|
مرّةً أخرى .. عذرك يا سيدتي |
|
|
|
محمد سعيد حسين
|
|
2006-06-02 |
خاص: نساء سوريةكنت أدرك جيداً، أنني ربما أعرض نفسي لمتاعب حقيقية، عندما كتبت زاويتي السابقة "عذرك ياسيدتي"، وربما يذكر السادة القراء أنني نوهت إلى حساسية الموضوع، وحرص السيدة المعنية على عدم إثارته بأية طريقة، حتى لو كانت مجرّد إشارة عابرة إلى مشكلة شبيهة بمشكلتها، حتى لا تقع في متاعب هي بالغنى عنها كما قالت لي آنذاك.. وباعتباري لم أف بتعهدي لها بعدم الحديث عن الأمر، كان عليّ أن أتحمّل كلّ ما يترتب على هذا الإخلال من نتائج، مهما كانت درجة "كارثيتها".. وهيأت نفسي لأسوأ الاحتمالات، واعتبرت أنّ أسوأها على الإطلاق، هي أن تعلن تلك السيدة الصديقة، قطيعتها ونبذها لي باعتباري شخص لا يمكن الوثوق به، والإسرار إليه بشيء.. ولكنني فوجئت بما لم يتبادر إلى ذهني مطلقاً.. تتصل بي تلك السيدة، وبصوت فيه من الانكسار والحزن، ما جعلني أتمنى لو "شلّت يميني" قبل أن أكتب عنها، قالت: شكراً لك يا صديقي، شكراً على كلّ شيء ... وأقفلت الخطّ ! حاولت كثيراً الاتصال بها بعد تلك المكالمة "المشؤومة".. حتى أنّ زوجتي تخلّت عن غيرتها، وجربت الاتصال بها و ... لا حياة لمن تنادي... لم يكن أمامي سوى الذهاب إلى عيادة أخيها ـ الطبيب المعروف ـ للسؤال عنها، بجرأةٍ لم تكن يوماً من طبعي.. كان دمثاً وهادئاً، لم يثر كما كنت أتوقع، لم يقطب حاجبيه، أو يبرم "بوزه" قائلاً باحتقار: "انقلع برّا..." بل رحب بي بمودة فاجأتني، وطلب إلى ممرضته أن لا تحول إليه أية مكالمة هاتفية، بل وأضاف إلى مفاجآته فنجاني قهوة ً، طلب من الممرضة أن تعدهما لنا.. مفاجآت أربكتني وجعلتني أشعر كما لو أنني تعريت فجأةً أمام حشد هائل من الناس.. أسقط في يدي، ولم أعد أدري ما أفعل، أو ماذا أقول ؟! بادرني قائلاً، وابتسامة غامضة خيل إلي أنها ترتسم على وجهه : كيف حال الكتابة هذه الأيام، هل مازلت تكتب، أم فعلت "مثلها" وأقلعت عن هذه العادة؟! لم أدرٍ كيف تلعثمت، وعجزت عن الجواب.. كان بإمكاني أن أجيب بأي كلام لا معنى له، وكان بإمكاني أن أبدأ هجومي عليه قائلاً: هي التي أقلعت، أم أنت الذي منعتها؟! باختصار، لم أستطع الإجابة، سوى بتساؤلٍ بدا لي ـ وربما له ـ ساذجاً : وهل أقلَعَتْ عن الكتابة فعلاً؟! تجاهل تساؤلي، شاغلاً نفسه بتقديم فنجان القهوة.. وهو يقول: يا أخي الكتابة شيء جميل، يكفي أنها تساعدك على تنفيس قهرك، والله أنا لا أحسد سوى الذين يحسنون الكتابة، شيء رائعٌ أن يكون المرء كاتباً.. ولكن ليس في بلادنا .. الكتابة في بلادنا لا تطعم خبزاً.. بل على الذين يكتبون أن يصرفوا من جيوبهم "ما فتح ورزق" لخدمة هذه الهواية العجيبة.. وأنت تعرف .. أعباء الحياة .. الخبز.. التعليم.. المأكل .. الملبس .. الطبابة.. ضرائب .. فواتير ماء .. كهرباء .. هاتف .. جوال .. انترنت .. ناهيك عن مصاريف الواجبات الاجتماعية الكبيرة والكثيرة... هل تنقصنا مصاريف، حتى تأتي هذه الكتابة لتزيد من أعبائنا والتزاماتنا التي بالكاد نستطيع الوفاء بها ؟!! بربّك .. أليس أولادك أحق بالمبلغ الكبير الذي قيل لي أنّك دفعته ثمناً لطباعة مجموعتك القصصية؟! هل تستطيع ـ إذا جاع أولادك ـ أن تطعمهم حبراً وأوراقاً وحكي فاضي؟!! يا أخي لا تقل لي، ولا أقل لك.. يجب أن نقتنع أنّ الكتابة ترف لا مبرر له.. ولا طائل منه سوى لهؤلاء المحظوظين الذين استطاعوا أن ينفذوا إلى التلفزيون ويكتبوا مسلسلات.. ما عدا ذلك لا تناقشني .. الكتابة ضرب من الحماقة لا يقربه سوى المجانين .. عذراً منك .. أنا لا أقصد الإهانة .. ولكن .. أعتقد أنك توافقني الرأي.. أليس ما أقوله مطابقاً للواقع؟ قل لي بربك.. هل تطعمك الكتابة خبزاً ؟! ها ؟! ألا تدفع من جيبك لخدمتها ؟! وماذا بعد .. يقولون عنك كاتب.. طظّ .. العفو منك .. لا تؤاخذني .. شو يعني .. هل يستطيع الكاتب أن يشيل الزير من البير؟! يا أخي .. الكتابة حلوة .. شغلة كويسة بس لازم الواحد..... لم أعد أسمع شيئاً، لأنني كنت قد أصبحت في أسفل السلم المفضي إلى الخارج.. وحتى الآن، لم أعثر على جواب لسؤاله لي عن جدوى الكتابة .. ولم أعثر بعد .. على أي أثرٍ يرشدني إلى صديقتي "الكاتبة ... سابقاً"، لأسألها عن الأسباب الحقيقية التي جعلتها تقلع عن عادة "الكتابة"..!!!16/7/2005
|