|
محمود الوهب
|
|
2006-06-02 |
خاص: نساء سوريةيوم الأربعاء الواقع في الرابع من كانون الثاني 2005 اتصلت بي واحدة، وأنا بحلب، عرّفت بنفسها على أنها زوجة ع. ا. ق. وأنّ زوجها موقوف منذ خمسة عشر يوماً بسبب ملاسنة كلامية، أو مشاجرة لم تتجاوز حدود الكلام، بينه وبين أحد جيرانه الذي كان قد ارتكب مخالفة في البناء الذي يقطنه كلاهما، وأنّها تطلب مني التدّخل لدى القاضي فلان الفلاني ليوقّع وثيقة إخلاء سبيل تحمل اسم زوجها ليتمكن الزوج من العودة لها ولأولادهما، وهي تخشى أن يستمر القاضي برفض الطلب، فزوجة الخصم محامية، وهم لا حول لهم ولا قوّة، وقد يبقى زوجها في النظارة لأيام قادمة، وخصوصاً، أنّ الأيام القادمة هي أيام عطلة، وبعدئذ سيأتي العيد، وقد يبقى الزوج في النظارة.. لا أخفيكم، يا جماعة، أنني تأثرت بحديث المرأة إذ حملته محمل صدق، وتصوّرت أنّ المرأة لم تجد حتماّ من تلجأ إليه لمساعدتها على تجاوز محنتها، ومعروف أنّ المرأة حين تدخل نفسها في قضية ما تكسبها أبعاداً إنسانية أكثر عمقاً وتأثيراً، إضافة إلى أنّ زوجها الذي تربطني به معرفة ما، قد أشار عليها بمسألة الاتصال بي وطلب المساعدة ما حفّز في نفسي نوعاً من النخوة، ورتّب علي في الأحوال كلّها مدّ يد المساعدة.. وعدت المرأة خيراً بعد أن استوضحت منها الأسباب ومدة التوقيف وتوجهت إلى قصر العدل أناقش نفسي بمشروعية ما سوف أقوم به، وتساءلت عما إذا كان يحق لي التدخل لدى السلطة القضائية؟ وكيف أجد المدخل المناسب؟ وجال في نفسي الكثير مما يدور على ألسنة الناس بشأن القضاة والقضاء في محاولة لتبرير ما أنا ساع نحوه.. وفي النهاية اهتديت لأمر ينقذني من هذه الورطة كلّها، وهو أن ألجأ إلى زميلي نقيب المحامين بحلب وهكذا فعلت لكنني فوجئت بوجوده في دمشق.. عندئذ لم يبق أمامي غير التوجه إلى القاضي، وهكذا فعلت، حييت القاضي بكل تهذيب معرفاً على نفسي، ومردفاً أنتم سلطة قضائية مستقلة، لا يحق لأحد، مهما كان شأنه، التدخل في شؤونها.. أمّا أنا فليس لدي سوى سؤال فقط حول قضية فلان الفلاني ونقلت له ما نقل لي.. شكك القاضي في مدة التوقيف، لكنّه دوّن اسم الرجل الموقوف عنده. شكرته وخرجت وكأنّ هماً أزيح عن كاهلي.. في مساء السبت اتصلت المرأة لتقول: بأنّ القاضي قد وقّع وثيقة إخلاء السبيل، وهي تشكرني على جهودي، لكن، تقول المرأة، إنّ المحامية عادت واستأنفت قرار قاضي التحقيق، وأنّ القضية هي عند قاضي الإحالة، وتحتاج إلى حديث معه، ولم يبق أمامهم سوى اليوم وغداً وبعدئذ يكون العيد.. ويبدو أنّ الخصم يدرك وزوجه المحامية هذا الأمر ويدبّر له.. ولمّا كنت مريضاً في ذلك اليوم وقعت في إحراج كبير، وخفت أن لا تحمل المرأة اعتذاري على وجه الحقيقة وتعدّه نوعاً من التهرًب قلت: ليذهب أحد من عندكم إلى فلان الفلاني وأعطيتها اسم الزميل المقصود، وقد تحدّثت إلى ذلك الزميل الذي وعدني خيراً رغم تشكّكه بالأسباب الموجبة، فالملاسنة بحسب خبرته لا تستدعي كلّ هذه التعقيدات، ويبدو أنّه كان على حق فالمسألة كانت كلاماً أمام باب مكتب الخصم ما عدّه الخصم، نوعاً من الهجوم.. المهم في الأمر أنّ مساعي زميلي قد كللت بالنجاح وأنّ الرجل خرج إلى عياله وعيّد معهم.. أمّا لماذا سردت هذه الحادثة العادية جداً..؟ لأقول في الجواب عدّة أمور منها أننا، دائماً، مطلوب منا مثل هذه الأمور، أي متابعة قضايا الناس، وهذا أمر طبيعي وعادي.. ومنها أيضاً، أنّه إذا كان القضاء دقيقاً إلى هذا الحد، أي أنّ بضع كلمات تضع قائلها في السجن نحو خمسة عشر يوماً أو أكثر، يتكلّف خلالها عناءً كبيراً على المستويين المادي والمعنوي، فلماذا، إذاً، لا تستقيم أمورنا الأخرى الأكثر أهمية، أعني الأكثر تأثيراً في حياتنا المادية والروحية، أعني لماذا لا نلجأ إلى القضاء حين يتم التجاوز علينا في الشارع والسوق والدائرة الحكومية، لماذا لا نرفع دعاوى ضد من يتجاوزون على الأرصفة مثلاً وضد من يفرضون علينا بضائع مغشوشة وأسعاراً إضافية، وضد من يعرقلون معاملاتنا في الدوائر الحكومية حتى نتركهم يمدون أيديهم إلى جيوبنا دونما اعتراض، لماذا لا نرفع دعاوى ضد هؤلاء الذين يمتطون ظهر القوانين للإساءة إلى الآخرين؟ لأننا في الحقيقة لا نستطيع، ولأنّ نتيجة الحكم للأقوى الذي يحددها بإمكانياته المختلفة سواء كانت أموالاً أو وجاهة أو سلطة أو علماً يوضع في غير مكانه..إلخ. ترى لو لم تهتد تلك المرأة إلى من يعينها فكم تراه مكث زوجها في السجن؟ وما الحالة النفسية التي سيصير إليها عند خروجه؟! ولصالح من سوف توظف في النتيجة؟ وهل يمكننا في النتيجة إدخال كلمة الوطن إلى قلوبنا دون غسلها من كل هذه الأدران التي تعكّر صفوها..!؟ بقي أن أشير إلى أنّ لمعرفتي بالرجل الذي انتصرت له حكاية أخرى قد أوردها في لمحة قادمة والسلام. 16/1/2006
|