|
عمار حسن
|
|
2006-06-02 |
خاص: نساء سوريةالشعوب المتحضرة هي الشعوب التي تحترم عجائزها. هذا ما قرأته يوما. وحين نراجع سلوكيات الشعوب كشعوب الشرق الأقصى نجدهم نموذجا بتبجيل عجائزهم بطريقة تدعو إلى الدهشة! حتى القبائل غير المتصلة بالمدنية في أفريقيا نجد أن العجائز لديهم، هم من يقودون القبائل وكلمة الفصل تعود إليهم في كل مواضيع الخلاف والقرار لما يمتلكونه من خبرة ومعارف إضافة إلى عمرهم الذي يمنحهم كل الهيبة والتقدير. وإذ إعود بالذاكرة إلى الوراء قليلا أتذكر جدتي ( قاموس المحبة) بسلوكها اليومي الذي كان مدرسة لا حدود لها. ومن منا لم يرتعش قلبه حين يستمع إلى طروب تغني (يا ستي يا ختياره, يا زينة كل الحارة) وليس هذا الهراء الذي "لا يسمى" اغنية وهي لمردد شعبي وتقول: جدي ختيار وحامل عكازه, عنده تنتين وداير عا الجازه,وستي ختياره باخرعمرها, بيقلا موتي ما ايلك عازه..؟؟!! حفظتها لكثرة ما تردد هذه الايام, حتى اني استمعت اليها لثلاثة مرات في يوم واحد مجبرا, عدا الصوت النشاز للمردد ولجوقته ولموسيقاها المرافقه, فثمة اهانة كبيرة لا استطيع احتمالها لتلك الختيارة التي يدعي المردد انها جدته؟! والتي افترضها جدتي. أيجب أن تموت هذه الختياره لأنه لم يعد من حاجة اليها, وهي حاجة (؟!!) حسب ما يرمي اليه!! ألا يستفز هذا الكلام كل سيدة كبيرة, وكل امرأة في الدنيا.!! لنقلب المعادلة, وهي اكثر صحة فيزيولوجيا, أن الرجل الختيار لم يعد من حاجة اليه بسبب سنه فهل يحتمل ان يقال له مت لهذا السبب؟!!! ماهذا المنطق الذكوري المتفشي والمغلوط ؟! لنعد الى المقطع بمحاولة لتحليله. جده ختيار ويحمل عكاز أي ان عمره بحدود السبعين وله زوجتين لنفترض ان القديمه هي الجدة المسكينه فالثانية هي الجديدة وهنا تلتغي فكرة الزواج ثالثة منطقيا كحتمية طبيعية وخصوصا بهذا العمر. النقطة الثانية: هي ان بيئة المردد قريبة من بيئتي اجتماعيا بالمعنى السلوكي, ولم اسمع مطلقا ان عجوزا بهذا العمر قد دار بحثا عن الزواج.!! حتى ان الزواج الثاني هو نادر الحدوث بهذه البيئة لرجال اصغر بكثير من عمر هذا العجوز وهو حدث نادر ايضا بالمقارنة مع بقية المجتمعات. النقطة الثالثة: ان الرجال الكبار لدينا محترمون ومثالا يحتذى بحسن السيرة والأخلاق الحميدة, ونكن لهم كل التقدير, وارفض فكرة التعرض لهم بسوء واذا كانت حالة كاتب الأغنية او المردد كذلك فليشيروا الى ذلك بوضوح. ان لب الموضوع بالنسبة الينا, ان تلك الختيارة باخر عمرها ويطلب لها الموت لفقدانها لقيمتها؟!!! فهل هذا جزاء من ضحت بحياتها من اجل الأسرة, بأن يطلب لها ذاك المتصابي الموت؟! فلا عازة لها. ما هذه العازة؟ هي حتما ليس عدم قدرتها علىالعمل في الأرض التي افنت عمرها فيها؟ بل الأثارة الجنسية وحسب. فهو يبحث عن الجازة. فالمرأة في هذا الطرح حسب كاتب الاغنية والمردد, اما شابة وجميلة ومثيرة جنسيا. أو لا؟؟!!!! وانا ثانية ارفض بسبب التشابه البيئي بيننا ان تكون المرأة لدينا بهذه الصورة ولا تفكير الشباب لدينا ايضا. المرأة لدينا تشاركنا كل حيثيات حياتنا بجهدها متفانية وحانية بلا حدود وهي اقل امرأة متطلبة من مختلف النواحي على مستوى العالم. ان صورتها الإيجابية التي لم يستطع المردد رؤيتها لا ينبغي ان تعمم ولابد ان يكون هناك بعض الشرفاء على المستوى الرسمي وغير الرسمي لوقف هذا الأبتذال الجارف. اذا كان اصحاب الأغنية لم يلاحظوا مدى السوء الذي ارتكبوه, فاني استغرب ان هذه الأغنية تنتشر دون ان يلاحظ احد مدى التخربيب الذي تحدثه على مستوى الجيل الجديد عندما يصحو على فكرة ان الجنس فقط هو قيمة المرأة, وان المرأة الجميلة فقط هي النموذج, وان العجزة من (النساء) ينبغي أن يمتن لفقدانهنّ لقيمتهنّ كمصدر للإثارة الجنسية. أيعقل أن خيال كاتب الأغنية لا يعمل الا على وقود الأعضاء التناسلية وامتداداتها. جميل ان نغني للحب والجنس ولكن برمزية في إطار من الرقة فمن قال إن المراة تحب التعابير الفجة, والمباشرة التعبيرية؟!! أعجز صاحب الكلمات عن رؤية قيم الخير والجمال في مجتمعنا حتى راح يمارس التخريب والتطاول على عجائزنا والمطالبة بموتهنّ والتحريض المباشر على تقديم الجنس كعصاب قهري في مجتمعاتنا. أتساءل هل غدا الهوس الجنسي هو مفردة الغناء الوحيدة هذه الأيام؟!!! مرحى لروبي, فلم تطالبنا على الأقل بقتل العجزة.!! أتساءل أين المرأة وردها على هذا؟! ختاما.. يكفي اهانة للمرأة في مجتمعنا فهي بقية الخير فينا ولنا, وهي ألطف وأقدس من أن يدنس طرف ثوبها ، من قبل أمثال هذا المردد وغيره, وهي أقدس وأقدس عندما تصبح عجوزا. لنرأف بعجائزنا كي يرأف بنا أولادنا. رحم الله المفكر برناردشو عندما قال: "... أنا لا أؤمن بأن هناك فن شعبي ..." . وأنا ـ كذلك ـ لا أؤمن بأن مجتمعاً ينتمي اليه هذا المردد، يقبل بهذا الانتقاص من قدره وقيمته، وألف رحمة على روحك يا جدتي الجميلة .. أبداً !!. 14/5/2005
|