|
محمد سعيد حسين
|
|
2006-06-02 |
خاص: نساء سوريةربى جمال إبراهيم.. هل تعرفون وردةً بهذا الاسم؟!! حفلت طفولتي ومطلع شبابي بالكثير من الورود، التي طالما خففت الكثير من أعباء البؤس عن منزلنا الريفي النائي.. تخرجتًُ من أكاديمية الجمال في ذلك المنزل، وأنا أظنّ نفسي خبيراً بأنواع الورود، وأحوالها وأسمائها وأنسابها وعاداتها وتقاليدها.. ما تحب، وما تكره.. ما يفرحها، وما يحزنها.. ما يغضبها، وما يرضيها.. اللغات التي تتكلم بها، والأشعار التي تفضلها، والأغاني التي تطربها.. والكثير الكثير مما لا يخطر في غير بال قرويٍّ مزمنٍ مثلي... تعلمت من أمي كيف ألقي على تلك الورود تحية الصباح في مطلع كلّ فجر، وأدعوها إلى فنجان القهوة، نستمع سويّاً إلى فيروز، ونراقب - بحبّ - عصافير الدوري المشاكسة، التي لم تتعلّم بعد، كيف تصمت عندما تبكي أمي، ولا كيف تحترم عناق الورد والنّدى، وخشوع الطبيعة وهي تودع أخر خيوط العتمة، لتستقبل النور الدافق من الورد.. وصوت فيروز.. والتراتيل الأولى للغسق... كنت أظنني أتقن لغات الورود جميعاً، بنحوها وصرفها.. أحرفها وأسمائها وأفعالها.. تصاريفها واشتقاقاتها، وأحفظ نثرها وشعرها.. ألحانها وموسيقاها، والأغاني المفضلة لديها، بل وأكثر من ذلك؛ إلى أيّ نجمةٍ في السماء تنتمي كل وردة، وأيّ زاويةٍ في قلب الله تسكن...!!! وكنت أظنّ - فيما أظنّ - أنّ أحداً غيري، لم يصل إلى درجتي المعرفية في هذا الاختصاص، وكم دهشت عندما اكتشفت حجم ضآلة معلوماتي عن الورود، إثر معرفتي بوردةٍ نادرةٍ، بل فريدةٍ، اسمها (ربى جمال إبراهيم)؟!! تقول بطاقة التعريف الخاصة بهذه الوردة، الاكتشاف الجديد في جنس الورود: في العام /1975/ نبتت، في تربة طيبةٍ لعائلةٍ بسيطةٍ. هربت من الفقر المزمن، المتربص في أعالي جبال الريف الساحلي لمحافظة طرطوس "قرية عين الدهب"، لتستقرّ في قرية زراعية ساحلية تقع على مقربة من طريق عام طرطوس - طرابلس، اسمها "طيبة المهديّ".. وفي تلك القرية - الزراعية بامتياز- نبتت ربى، غير مدركةٍ أنّ قدراً ما يتربص بها، ليوقعها -وهي ابنة سنتين- في براثن مرضٍ اسمه "شلل الأطفال" هذا المرض الكريه، الذي اختصّ، ككلّ سفاحي التاريخ، في قهر الأطفال الطيبين، الذين قدّر لهم أن يوجدوا في منطقة من الكون، اتفق على تسميتها بـ "العالم الثالث"، بدلاً من الثالث عشر.. بعد الألف..!! وسلم الأهل الطيبون بقدر ابنتهم، دون أن يستسلموا -أو يدعوها تستسلم- لليأس.. أدخلوها المدرسة. وحملاً على الأكتاف، يوصلونها، جيئةً وذهاباً، إلى قاعات الدرس، إلى أن تجاوزت المرحلة الابتدائية، وصار لزاماً عليهم أن يرسلوها إلى مدرسةٍ بعيدةٍ لا قدرة لهم على التواصل معها، في ظل الظروف المادية العصيبة التي يعيشونها.. وكان القرار - قرارها - وبمباركةٍ وتشجيعٍ من أهلها، أن تتابع دراستها في المنزل، حيث تقدمت بشكلٍ حر، إلى امتحانات الشهادة الإعدادية، ومن ثم الثانوية، لتحقق النجاح المطلوب، ولتبدأ في رحلة البحث، عن تحقيق ما تصبو إليه ذاتها المفعمة بإرادة التحدّي.. لن أدخل في تفاصيل المعاناة التي حرمتها من متابعة دراستها الجامعية، بل سأعرض لما هو أهمّ بكثير... كتبت ربى جمال إبراهيم القصة والقصيدة والخاطرة، في سن مبكرة، وما زالت.. حيث شاركت في مسابقة القصة القصيرة التي أعلن عنها فرع اتحاد الكتاب العرب في طرطوس، للعام 2003. وحصلت قصتها "حلمٌ على جدث" على المركز الثاني في المسابقة المذكورة، علماً أنّها كانت تستحق - حسب زعمي- المركز الأول مناصفةً، مع قصة القاصة نجاة إبراهيم خليل، الفائزة بالمركز الأول في المسابقة ذاتها. وأقام فرع اتحاد الكتاب العرب أمسية تكريمية للفائزين بالمسابقة، أتاحت لنا أن نتعرف على ربى. وكم كانت الدهشة والإعجاب كبيرين، بهذه الفتاة "المعاقة جسدياً"، التي أكدت لنا كم نعاني من إعاقات نفسية وروحية، في هذا البلد، الذي ما زال يرفض أن يتحول إلى وطن، وما زال سكانه يحلمون بالارتقاء إلى مرتبة مواطنين... !! بعد تلك الأمسية بزمن، وبمبادرةٍ رائعةٍ، ولفتةٍ إنسانيةٍ نبيلةٍ، من "الإنسان" جدّاً، والنبيل جدّاً، الصديق الأديب الأستاذ غسان كامل ونوس، رئيس فرع اتحاد الكتاب العرب في طرطوس، قمنا -الأستاذ غسان وأنا- بزيارة لربى في منزل أهلها في قرية "الطّيّبة" كما يسمونها اختصاراً، والتي تبعد عن مدينة طرطوس حوالي عشرين كيلومتراً، لنقابل بطيبٍ حقيقي من الجميع، ينسجم أيّما انسجام مع اسم القرية، وليروي لنا والدها "أبو شادي" عن معاناتها، ومعاناتهم معها، في سبيل تأمين وظيفةٍ تتناسب مع إعاقتها. وكم مرةً طرق باب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل "كان آخرها منذ حوالي سنتين" في محاولة منه لتوظيفها في مدرسة القرية "أمينة مكتبة" و... لا حياة لمن تنادي... الوردة الرّائعة ربى، لا تطلب الكثير، فهي قانعة بما رتبت لها الأقدار، ومتصالحة مع إعاقتها، ومصرة على الاستمرار في "لوثة" الأدب الجميلة.. ولكن تتساءل ببراءة الورود: أليس من حقي أن أعيش "بالكفاف"، دون الاستمرار بالاتكاء على أهلي، في كلّ ما يلزمني لأعيش وأكتب.. دون الإحساس بمهانة الحاجة؟!! وأنا أتساءل بدوري: أليس من حق هذه الوردة الرائعة، ربى، ومن واجب المعنيين اتجاهها، أن ينتشر عبيرها الإبداعي، والذي يبلغ حتى الآن حوالي ثلاثين قصة قصيرة، والكثير من النصوص الأخرى، علماً أنّ في جعبتها الكثير من الطموحات على المستوى الإبداعي..؟!! لمن يهمه الأمر، ويحبّ معرفة تفاصيل أكثر الاتصال عبر إيميلي، أو رقم هاتفي، المدون في صفحة "السيرة الذاتية" الخاصة بي، في موقع نساء سورية. 16/4/2005
|