|
محمد سعيد حسين
|
|
2006-06-02 |
خاص: نساء سوريةكثيرٌ من الأصدقاء، يسألونني عن اسمي؛ هل هو ثلاثي، أم مركب؟! ـ ثلاثيّ طبعاً.. لمَ تصرّ على استخدامه ثلاثياً، بدلاً من اختصاره إلى ثنائي؟ هذا السؤال تلقيته أيضاً عبر ايميلي الخاص، من أصدقاء لم يتسنّ لي التشرف بمعرفتهم بعد، وأرى أنه لابد لي من الإجابة على المشغولين، والمنشغلين، والمشتغلين بي.. وباسمي!! يا أصدقاء.. طالما أنّ الأمر يهمّكم، سأروي لكم القصّة بتفاصيلها، وبما أنّها ـ كقصّة اسم ثلاثي ـ ستكون مملّة بالتّأكيد، فلا أنصحكم بمتابعتها، وإن كنتم مصرّين على تجاهل نصيحتي، فالذّنب في هذا ذنبكم، وأشهد الله على براءتي ممّا سيصيبكم جرّاء سماعها، أو قراءتها... القصّة وما فيها، أنّني في يوم ما؛ ولدت... تصوّروا... أمثلي يولد؟!... وفي يومٍ ما..؟!! كم هذا مشوّق أيها السّادة، أن يولد المرء في يوم ما...؟! ولدتُ لأمِّ؛ كان الإله قد غضب عليها، فرزقها من حملها الأوّل بنتاً، ومن يومها وهي تصلّي وتتعبّد ربّها، وتبكي وتتوسّل إليه، أن يمحو عارها، ويرزقها صبيّاً، يعيد لها بعضاً من احترامها أمام أبي... ولأنّ الإله ـ كما تعلمون ـ غفور رحيم، رزقها ـ بعد أحد عشر شهراً ـ بي... لا تملّوا، فالتّشويق آتٍ في السّطور القادمة... كــان أبي ـ قدّس الله سرّه ـ إذ ذاك حاضراً، وبتواضع الكبار، قبل هديّة السّماء، وأسماني محمّداً، تقرّباً بهذا الاسم من الإله، وشكراً له.. وما كان على أمّي سوى أن تبارك خيار أبي، وتعجب به أيّما إعجاب، فأصبحت ـ كمكافأةً لها ـ أمّ محمّد.. وغفر لها أبي ـ بقلبه الكبير ـ فعلتها الأولى، عندما أنجبت ـ وعن سبق الإصرار ـ بنتاً.. إلى هنا عرفتم أنّني في يومٍ ما ولدت، وفي ذات اليوم أسماني أبي محمداً، وباركت أمي خياره.. في اليوم التالي كان على أبي أن يسجّل المواطن الجديد، القادم إلى خندق الصّمود في هذا الوطن "محمد"، في سجلاّت النّفوس.. وكتأكيدٍ أخير على خياره، قال لموظّف النّفوس: أجل... محمّد.. وبدون أن يطلب (الحلوان)، انتصب الموظّف مادّاً يده إلى أبي مصافحاً.. ـ من القلب أقول لك ألف مبروك يا أبا محمّد، أسأل الله أن يربى محمّد، في عزّك.. وعزّ الوطن..!!! شكره أبي، ولم ينقده (الحلوان)، لأنّ هذا كان يدعى ـ في ذلك الزمن ـ رشوةً، أو ما يشبهها.. إذن.. شكره أبي، وتمنّى له وفرةً في المال والبنين، ورحمةً من ربّ العالمين، إلى أبد الآبدين، ثم عاد إلى القرية، ليكمل احتفاله بقدومي الميمون.. تصوّروا... في اليوم الثّاني من عمري، أصبح لي قيدٌ في السّجلّ المدني، يحتوي على: الاسم: محمّد ـ النّسبة: حسين ـ اسم الأب: سعيد ـ اسم الأمّ: "غير مهم" منذ ذلك الوقت أصبحت المواطن محمد حسين ابن سعيد.. يا للرّوعة، كم كنت سعيداً بهذا..!! عندما خيّل لأبي أنّني بدأت أتعلّم الكلام، كان حريصاً أن يعلّمني نطق اسمي، واسم من أنجبني، ومن ثم اسم العائلة... وكان يطلب "بكلّ تواضع" من ضيوفه أن يسألونني عن اسمي، لأجيبهم مفتخراً: (محمد ثعيد حثين) ليردّوا على الفور: عشت يا بطل... منذ ذلك الزمن، وأنا على قناعةٍ بأنّني بطل، بدليل أنّني "عشت"..!! هل أعجبتكم القصة حتى الآن؟!! تستطيعون الإجابة عبر الأرقام التي تظهر أمامكم على شاشة حياتي المليئة بالإثارة و"الأكشن". هذه الأرقام، التي لها مكانتها الخاصة لدي، لارتباط كلّ منها بذكريات لا تنسى، مثلاً: الرقم /1/ يذكرني بعصا والدي، سلاحه غير التقليدي ضد همجياتنا الطفلية، وعصي أساتذتنا (التربوية) في جميع مراحل التعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي، وأخيراً ـ وليس آخراً أبداً ـ عصا الحكومة، التي تشهرها دائماً، فقط في وجه من عصا.. الرقم /5/ الذي يذكرني باستدارة الرغيف، والكعكة، وعيني أبي عادل الذي طالما فشل في منعنا ـ أنا وزملائي من الأطفال الإرهابيين ـ من الإغارة على بستانه، لسرقة التفاح والخوخ والمشمش، وما يتيسر لنا من الأنعام.. بالرغم من كم الحجارة الهائل الذي طالما تساقط فوقنا وأصابنا إصابات بليغة، ما زالت آثار بعضها ماثلةً حتى الآن.. الرقم /7/ شعارنا في النصر، والذي نصرّ على استخدامه في أشد هزائمنا حلكةً، إيماناً منا بأن النصر آتٍ لا محالة.. الرقم /8/ الفراغ الحاصل بين ساقي (حنظلة) مخلوق ناجي العلي، الجميل..!! والإشارة التي تزين ذراع مدربنا في الجيش، الذي كان يتحفنا بما معدله ثمانية شتائم ـ من وزن (ابن الشر...) وما فوق ـ في الثانية.. إلى آخر الأرقام التي تعرفونها فرادى وجماعات.. في الجزء الثاني من حياتي، دخلت المدرسة.. ودخل علينا المعلم دخول الفاتحين، ليسألنا عن أسمائنا الثلاثية، وكان اسمي لا يزال "محمد ثعيد حثين"... ولم تتحول الثاء إلى سين، إلاّ بعد عددٍ لا يحصى من العصي على ظاهر وباطن يديّ وفخذيّ، والصفعات على وجهي ورأسي ورقبتي "طيارة يعني".. رحم الله معلمي ذاك، إذ لولا جهوده الجبارة في تلك الأثناء، "وقتلاته" الكثيرة، لكنت حتى الآن.... ثعيد حثين..!! في المرحلة الإعدادية "الصف السابع"، وفي أول درس فتوة، يجري المدرب تفقداً اسمياً، ويصل إلى اسمي: ـ محمد حسين !! ـ......... ـ محمد حسين ؟!! ـ......... لكزني بعض زملائي، وبدأ الكل ينظر نحوي، فاستدركت أنه أنا... حاضر... ـ (ليش ما بتردّ يا كرّ؟!!)... و "طاخ" صفعة من الوزن الثقيل على وجهي، ذكرتني أنه يمكن لي أن أكون محمد حسين فقط، بدون "سعيد"، وبقيت كذلك، حتى ذهابي إلى العسكرية. في مقر توزيع المهام، المناداة بالاسم: ـ محمد سعيد حسين.. "أذكر أنني سمعت هذا الاسم يوماً!!" ـ محمد سعيد حسين ؟!! ـ آآ.... أنا أنا... حا...ضر... ـ (عم تضحك علينا ولا كرّ ؟.. وقف تقلّك يا ابن الكلب...) وبدأت عصاه تسألني: "وين بيوجعك" حيرتني ـ بعد أن تصالحت مع آلام الضرب المبرح، الذي أتحفني به ذلك المقاتل الشرس ـ أشياء كثيرة، منها: 1ـ طالما أننا نملك مقاتلين بهذه الشراسة، لماذا لا نهجم على إسرائيل، ونرميها في البحر، ونرتاح منها دفعةً واحدة؟!! 2ـ اتفاق "أو توافق" مدربنا في الصف السابع، ومدربنا في الجيش، على أنني "كرّ"، علماً أنّ أحدهما لا يعرف الآخر؟!! وبناءً عليه، أيقنت أنني كرّ... إذ لا يمكنني أن أعرف أكثر منهما..!! 3ـ أكثر ما حيرني آنذاك هو: كيف لي أن أكون "كرّ" و"ابن كلب" في الوقت ذاته؟!! علماً أنّ الكرّ تسمية محلية للحمار، في مرحلتي المراهقة والشباب، أما في مرحلة الطفولة فيدعى ـ تحبباً ـ "كركور"، وفي كهولته يطلق عليه "الجحش"، أما الحمار، فهو هذا، بعد أن يشيخ فيصبح حكيم قومه، والناطق الرّسمي باسمهم.. وبهذه المناسبة أذكر أنني سمعت في يومٍ ما، حماراً جليل القدر، فهيماً، يخطب في قومه بوقارٍ قائلاً: "... أي بني.. يا معشر الحمير الأشاوس، يكفيكم فخراً أنّكم تستطيعون الاستغناء عن جميع البشر، بينما لا يستطيعون العيش من دونكم، فمن لم يعد يستخدمكم في حياته، لا يرى مناصاً من تشبيه أبنائه، وأخوته في الإنسانية، بكم.. بينما لم يلجأ أحدنا ـ نحن معشر الحمير الكرام ـ يوماً، إلى تشبيه أحدٍ من بني جنسه بهؤلاء البشر المقيتيـــــــــــــــــــــــــن... " 10 شباط 2005
|