خاص: "نساء سورية"كل الجهات معروفة, فقاسيون سمت الشمال دائماً, ومنه تعرف بقية الجهات غير المرئية, والأبعاد الأخرى للزمن والجغرافيا.. يمكن إدراكها بالحدس.. أو بالقرينة, إن لم يكن بقراءة مفردات الأشياء الكثيرة في تلك المدينة المتمددة في الجهات الست. في عز النشوة كان يقول, هنيئاً لمن ولد هنا, في دمشق التي تختال بين رموز التاريخ, وخضرة الغوطتين, فلن يكون لزاماً عليه أن يقول لها يوماً وداعاً. وإذ لم تكن قد ولدت بعد الحجرات الموصدة.. والدهاليز السرية, فقد كانت دمشق جزءاً من مشروعه الكبير عندما قدم, وأنه مع الآخرين, ربما كانوا عناصر مشروع, وقد مضى جزء ليس باليسير من الزمن حتى فهم الشارة, إنهم لا يعدون كونهم بيادق في لعبة المدن... و... وإذا كان من مشروع, فليكن كل فيما يخصه. في عروق هذه المدينة المتوهجة, كان مندفعاً مع تيار الحلم الحار.. المتدفق من طراوة الريح وضوع الياسمين, والليالي المندّاة برطوبة التواريخ, وأحلام مدينة تبشر بالانتصار. لم يعد يعرف تلك القطرات التي تملأ وجهه, أهي رطوبة ليل دمشق, البليل بالندى الهابط في الأماسي الخريفية؟ أم هي دموع الروح التي ترقب وداعاً قادماً لهذه المدينة التي لم يولد فيها؟.. هل يبكي نفسه؟ أم يبكي توقف رحلة الذاكرة التي سعدت واغتنت فيما مضى من أيام النشوة؟ واغترفت من معين مدينة أرخت على عينيه ذوائب شعرها... فاتقى بها لسع الريح وتوهج الشمس... سكن بيوتها, وسكنته زواياها, وساحاتها ونواديها.. وياسمينها... وتفرعات بردى التي تصر على مفارقة المجرى الهابط, وتختار الصعود, لتمر عبر قاسيون. يومها كان القلب طرياً, ويافعاً, كحقل من العشب النابت, يحلم بالندى كل صباح, ولا يحسب حساباً للريح, وعندما جاءت زوابعها, لم يكن يملك إلا حماية عينيه من مشهد انخلاع الأشياء, وتطاير الركائز, وهبوط الأشباح من الفضاءات المكشوفة. أدرك أن حلم دمشق, ليس امتداداً لحلمه في موج يتمنى أن يبقى غامراً إياه... يذكره بنفسه التي تركها عنده ذات صباح, بعد أن امتلكه عشق الأفق المرجاني. كان في الماضي عندما يغمض عينيه, يفكر بالمستقبل,أما الآن فإنه بإغماضهما, أصبح يفكر بالماضي. ما من أحد يفكر بالالتفات إلى الخلف طالما هو ماضٍ في سيره, الوقوف وحده..أو التوقف, يتيح إمكانية النظر إلى الوراء, وقد يصبح ذلك حاجة, أو مجرد رغبة..أو تشفّ..أو تحسّر, وفي كل الأحوال, في ذلك ما فيه من استرجاع لفترات اندلاع الخيال, يوم كانت الدنيا تطفح بألوانها, ذكرى دفق الخطى, وهديرها في أروقة الحلم, وتوزع الروح ما بين ضفاف المسافات, وسفوح القلق... أترى قد حان الوقت فعلاً للتفكير بالماضي بصمت؟ وبتوجّس من لم يعد يرغب بالاقتحام؟ أم هو خريف فصول الحلم, الذي لا مكان فيه للفراشات, ولا لارتعاشات الظلال. ترى ما هذا القادم من قلب الغبش؟ وهل سينجلي اللون مجدداً, ويتكشف عن قمر أخضر, طالما كان نافذة وملاذاً؟ أو هل سيغطي هذا الشحوب رحيل الصيف والأفكار؟ في حين لا نزال ننتظر انبجاس الماء من القيعان. هنيئاً لمن يتنزّل الصباح في أحضانهم, دون أن يكونوا قد ذرفوا دمعة اشتياق له, تعالي يا نجمة الصباح.. لطالما مددنا أيدينا لك جسراً.. وأغنياتنا سلماً... الطريق إليك مشتعل, والمدى مغلق, وفي أعيننا حلّ الدمع مكان الأمل. وعندما تتيتم الصباحات, وتصبح الأماسي ثكلى.. وتهرب الطرقات, يحق للأهداب أن تلتصق, وتترك الخيار للحنين في أن يختار ذكرياته الدفينة... أو مراثيه. 30/6/2005
|