|
دان ولش.. عن الملصق الفلسطيني: يوازي موسيقا الجاز.. ولهما الروح نفسها |
|
|
|
عمار حسن
|
|
2006-06-02 |
فن طازج كرغيف الخبز الساخن، طازج كل يوم ولسنوات طويلة، فن يشرح ماهية مصممه ويوغل كزوبعة في شعور المتلقي، يقلب مفاهيم ويثبت أخرى، وربما يشكل شعوراً جديداً أو توجهاً مختلفاً، وهذا ما حدث مع (دان ولش) الذي قلب ملصقٌ ما تفكيره رأساً على عقب، فنان أمريكي مدافع عن القضية الفلسطينية منذ ثلاثين عاماً، جاء إلى دمشق ليحاضر في مكتبة الأسد ليومين (11و12/1/2005) عن التناقض بين الملصق الفلسطيني والإسرائيلي. ولش هو داعية ثقافي فيما يتعلق بإرث فن البوستر، ويهدف إلى تعريف الأمريكيين بالمشروع الصهيوني وأثر ذلك على الشعب الأمريكي. يشرح ولش، أن وجود الملصقات الفلسطينية تمثل ذخيرة حية لتعليم الأمريكيين القضية الفلسطينية بأبعادها الحقيقية من أصحابها، إن معارض الملصقات التي تقام، تعطي الأمريكيين تصريحاً لمعرفة المزيد عن الحركة الصهيونية والصراع العربي الإسرائيلي. وما يجعل الملصق ناجحاً هو قدرته على الوصول السهل والمرن إلى عقول الناس، وهذا ما يجعله مهيمناً إذا ما وظف توظيفاً أمثل من حيث استعمال مفردات يفهمها المجتمع الذي تراد مخاطبته. ويلعب الإنترنيت هذا الدور بنجاح من حيث إيصال الملصق إلى الجميع. ويؤكد ولش.. أنه من الصعب أن تصل بغير الفن إلى الأمريكيين. وقد جربت الحكومات والنخب العربية الكثير في مجال إقناع الحكومات الأمريكية ولم تنجح. إن مخاطبة من يجلسون فوق، أي بموقع القرار الأمريكي، لم ينفع، فلم لا يجرب العرب وخصوصاً الفنانين مخاطبة الأمريكيين من تحت؟ بمعنى مخاطبة الشعب. وبهذا تصل إلى الحكومة الأمريكية. والمعروف أنه يطلق على الأمريكيين لقب جماعات المصوتين، أي أن كل جماعة تصوت على قضية. والتصويت لعضو ما في الكونغرس يتم بناء على ما يحمله من قضية. وهناك سلسلة كبيرة من القضايا التي تهم الأمريكيين من حقوق الحيوان إلى الولاية الرئاسية. وما يلفت كما يقول أن المنظمات الصهيونية لها تدخل سلبي في خصوصية كل قضية. يضيف ولش: إن المشكلة في الإعلامين العربي والأمريكي أنهما يعملان على موجتين مختلفتين، وهما لا يصلان، لن تنجح بهذا النوع من الإعلام، فالأمريكان لا يقرؤون ولا يهتمون، فأنت تضيع وقتك عندما تكتب، ليسوا مفكرين بالعمق، لا يعيرون أهمية إلا لمواضيع كيف تصبح مثيراً؟ أكثر ثراء؟ بالموسيقا والمشهورين والأضواء. إن الإعلام العربي موجه إلى جهة واحدة هي الكونغرس. وفي هذا الطرح أنا لا أكره بلدي، فثمة لاصقة جديدة في أمريكا تقول: (أحب بلدي وأكره حكومتي) وما خلص إليه ولش في رحلته لتجميع الملصق الفلسطيني أنه اكتشف موروثاً إنسانياً ومفهوماً للديمقراطية أكثر مما وجده في الديمقراطية والموروث الأمريكي نفسه. مما يجعل للملصق الفلسطيني روحاً تساعده في سرعة الانتشار في أمريكا، إنه أشبه بموسيقا الجاز التي تعبر عن المقهورين، وخصوصاً السود، فالموسيقا بالنسبة إليهم تحمل روحاً. وعندما يقال: إن الملصق الفلسطيني يوازي موسيقا الجاز فهو بذلك يمثل قيمة كبيرة للأمريكيين السود والهنود. الكثير من الانتقاد يوجه لولش وهو يدافع عن توجهه، بأن هذه الملصقات يراها الإسرائيليون في الشوارع كل يوم، فلماذا يمنع الأمريكيون من ذلك ؟! ويضيف أن