|
محمد سعيد حسين
|
|
2006-06-02 |
خاص: نساء سورية يبدو لي أن السادة المسؤولين عنا في حكومتنا الرشيدة، غير معنيين بما يكتب في الصحافة الالكترونية، ربما لأنهم ما زالوا يعتبرون أن هذا الشكل من الإعلام، لابد وأنه يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالغرب الاستعماري، ويشكل ـ مع الهجمة الإمبريالية الشرسة، والقوى الرجعية المتآمرة معها ـ تهديداً خطيراً لحضارتنا العربية العظيمة، الممتدة منذ عهد الحجاج بن يوسف الثقفي، وحتى عهد صدام حسين، وستستمر ـ بعون الله، وفضل هؤلاء ـ إلى ما بعد الزرقاوي وبن لادن.... ويبدو أن هؤلاء السادة الأفاضل، لا يصدقون ـ للأسباب آنفة الذكر ـ كل ما يكتب في المواقع الإلكترونية، بل ويعتبروننا ـ نحن الخونة الذين نفش خلقنا عبر هذه المواقع ـ أصغر بكثير، من مجرد التفكير بالرد على "التفاهات" و "الافتراءات" التي نكتبها عن وزاراتهم ومؤسساتهم، هذا إن لم نكن بنظرهم، خونة مرتبطين بالخارج وما يحيكه "هذا الخارج" من مؤامرات، للنيل من صمود شعبنا، ومنعة أمتنا، و.... لذلك ـ ربما ـ يبقى كل ما نكتبه "خارج" دائرة اهتمامهم، ونظلّ ـ نحن "الخونة المتآمرين"ـ ننفخ في قربنا المثقوبة إلى أن نمل أو "ننفجر" غيظاً وكمداً.. وباعتبار أنني لم أمل بعد، ولم أنفجر كمداً كما يرتجى لي، سأظل "أنق" في رأسهم حتى "يطوش حجرهم" فينقلبون عن كراسيهم تاركين الأمر لمن يحسن الخوض فيه، أو يدبرون لي مكيدة تجعلني ألعن الساعة التي أتيت فيها إلى هذا العالم... في زاويتي السابقة، ذكرت غيضاً من فيض ما يحدث في مدارس طرطوس، من ممارسات "تربوية"، يتعرض لها التلامذة في مرحلة التعليم الأساسي، ولعل أكثر ما يدعو للمرارة، تعليقات بعض الأصدقاء العاملين في الحقل التربوي، الذين اعتبروا أن الممارسات التي أشرت إليها "أقل من عادية" ولا تستحق أن يراق حبر على ورق لأجلها، ولما طمأنتهم أنني لا أريق حبراً بل أكتب مباشرة على جهاز الكمبيوتر، امّحى الأسى عن وجوههم، وعادت سحناتهم إلى حالاتها الطبيعية.. عند ذلك سألت أحدهم ـ وهو مدرسٌ عتيق لمادة اللغة العربية ـ عن الأمور الأكثر فظاعةً، التي يمكن لي أن "أنق" بها عليهم، تنحنح وتأحأح وتحوقل وانتضى لسانه قائلاً: هل تعدني بأن ما سأقوله لن ينشر؟!! ولما تأكدت أنه ما من شرط جزائي يلزمني الوفاء بالوعد، وعدته ـ مقسماً ـ أن سره في بئر لا قرار له سوى موقع "نساء سورية"، وها أنذا أخبركم بما أخبرني، راجياً منكم أن لا تقولوا لأحدٍ، لأنني لا أريد أن أحنث بقسمي، كما أن الأمر سر، وليس من الشهامة في شيء أن نفشي أسرار الآخرين... قال لي صديقي المدرس: أصبح راتبي ـ بعد بلوغه سن الرشد ـ حوالي خمسة عشر ألف ليرة، أدفع منها ثمانية آلاف وثلاثمئة وست وعشرين ليرة سورية، قسطاً شهرياً للمصرف العقاري الذي تفضل علينا بقرض مدته خمسة عشر عاما، لشراء المنزل الذي يؤويني وعائلتي منذ عامين، وما تبقى من الراتب، أدفع منه أربعة آلاف ليرة أجرة سكن لأولادي الثلاثة الذين يدرسون في جامعة تشرين باللاذقية، ومثلها لأكلهم وشربهم وملبسهم، علماً أنهم يأخذون مؤونتهم كاملة من زيتون ومكدوس وبرغل وعدس وشنكليش وبيض وجبنة ووووو... وحوالي ألف وخمسمئة ليرة فواتير الماء والكهرباء والهاتف، وخمسمئة ليرة ثمن دواء السكري لي والضغط لزوجتي، والباقي من الراتب للأكل والشرب واللباس وعيادات الأطباء والالتزامات الاجتماعية والمواصلات و"ما يستجد من أمور"..... (جائزة مغرية لمن يعرف كم بقي من الراتب).. ولما سألته ـ مستغرباً ومستنكراً في آنٍ معاً ـ وما علاقة ما تقوله، بما كتبته في زاويتي عن ممارسات ترتكب في المدارس بحق أولادنا؟!! تنهد بحسرةٍ، ثمّ قطب مابين حاجبيه، ونظر إليّ بعينين يقدح منهما الشرر، قائلاً: ــ هل أنا نبي، كي أستطيع التعامل مع الطلاب، بالطريقة "الحضارية" التي لا تفتأ تطالب بها أنت وأمثالك من الذين يحاربون بنواظيرهم من بعيد، لا يفعلون شيئاً سوى توجيه الانتقاد لمن هم في قلب المعركة من أمثالنا؟!! ــ ألم يقل الشاعر "كاد المعلم أن يكون رسولا"؟!! سألته وأنا أتحرز منه مخافة أن يضربني بأول أداةٍ حادةٍ تصل إليها يده... وعلى عكس ما كنت أتوقع، عاد إليه هدوؤه وأجاب بأسى: ـ نعم.. قال الشاعر "كاد" ولم يقل "صار" لأنه ـ أي الشاعر ـ كان يدرك أنه حتى الأنبياء والرسل، يجوز لهم، كما يجب عليهم، أن يشبعوا الخبز، لأنه لا كرامة "لنبيّ" جائعٍ، ولأجل هذا فقط، يهدر بعضنا كرامته، و "يشحذ" من تلامذته درساً خصوصياً.. عسى ولعل يشبع الخبز هو وعائلته... أجبته في قلبي: ـ عند ذلك فقط، يصبح "رسولاً"... ولكن ... بلا كرامة!!! 2/12/2005
|