|
محمد سعيد حسين
|
|
2006-06-02 |
خاص: نساء سوريةقرأت ما كتبته الزميلة سلوى عباس، في زاويتها "حديث البنفسج".. تحت عنوان "مشاهدات شعبية". (اقرأ المقالة..) ولقد هيأني البنفسج، هذا الذي يبهج رغم حزنه الأزلي، لوجبةٍ من الحزن الجميل، أصبحنا نتلذذ بها بحكم طبيعتنا الإنسانية المختلفة، التي فطرتنا على التعامل مع الحزن - وهو أحد المكونات الرئيسية لحياتنا - بحميمية يبدو معها الفرح زائراً ثقيل الظلّ، فيما لو فكّر يوماً، بالتعريج علينا، في محطةٍ من محطاته الخاطئة.. وبالتالي قرأت الزاوية "بتصورٍ مسبق" لما في ذهني من فهمٍ للبنفسج، وعلاقته "بالحزن البهيج" ، وما لكلمة "شعبية" من استعمالات تحيل إلى الضحك المقيت أحياناً كاستخدامها مقترنة بـ "الديموقراطية" في بلادنا، وإلى الحزن الحقيقي أحياناً أخرى، وهذا ما يحيلنا إليه العنوان "مشاهدات شعبية". أشكرك أيتها العزيزة سلوى، على هذه اللفتة النبيلة، بتناولك هؤلاء الناس "الهامشيين" و"المهمشين". وعرضك المقتضب لأسلوب عيشهم، وطريقتهم في ممارسة الحياة التي لم تعجبك، وبالتّأكيد، لن تعجبني.. ولكنني لاحظت تركيزك، على تصوير "هامشية" هؤلاء الناس، وإغفالك -ربما سهواً- الحديث عن "تهميشهم"، وهذا -حسب زعمي- ما يجب علينا فعله أولاً.. أرى أن هؤلاء يعيشون "على هامش الحياة" في ظروف أقلّ ما يمكن أن يقال عنها أنها غير إنسانية، وهم -رغم ذلك- يقتنون -كما غيرهم من عباد الله- تلك الأشياء التي وصفتها في مقالتك بأنّها كماليات الحياة التقنية، وهنا أتساءل: هل يوافقنا الآخرون على أن هذه الأشياء من الكماليات؟! قد يقول قائل: نعم .. هذه كماليات، ويمكن لنا الاستغناء عنها، وقد يزيد آخر "من الوطنجيين، والقومجيين" بأن هذه من صنع الإمبريالية العالمية، والاستعمار، ولا بد لنا من الترفع عن استخدامها، احتقاراً لهؤلاء، وكيداً لهم.. أما أنا فأعلن أنني استكملت أسباب "رفاهيتي" بمعزلٍ عن كثير من الأشياء المذكورة مثل "الديجيتال، والمكيّف، والفيديو سي دي، والسيارات بأنواعها، والدراجات والتركتورات والطنابر، حتى الحمار الذي كان والدي يقتنيه في يوم مضى، استغنى عنه منذ أكثر من عشرين عاماً، باعتبار أنّ تقنياته لا تنسجم مع تقنيات العصر، هائلة التطور، وركوب مركب "الحداثة" يتطلّب (من وجهة نظر والدي طبعاً) التخلي عن بعض الأصدقاء التقليديين، وعلى رأسهم الحمار، الذي كانت فاجعتي بفقده كبيرة جداً.." واستكمالاً لاعترافاتي، أعلن أنني لا أمتلك من هذه التقنيات، سوى كمبيوتر اشتريته منذ حوالي خمس سنين بـ "تراب المصاري" وهو ينتمي إلى الجيل الثاني، أي أنه "ختيار مكحكح"، ما إن أهم بتشغيله، حتى يسمع الجيران من الدرجتين الرابعة والخامسة سعاله المخنوق، وأنينه الدهريّ، فيسارعون إلى التعاطف معه قائلين: الويل لك من ربك، أما آن لك أن تحيل هذا الشيخ الطاعن بالتخلف، إلى التقاعد؟! كما أنني - بانتهازية أحسد نفسي عليها - استغليت فرصة حاجة أحدهم الماسة والعاجلة، إلى مبلغ بسيط يفكّ به ضائقة مالية طارئة، واشتريت منه خط هاتف جوال، مع جهازه النوكيا 3310 ولا يسألني أحد عن الندم الذي حل بي على فعلتي تلك، وما يزال... بناءً على ما سبق، أقول: عندما يتسنى لي اقتناء كل هذه الأشياء، قد تصبح من الضروريات، ولا يمكن العيش من دونها، أما في الوقت الراهن، فهي من الكماليات "التافهة" التي لا قيمة لها... *** *** *** وتتحدث الزميلة سلوى، عن الاستعمالات الخاطئة للكمبيوتر، والديجيتال، والفيديو وغيرها من التقنيات "الكمالية" وهنا أوافقها الرأي، مضيفاً أن هذا الاستخدام الخاطئ، لا يخص هؤلاء فقط، بل يشمل كلّ شرائح المجتمع "الشعبية" و"الراقية". وهذا ما يمكن أن ندرجه تحت قائمة "إرهاصات التخلف" الذي يعيشه مجتمعنا بكلّ فئاته، برعاية كريمة من حال الأحكام العرفية المؤبدة وقانون الطوارئ "الخالد".. نعم -يا سيدتي- هؤلاء موجودون ليأكلوا ويشربوا، ويتناسلوا، وإنّ نشاطهم الاجتماعي والإنساني - في حدّه الأعظميّ - يتجلّى في تناول كأس عرق، أو ضرب متة، أو إبريق شاي (كلّ حسب بيئته وظرفه) مع رفيق، خيل إليهم أنهم يرتاحون له.. وهذا ما يريده سادتنا بالظبط، أن يبقى السواد الأعظم من الناس، في هذا الحال من السبات "المتحرك" الذي لا يعدو عن كونه إشعار بأنّه ثمة حياة في هذا الوطن .. في حين أنّ العمل المجتمعي - حسب زعمي - لا يمكن أن يثمر إلاّ من بوابة المؤسسات المجتمعية المدنية المستقلة وغير التابعة للسلطة، أو المؤتمرة بإمرتها، ولا يمكن لأي مجتمعٍ، مهما امتلك من مقومات النهوض، أن يبلغ هذا النهوض إلاّ من بوابة السياسة -سياسة الدولة الداخلية- وما تسنه من قوانين وتشريعات متطورة ومناسبة لعصرها، تتيح للجميع أن يحظى بفرصته الحقيقية، ليكون عنصراً فاعلاً في مجتمع يشكل في مجموعه "الشعب" الذي يحق له أن يشارك في صنع أسباب كرامته ، وهو أضعف الإيمان.. وانعدام قيمة الفرد - كفرد - في أي مجتمع، يحوله بالتدريج، إلى قطيعٍ تسوده غريزة الصراع من أجل البقاء، مضحياً بكلّ شيء، كلّ شيء، في سبيل هذا البقاء الذي هو هدفٌ نهائيّ وأخيرٌ، لهؤلاء الذين تحدّثت عنهم.. وبنظرة إلى الحالة التي وصل إليها هؤلاء الناس، فإنه من الطبيعي ألاّ يمكننا الحديث معهم، أو أمامهم عن حقوق الإنسان، لأنّ هذا المصطلح غريب عن ثقافتهم وعن فهمهم، بسبب من فقرهم المادي والروحي والمعرفي.. وبالتالي، المعنوي.. ولكن يمكن لنا أن نتحدث عنهم باحترامٍ لإنسانيتهم، انطلاقاً من معرفتنا المفترضة بهذه الحقوق، وسعينا المرتجى للدفاع عنها، بعيداً عن الشعارات التي تطرحها وترفعها الجمعيات والمنظمات التي نصبت نفسها حامية لهذه الحقوق، مع الاحترام الشديد، لكل الصادقين والمناضلين الحقيقيين في هذا المجال.. هذا من جهة، ومن جهة أخرى انطلاقاً من معرفتنا الوثيقة والبديهية بالظروف التي أوصلتهم -وأوصلتنا معهم- إلى ما هم، ونحن، فيه من تخلف وقهرٍ كبيرين.. وأزعم أنّه علينا فقط، أن نؤمن أنّ هؤلاء كان يمكن لهم أن يكونوا في وضعٍ أفضل بكثير، فيما لو أتيح لهم أن يعوا إنسانيتهم كما يجب، ويحصلوا على حقوقهم الإنسانية والأخلاقية والمادية والسياسية، بالحدود الدنيا لها. يكفيهم، على ما أزعم، أنّهم حققوا -حتى الآن- أفضل النتائج الممكنة، في معركتهم الشرسة والمضنية، مع البقاء. ويجب علينا، كنخبة مثقفة "كما يفترض"، أن نفكر عنهم، ونناضل عنهم، ونبحث لهم عن مبرراتٍ، وعن حلولٍ أيضاً، انطلاقاً من قناعتي بأن الأعمال الكبيرةَ والمهمة، هي نتاجٌ نخبويّ بامتياز. وهؤلاء الناس، سيسخرون منا بالتأكيد إن تحدّثنا أمامهم أو معهم عن حقوق الإنسان. ولكنهم سيحترموننا، بالتأكيد أيضاً، إن استطعنا أن نقدم لهم نتيجة إيجابية واحدة، في رحلتهم/رحلتنا/ الشاقة، على طريق استعادة إنسانية، سحقتها -أو كادت- طاحونة واقع قاس ولا ديمقراطي. ربما يكون لدى الزميلة العزيزة سلوى، ما يبرر لها ما لحظته أنا، من تحاملٍ على هذه الشريحة "الشعبية" من الناس، وربما تعاني -وكثيرون غيرها- من تخلف وجهل وطيش أغلب الذين تحدثت عنهم في مقالتها. ولكن هذا لا يبرر لنا أن نهاجمهم وحسب.. فلدينا الكثير نفعله غير هذا .. ولعل أول خطوة في طريقي إلى الآخر المختلف عني، هو احترامي لحقّ هذا الآخر بالخطأ، أو بما أظن أنه خطأ، لأنني من وجهة نظر هذا الآخر ، قد أكون مخطئاً أيضاً.. وقد أكون بالفعل مخطئاً، فيما ذهبت إليه في تعقيبي هذا، لذلك أعتذر سلفاً من الزميلة العزيزة سلوى، ومن السادة القراء أيضاً، داعياً الجميع إلى الإدلاء بدلوهم في هذا المجال، علّنا نحسن الحوار، والوصول عبره إلى صيغة ما، نستطيع عبرها أن يقدم كل منا ما لديه، فيما يظنّ أنه يخدم المجتمع والوطن... 11/6/2005
|