التناقض بين الملصق الفلسطيني والإسرائيلي يجعلني أدافع عن موقفي بصورة أفضل، وأنتقل بذلك من الدفاع إلى الهجوم، إذ لا يمكن لمراكز القرار الأمريكي وحتى المنظمات الصهيونية أو المدافعة عنها أن تدافع عن شيء لا يمكن الدفاع عنه. ولتوضيح الفكرة فثمة ملصق صممته عام 1920 الوكالة اليهودية، يدعو إلى الهجرة إلى فلسطين باعتبارها أرضاً بلا شعب! وملصق آخر نفذ عام 1944 يقول: إن فلسطين أرض الكتاب المقدس. وما يجدر ملاحظته أنه بعد عام 1948 غابت كلمة فلسطين عن الملصقات واستبدلت بها كلمة إسرائيل، وهذا يظهر بملصق يصور عرباً من حيفا يرقصون وذلك في استخدام فاضح للموروث الفلسطيني في الترويج للسياحة لإسرائيل. وما يميز الملصق الفلسطيني أنه بسيط وإنساني ورومانسي، إخراجه ضعيف، نفذه أناس عاديون بدعم ذاتي هدفه غائم وموجه إلى العرب، وهو غير واضح للأمريكيين. الملصق الإسرائيلي منمق ومنظم ومخرج إخراجاً ممتازاً واضح الهدف السياسي منه، ألوانه قوية وجذابة، وقد نفذته مراكز ويحمل رزمة إعلامية. ويرى ولش أن الأمريكيين متضامنون مع القضية الفلسطينية، ويقوم بعض الفنانين الأمريكيين بتصميم ملصقات تظهر الحق الفلسطيني أو الأثر السلبي للصهيونية العالمية على أنظمتهم وحياتهم، وهذا ما فعله روجر كوك عام 1995 بملصق النجمة، إذ تظهر النجمة السداسية ملفوفة بالعلم الأمريكي، في إشارة إلى أن أمريكا تقدم الحياة لإسرائيل، وإظهار مدى وحجم الصهيونية كقوة فاعلة ومهيمنة على السياسات الأمريكية الخارجية والداخلية، وعدم وجود نص يشرح هذا الملصق يزيد من قوته، ويحرج الحركة الصهيونية والمؤيدين لها في أمريكا. حتى إنه تشكلت حركة محبة لإسرائيل تتسع وتزداد، ترى أن الاحتلال ينهي إسرائيل. ويعدّ تحولاً لافتاً ظهورُ أصوات من اليهود والأمريكيين يناهضون الاحتلال ويدعون الأمريكيين إلى رفع أصواتهم بعد 60 عاماً من الصمت والسلبية. وثمة ملصق هام من أمريكا اللاتينية نفذه عام 1988 (رينيكاسترو)، صمم الملصق بمفرده لتعاطفه مع القضية الفلسطينية. ويلاحظ أن كلمة فلسطين مكتوبة بالعكس، وهذا الخطأ يعطيه الكثير من الأهمية، مما يؤكد تلقائية التعاطف الجماهيري مع فلسطين. وملصق آخر لطفل فلسطيني يمسك بحجر بمقابل دبابة إسرائيلية، وبمنتصف الملصق كتبت كلمة (أنا هنا ) وتشير إلى الجندي القابع في قمرة القيادة، كناية عن الخوف الذي يعيشه الجندي الإسرائيلي، والغريب أن منفذ هذا الملصق يهودي خدم في الجيش الإسرائيلي. إن التعاطف مع القضية الفلسطينية من أولويات المنظمات اليسارية في العالم، ومنها منظمة (زاباتين) من أمريكا اللاتينية، وهي حركة فلاحية تعدّ (راكيل كوري ) التي دهستها جرافة إسرائيلية في فلسطين إحدى أعضائها. وفي كوبا يعدّ رافائيل إنريجوس أشهر مصمم ملصقات، وله أيضاً اشهر ملصق للمناضل (غيفارا)، صمم ملصقاً لفدائي فلسطيني ينظر إلى الغد بثقة وتفاؤل، بمعنى أن الفنان الكوبي يضع فلسطين في أعلى مراتب الشرف والتكريم، لما يمثله النضال من أهمية بالنسبة لهم كشعب يمتلك مخزوناً نضالياً. حتى الصراع السوري مع إسرائيل له نصيب في الملصق الكوبي. وهناك ملصق يصور كلمة سورية سهماً يفتت النجمة السداسية. والمفارقة الغريبة كما يقول ولش: إن هذه الملصقات لا يراها العرب ولا حتى الفلسطينيون! 2/2005 جريدة النور
|