|
علم الدين عبد اللطيف
|
|
2006-06-03 |
خاص: نساء سورية-هل يمكن أن تجد القصيدة الحديثة مكاناً للنشر لديكم يا أستاذ؟ فاجأ هذا السؤال مدير التحرير، وتوقف قليلاً لكنه أجاب: -ماذا تقصد بالقصيدة الحديثة؟ - الشكل الجديد للشعر.. على طريقة محمود درويش ووووو.. - نحن نعرف الشعر كما استقر عليه شكله خلال الزمن، وهو خلاصة تجارب المبدعين من أسلافنا، ما يكتب حالياً.. ويسمونه شعراً، هو محاولات لا ترقى إلى مستوى التصنيف الأدبي.. هذا إذا أحسنّا الظن بأصحابه.. ما من شيء يمنع الملاح عن خوض العباب، سوى العجز عن ركوب الأمواج.. وأولئك الذين يبللون باستحياء أقدامهم بماء الشطوط، لن يكونوا ملاحين قط. أحسّ الشاعر أن الكلام يعنيه مباشرة، فقال بهدوء: منذ الجاهلية وحتى الآن، مروراً بالعصور المختلفة، كانت القصيدة تمثل المرحلة الزمنية التي تكتب أو تقال فيها، ومن هنا تأتي قيمتها، عندما كان المجتمع في حالة انفتاح وتطور، كانت القصيدة متطورة، ومتجددة أيضاً.. المجددون قدماء، من أبي النواس، وأبي تمام.. إلى شعراء الموشحات.. القصيدة كانت، ويجب أن تبقى معبرة عن مرحلتها، ومنسجمة معها. ما هو التطوير والتجديد الذي تعنيه؟ - لا أظن أننا سنختلف على المصطلحات، التطور هو امتلاك خيار الأفضل ,والانتقال إليه.. أو عبره. حرام عليكم، الشعر للناس.. ليفهموه حين يقرؤونه.. إذا كان المثقفون لا يفهمون ما يكتب فمن يفهم إذن؟ لو كان أسلافنا نظروا إلى ماضيهم كما نفعل الآن لما وصلت أخبارهم إلينا.. نحن ندرك أن النفس تعشق ما استقرت عليه الحواس، ليس من السهل استيعاب الجديد، حتى لو توسمت أنه الأفضل، في كل الأحوال نحن نحترم الماضي.. الاحترام شكل من أشكال الإخلاص، ويعبر عن أصالة متوارثة وراسخة، لكن احترام الماضي شيء وتقديسه أو عبادته شيء آخر.. تقديس الماضي يصرف نظرنا عن كل إبداع وتجديد، لا مجال للتطوير أمام قداسة الموروث بصفته موروثاً فقط.. الإبداع أصبح بدعة والبدعة كفر، كل مبادرة هي خروج على نمط الحياة الساكنة، المطلوب أن تبقى الأمور كما هي، وبذلك يستتب الأمن والنظام، هل يتوجب علينا أن نحمل مصباحاً في رابعة النهار، ونبحث على ضوئه عما أضعناه كما فعل ديوجين؟ آن لنا أن نستغني عن الكثير من الوسائل التي كانت تتوسلها القصيدة القديمة.. من تعابير وصيغ وقافية ووزن لتناسب المقامات الخطابية التي تعبر عن مرحلة شفاهية آفلة. إذن أنتم بصدد الثورة على التعابير والصيغ والمفردات.. ومن يدري فقد تطال ثورتكم اللغة ذاتها، أو أن اللغة لم يحن أجلها عندكم؟. نهم أنا على يقين بأن الكثير من كلماتنا مريض، منها ما فسد أو ترهل وشاخ.. طريقة الخطاب ومفرداته تحدد انتماء الفكر.. اعتدنا على طريقة في الكلام والتخاطب تدعي الإحاطة بكل شيء، وتفسير كل شيء، الاختيار قليل جداً حتى المترادفات يجب أن نكن حذرين باستعمالها، لمل لفظة موقع مطوّب باسمها منذ الأزل، ولا تنزل في غيره، إذن المفردة هي التي تحكمنا. بعد أن قامت بدور إثارة الحماس في الماضي.. وحلت مكان الأفكار التي يفترض فيها الدلالة عليها.. التصميم النابع أساساً من الأسلوب الارتجالي الخاضع لصورية اللفظة هو ما يبقينا في عوالم مبتورة ووهمية.. نظن أن أفكارنا المقولبة باللفظة هي الواقع، وهذا ما يجعلنا نرتاب في كل ما يخالفها، ونجزم أن الحياة خطأ لا يحتمل إذا لم تناسب أفكارنا، إذا اهتز الفكر أو ترنح، نظن لأن الحياة هي التي تتهاوى، نحن متفاوتوا الحرية لاعتبارات تضغط علينا وتستعبدنا.. نعيش كقدر في حين يجب أن نعيش التجربة. حين فرغ من كلامه، رفع نظره إلى ذلك الجالس على الكرسي وراء المكتب.. كان يغط في نوم هادئ.. وربما كان يحلم بنظم قصيدة عصماء.24/8/2005
|