|
محمد سعيد حسين
|
|
2006-06-02 |
خاص: نساء سوريةمن مجموعة "مكاشفات زهرة الدفلى" إلى روحيّ الطفلين: خضر قيضبان ـ مهنّد الحوراني، الّذين سقطا.. سهواً (1) ... في غرفةٍ ضيقةٍ مظلمةٍ، تابع أبو علي هلوساته: "... الولد.. الرّافعة.. أنقذوا الولد.. ولك؛ يا أولاد الحرام... " ليختلط بصوته، صوتٌ قادماً من مكانٍ أقلّ ظلاماً، وأكثر اتّساعاً: "اخرس يا ابن الكلب، دعنا ننم.. لعنة اللّه عليك، وعلى السّاعة الّتي عرّفتنا بك..." و(ابن الكلب) لا يخرس.. بل يرتفع صوته أكثر، حتّى ليتحوّل إلى صراخ، أو (جعير) حسب تعبير رئيس المخفر في معرض وصفه حالة أبي عليّ في تلك الّليلة، لطبيب السّجن، والّذي قرّر أنّ الحالة تستدعي استشارة طبيب نفسيّ، ولم يتوان هذا عن تحويل السّجين (المجنون)، إلى مستشفى الأمراض العقليّة. (2) مشاهد من ذاكرة أبي عليّ: مشهد ـ1ـ خارجيّ " بدون ارتباطات خارجيّة ": ثمّة جدارٌ حديديٌّ هائلٌ، ملّ الانتصاب (المشبوه) فقرّر أن يسقط.. و سقط، مسقطاً معه رجلاً في السّابعة من عمره، كان يحلم بطفولةٍ متسامقةٍ،وكهولةٍ مشرئبّة العنق.. ترثي من سقطوا.. سهواً... مشهد موازٍ "داخلي" (صورة حيّة من الدّاخل): رجلٌ حديديٌّ في قاعةٍ رحبةٍ، رتِّبت مقاعدها بانتظام، وعلى المقاعد رتِّبت كتلٌ لحميّةٌ متفاوتةٌ، تعلوها أعناقٌ بربطاتٍ أخّاذة، ورؤوسٍ متشابهة...؟!! الرّجل الحديديّ، يلقي محاضرة حول كيفيّة استيراد الأفكار المخزّنة بشروطٍ صحّيّةٍ عالميّة، لتحويلها إلى ثوابت "وطنيّة" في شعارات مكفولة ضدّ التّفسّخ والتّبخّر، والاهتراء، وبأقلّ كلفةٍ ممكنة.. (3) غيوم في فضاء الذّاكرة: "مشهد مشوّش في ساحة السجـ.. عفواً، المستشفى، أبو علي (يقروش):... وقع الولد على الوجع... وقع الباب على القلب...... ... احفظ درسك يا غبي... حكمة اليوم: /لا مكان في هذا الوطن... لا وطن في هذا المكان.../ عنوان الدّرس: مبادئ في كيمياء الموت والـ... (لك يا ولاد الحلال.. الرّافعة.. الولد يموت.. دخيلكم.. أنقذوا الولد.. لك يا ولاد الحرا...) "قطع التيّار الكهربائي" (4) مشهد ـ2ـ خارجي.. رجالٌ ونساءٌ بعدد الكوارث، تتراوح أعمارهم بين الخامسة، والعاشرة، يهرعون هلعين باتّجاه الباب الحديديّ المتداعي، يحاولون إعادته إلى حالة الوقوف، واللاّجدوى، تسمّر أصابعهم الصّغيرة على أطرافه.. يرافق المشهد صوت حنجرة تجأر عبر الإذاعة الدّاخلية للمدرسة: ما الّذي يحصل في الخارج ؟!! مشهدـ2ـ داخلي: في داخل القاعة.. الرّجل الحديديّ، يمسح عرقه، إثر جهدٍ مضنٍ بذله عبر مكبّر الصّوت.. مؤثّرات متنوّعة مرافقة للمشهدـ1ـ خارجي: ثمّة طفلٌ في الخمسين من عمره، يقفز هنا وهناك، بحركةٍ هستيريّةٍ صائحاً: يا ناس.. يا هوه.. الولد.. أنقذوا الولد.. يا عالم.. يا...... مؤثّرات أكثر تنوّعاً، مرافقة للمشهد ـ1ـ داخلي: تصفيق حار.. ربطات عنق تعلو وتهبط، مرافقةً حركة الكروش الحاملة لها.. أصوات كثيرة يفهم منها تأكيدات حول حضارة لابدّ قادمة، وتعليقات مؤكّدة لعبقريّة المدير، وحرصه على... تتشابك الأصوات.. تصفيق أشدّ حرارةً... "تختلط المشاهد بالمؤثّرات الخارجيّة والدّاخلية " الطّفل الخمسينيّ ما زال يتراكض هنا وهناك، والدّموع تحجب عينيه عن رؤية المشاهد مجتمعةً، وحنجرته تتمزّق عن صراخٍ يشبه العويل: ... الولد.. الولد يا أهل النّخوة.. الرّافعة.. الولد.. اطلبوا الرّافعة يا ناس، ما لكم تقفون كالبهائم ؟!! يا عالم.. الرّافعة... يقطع هذيانه صوتٌ جهوريّ "بدون مكبّر صوت هذه المرّة": (ولك شو فيه يا حمار، العمى في قلبك ؟!!) وينظر (الحمار) إلى جبلٍ لحميٍّ يقف أمامه، يعلوه رأسٌ بحاجبين مقطّبين، وسحنةٍ جادّة، وما بين الحاجبين مكتوب:"المدير". يتراجع خطوة.. خطوتين.. ثلاثاً.. وفي هدوء يشبه الذّهول.. الجنون.. الفاجعة... ـ لاشيء.. لاشيء يا أستاذ.. سقط الباب على الولد... !! (5) مشاهد متتابعة: ثمّة مدير في مكتبٍ فخمٍ، يمسك بسمّاعة هاتفٍ، يقول لها: ألو.. شرطة..؟ لدينا حادثة رهيبة.. مأساة.. فاجعة.. العنوان: مدرسة.. مديريّة... مؤسّسة.... حضرت الشّرطة، وقرّر المدير، مشيراّ بيده إلى الطّفل الخمسينيّ: إنّه الآذن أبو علي، المسؤول ـ الأوّل.. والأخير ـ عمّا حصل... (6) بينما المدير يبكي الطفولة الضّائعة... ثمّة رافعةٌ، وجمعٌ غفيرٌ، وأصواتٌ كثيرةٌ.. وبابٌ حديديٌّ هائلّ، يرتفع شيئاً فشيئاً.. كاشفاً عن بقعةٍ من اللّحم، والعظم، والدّماء، باستطالاتٍ، ونتوءاتٍ مختلفة، مشكّلةً رسماً فريداً.. لخارطة وطن. 2005
|