|
محمد سعيد حسين
|
|
2006-06-02 |
خاص: نساء سوريةكثيراً ما يراودني هذا السؤال، دون أن يخطر لي أن أحاول الإجابة عليه، لأنني أدرك أن أية إجابة ممكنة، لا يمكن أن تكون نهائية، وليس بالضرورة أن تكون كذلك.. ولكن أن يصل الأمر بالمرء، درجة يصعب عليه فيها، ممارسة الكتابة التي هي هاجسه بالأساس، نتيجة الشعور باللاجدوى، هنا يجب عليه أن يواجه مخاوفه، ويحاول إجابة نفسه على الأقل، على سؤالٍ لطالما طرق أبواب المخيلة، ليكتشف أن الكتابة قد تكون الحصن الأخير الذي يفصل بينه وبين اليأس. قد لا أستطيع تحديد السن التي بدأت فيها الكتابة، إنما أذكر أنّ أول قصيدة عمودية موزونة كتبتها، وكنت في الصف العاشر آنذاك، علّق عليها مدرس اللغة العربية، الأستاذ الأديب والباحث يونس ابراهيم ملاطفاً: (لقد حكمت على نفسك بالفقر المؤبد يا بني)، في إشارةٍ منه إلى الفقر المادّي الذي يلازم المشتغلين بالأدب، إلى آخر حياتهم، غالباً. و لقد صدقت نبوءته، معي على الأقلّ.. فها أنذا على مشارف الأربعين، أمارس الكتابة في الهامش المتبقي من الوقت الذي يستهلكه رغيف أطفالي، وفي جعبتي القليل من القصائد، والقصص، والمقالات، والكثير الكثير من الإحباط ... ولو تسنى لي أن أطبع كل ما اعتديت به على عذرية الورق، من هذيان، قد أصدر أكثر من خمسة كتيبات موزعةٍ بين القصة والشعر والخاطرة والمقالة والنص الذي لا ينتمي إلاّ إلى طائفة الهلوسات ..؟!! وعليه فإن أول ما يمكن أن يلفت الانتباه، والأسى، أن الأدب الذي نكتبه يشبهنا، نحن المقهورين على امتداد الوطن، هذا الوطن الذي استهلكناه أكثر مما ينبغي، في شعاراتنا وخطبنا الحماسية ومدائحنا ومراثينا على السواء، ولم نمنحه ـ حتى الآن ـ فرصة يلتقط فيها أنفاسه، ليعيد إنتاجنا من جديد، مواطنين قادرين على الحب، دون إثارة الزوابع...؟!! ففي كل محاولة للكتابة أقترفها بين الفينة والأخرى، أكتشف أنني أكتب هزائمي، وانكساراتي (انكساراتنا) جميعاً، وأحاول، ببقيّةٍ من أمل الالتفاف عليها وتجاوزها.. محاولاً التغلب على الشعور المقيت، بالهزيمة، بهذا المعنى، ربما تكون الكتابة، فعل المقاومة الوحيد الّذي أتقنه، وأقوم به بين هزيمةٍ وأخرى.. دون أن أفقد الأمل ، أنني في يومٍ ما سأستطيع أن أجعل من الكلمة، خنجراً ينزرع في صدور ورؤوس المستأثرين بخبزنا وفرح أطفالنا.. لهذا أحرص على استمراري بالكتابة، مع ازدياد خوفي منها كلما تقدم بي العمر والتجربة، ولهذا تراني دائماً أردد مع الشاعر السنغافوري "وي كيم شونغ" مقولته الرائعة: "...أجل ... أجل... أن تكتب، يعني أن تضع القمامة على الورق، لا حاجة البتة للثقافة، إلا لأولئك الذين يترعرعون على حافة الخبز.. هؤلاء.. يحتاجون إلى الثقافة كي يملؤوا بطونهم، ثم يزحفون عليها إلى المستقبل..." 10/9/2005
|