إلى يقين المشهد... يتابع بعينين مفتوحتين على عتمة المكان... وبياض الحلم: - في عينيك تعرفت على تاريخ مختلف... ولا عجب ، ففي المدارس لم يعتمدوا عينيك في قراءة التاريخ، فيهما يختلف لون التاريخ عن الألوان القشيبة ، التي لونت بها عيوننا الأسفار.. وكتب الأخبار... رأيت وجهاً أعرفه وأنكرني.. خارجاً على الإرادات السنية... والأوامر السلطانية، موصوفاً بالشقاوة، وموسوماً بالتمرد ومفارقة الجماعات، يشوب بياض يديه خط رفيع من دم نازف... يسيل داكناً من راحتيه المخروقتين بالمسامير. الوجه المتثائب لا يأبه لليدين المشدودتين إلى الأفق... جنوباً وشمالاً... ولا لذلك الخط الرفيع من الدم النازف، يقطر داكناً، ويعبر الراحتين وعرض الخشبة... تتطلع إليه الأرض التي لم يتسع له بطنها. تخشى رفيقة الليل والحلم أن تصدر عنها نأمة تفلت من قيد الكبت، أو زفرة توقظ العينين المفتوحتين على شفق التواريخ، فيتوقف عن المسير عبره... فتعاند قساوة الإصغاء.. ويتابع: - كانت الأرض ترنو إليه متسامياً، خائفة أن يصبح الفضاء قبراً لطريد بدنها، تلوم الرياح على قبوله لاجئاً... مسجّى على صهوات الجنوب، فيما يرنو الوجه إلى الكون المحتشد حول السارية... المبتعد عن التراب المتشقق... ينظر إليه بحنان المفارق... تمتد كل الأيدي إلى حدود الأفق، حيث تشير اليدان... الأرض تستعد لوراثة اليدين... والأشباح تنهرها... النجوم تراقب ما يجري من عل... تسأل عن مصير شهرزاد التي سكتت عن المباح والمتاح من الكلام... لعل تهدأ مؤامرة الفصول. وكمن يقرأ المشهد المتتابع في الآن الراهن.. وبإيقاع المنفعل مع المشهد يتابع: - الوجه المتنامي فوق حدّ الأفق، يستعد ليجوز المدى... ويصنع مجد الفضاء، بعد أن جحدت فيه الأرض بنوتها... هاهم مهرجوا البلاط... يبسطون أيديهم وأرجلهم في الوصيد... السلاطين والولاة، مع حواشيهم وولاة عهودهم... وقيانهم... ومحظياتهم... وغلمانهم، يفترشون العظام... ويعاقرون الهواء... والغناء... والدنان... وبنات الروم والكروم، يذبّون الوسن عن مآقيهم، كيلا تتسرب نتف من الزمان الماجن، خارج جادات حلوقهم ومآقيهم. - تستسلم الصبية لهنيهة من الصمت المهيب، وكأنه أمام نوع من الآلهة يتكلم... يعود بعدها إلى الوصف: - الآن عرفت لماذا قطعت أوصال معبد وغيلان والسهروردي والحلاج... ولماذا ثار بابك.. والنفس الزكية، ولماذا كوفئ أبو مسلم بالقتل... ولماذا لم يحرك خليفة الظل... وظل السماء ساكناً عندما اقتحم الغبار والتتار.. والفرنج... وأغمض عينيه عن تطاولات البرمكي.. والمملوك الصقلبي.. واستوزر وصيفاً وبغا بدون مرسوم سلطاني.. واحتمى خلف مسرور السياف... ولماذا اضطر أبو عبد الله.. غير باغ ولا عاد.. للخروج من غرناطة وقرطبة وطليطلة... ولجأ إلى جدران الطين في أواسط المغرب... هاهو التاريخ في مكان أقل وضوحاً، تبين من خلال فواصله، منازل منخفضة.. وبلدان منخفضة.. تبدو متعبة، وتتكئ على مناكب الجبال.. وأخرى ينزف الدم من بواباتها.. يتجمع نهراً، ويتساقط رذاذاً على أزهار السفح.. مهلاً... هاهي المتجردة من أوراقها.. يسقط نصيفها.. فتتقينا بيدها... يتميز النعمان غضباً.. ويرتجف برداً... يجب أن نغطيه بأضمومة شقائق من بنات النزيف.. لينسى التحديق والطريق... ياله من طيب القلب... لقد تكفّن بالشقائق.. وثوى في اسمها يتيماً قانعاً. نهضت الصبية شبه مذعورة.. لم تعد تحتمل ثقل حلمه... وعندما أحسّ بها استجمع نفسه، وفتش ببصره يتعرف مجدداً على المكان... نهض كمن يفيق من سبات دهر... مد يده كمن يستمهلها للحظة.. ثم استدار إلى حيث ينتصب الجبل ملوناً بسواد الليل. - أيها التاريخ... يا من وقعت عيناي على عريك.. كما وقعت على عري تلك الوردة المسكينة.. المتجردة من أوراقها... لا تعدو كونك حلماً... قد تكون ولادته وشيكة، إنما لم يولد بعد... وأنا الحالم الذي لا يجيد سوى الغناء في الحلم.. ماذا نفعل في هدأة الليل... سوى أننا ننصب شباكنا للشفق؟ هلم نسكن البرق.. فدموعنا المسفوحة على بوابات المدن... ديست كجسد غريب هالك. تعود الصبية إلى مواجهته.. وهي تجهد للخروج من ذهولها... وكأن حلمه قد تسرب إليها.. وخاطبته وهي تبحث بعينيها عنه: - أين أنت ايها القاطن بعيداً؟ تبصر معي عن قرب ذلك الخط الذي يتحرك.. ويموء في ذاكرتي.. وحلمي، كبيرق جيش مهزوم لا يزال منتصباً تنوشه الرياح.. ماذا أعرف من السبل إليك؟ وهل أستريح يوماً من عبث الأحلام؟ 18/8/2005
|