|
محمود الوهب
|
|
2006-06-02 |
خاص: نساء سوريةكان الطقس، لدى خروجي من بيتي في مدينة حلب، صباح الخميس التاسع من آذار 2005 ماطراً، وكان علي أن أقوم بعدة أعمال ضرورية، منها الذهاب مع الزميل محمد الأسعد إلى الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش للنظر في ذيول حادثة المعلمة التي ضربتها مديرتها، وما أسفرت عنه من عقوبة فرضتها مديرية تربية حلب على المعلمة المضروبة ثأراً «لكرامة» المديرية التي ما كانت، ربّما لاعتبارات نجهلها، لتعاقب الفاعلة بالعقوبة المناسبة لمثل هذا السلوك غير التربوي، لولا التوجيه المتشدّد للسيد وزير التربية، وكنت قد أطلعت السيد الوزير على تفاصيل الحادثة، وتأكد بنفسه من خلال تقارير الرقابة الداخلية التي أرسلت له من مديرية تربية حلب بناء على طلبه. حين صرت داخل سيارة الأجرة، والمطر على أشدّه، قال السائق: « بس ما يكون مشوارك على أماكن فيها ازدحام» قلت: مشواري إلى حيث لا ترغب، فقال على الفور: يا أخي لا أستطيع.. قلت: طيب، خذ المبلغ الذي تريده، ما دمت صرت داخل السيارة، والمطر كما تراه غزيراً جداً.. فلن أنزل من السيارة، قال: المسألة ليست في «المصاري»، أنا مريض قلب، والأماكن المزدحمة تثير أعصابي، ولا يناسبني الانفعال.. وأخرج حبوب الدواء، من جيب قميصه، مؤكداً حديثه.. فصعب عليّ وضعه، وهممت بالنزول، لكنني استثقلت الأمر على نفسي، فاقترحت عليه أن يوصلني إلى مكان في الاتجاه نفسه، لا يدخله في الازدحام، فوافق، وقبلت بتحديده ساحة سعد الله الجابري.. وهكذا، تابعنا طريقنا وحديثنا، وشكوت له مرض السكر الذي أعانيه، والذي يتطلب أيضاً الابتعاد عن الانفعال، فدعا لي بالشفاء، وقد سألته عمّا إذا كان له عمل آخر سابق غير عمله على«التكسي» فقال: لماذا تسال ؟ قلت: من باب الفضول، لا أكثر.. فأنا، إن شئت التعرّف، مدرّس متقاعد، والآن عضو في مجلس الشعب السوري، فقال على الفور: ولكنّكم لا تمثّلون الشعب، أقصد كل أعضاء مجلس الشعب الحالي، وليس فيكم من يمتلك الجرأة ليدافع عن حقوق الشعب المهدورة، قلت: ليس الأمر على هذه الصوّرة يا أخي.. إنّنا مئتان وخمسون عضواً، لابدّ أن يكون فينا عشرون أو عشرة على الأقل يقولون كلمة حق..! قال: ولكنّهم في النتيجة غير فاعلين.. ثم أخذ يروي لي قصته مع بعض مديري إحدى مؤسسات الدولة الذي خسّره سبعة عشر مليون ليرة وجعله يبيع بيته وأثاثه لأنّه رفض إعطاءه نسبة 15%، من عقد تعهد في المؤسسة التي يرأسها ذلك المدير، ونكاية به قام المدير بحرق الثبوتيات التي تؤكد حقه، وراجع صاحبنا كبار المسؤولين دونما فائدة، وبين لي أنّه يحمل إجازة جامعية منذ عام واحد وسبعين وتسعمئة وألف.. وحين وصلنا إلى المكان المحدد، حاول صادقاً أن يعفيني من دفع الأجرة، وقال: ليس لأنك عضو مجلس شعب، بل لأنّك إنسان متفهم.. لكنني، بالطبع، تعففت، وأكرهته على أخذ حقه ففعل، ثمّ أعطيته رقم هاتفي، ونزلت على الرغم من استمرار هطول المطر، ورجائه لي بالبقاء معه ليوصلني إلى حيث أريد. استقبلنا الموّظفون في الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش بنوع من العتاب على ما كتبه بعض زملائنا عن هيئتهم في صحيفة الثورة يوم الاثنين 27 شباط الماضي، إذ طالب بعض من كتبوا بحل هذه الهيئة التي هي عبء على جسم إدارة الدولة، وبعضهم أشار إلى أنّها تتجنى على هذا أو ذاك من الموظفين استناداً إلى تقارير كيدية، أو أنّها أحياناً توّسع من دائرة صلاحيّاتها متجاوزة حدودها القانونية، وهكذا.. وبعضهم اتهم من كتب بأنه قد فعل ذلك بسبب حقده على الهيئة التي لديها ملفّات بحقه حين كان يخدم في وظيفته، وذكر اثنين على الأقل.. ولكنّهم لم يكونوا منزعجين ممّا كتبته أنا، وكنت قد أشرت إليه في لمحة الأسبوع الماضي، بل أعطانا أحدهم مثالاً عن ضعف بعض المفتشين أمام تدخل من أسميتهم في مقالتي بأصحاب السطوة أو النفوذ.. وقال: إنّ زميلاً لهم معروفاً برقته وطيبته، كان يحقق في قضية، يبدو أنّ صاحبها يهمّ جهة أمنية، فاستدعاه رئيس ذلك القسم الأمني، في نوع من التهديد غير المباشر، وجعله ينتظر في غرفة يتوقف بها، في العادة، من يعذّبون، على طريقة «المساعد جميل» في البرنامج المعروف ب«حكم العدالة» لمدّة ساعة كاملة ثمّ استقبله بترحاب كبير، وطلب له القهوة معتذراً عن إضاعة وقته، وأنّه، أي رئيس الفرع، ليس لديه وسيلة أخرى للتعرّف عليه..! لكنّ نفس المفتش كانت قد عافت القهوة وسواها.. لن أدخل في تفاصيل بقية تلك المسألة، وسأعود إلى الموضوع الذي ذهبت من أجله، والذي انتهى في الهيئة بالطريقة نفسها التي انتهى بها في مديرية التربية بحلب، إذ أنّ تقارير الرقابة الداخلية التي دبجت بهدف الانتقام قد وجدت من يصادق عليها مقتنعاً بما ورد فيها من ردّ اعتبار لتلك المديرة التي لم يكن عملها، في الحقيقة، ليخالف التوجّه العام الحاصل في مجتمع لا يزال يعيش حالة انفصام كبرى بين الواقع والطموح. 12/3/2006
|