|
محمد سعيد حسين
|
|
2006-06-02 |
خاص: نساء سوريةأذكر.. في طفولتنا الأولى... كنا نخرج ـ مجموعة من الأطفال، متفاوتي الأعمار ـ خلف قطيع الدواب إلى المراعي الجبلية الواقعة في الجانب الشمالي الغربي للقرية، حاملين كتب ودفاتر العام الدراسيّ المنصرم، لا لنستعيد معلوماتٍ مللنا طيلة عامٍ دراسيٍّ كاملٍ من تكرارها، بل لأنّ تلك الكتب والدّفاتر، تعتبر المواد الأوليّة لصناعة عتادنا الحربي، الّذي لا غنى لنا عنه في معاركنا الافتراضيّة ـ تسليتنا الوحيدة والأثيرة ـ في المراعي، حيث ننقسم إلى فريقين متحاربين، أحدنا يمثّل أمريكا، والآخر الاتّحاد السوفييتي.. طبعاً لا يظنّنّ أحدكم أنّنا تجاوزنا العرب وإسرائيل لأنّ عتادنا الحربيّ أكبر وأكثر فتكاً من عتاد هؤلاء وأولئك، بل فعلنا ذلك لأنّنا اختلفنا منذ البداية على الفريق الّذي يمثّل "العدوّ الصهيونيّ" (لاحظوا أنّه كان هذا اسمه آنذاك).. كان الجميع يرفض ذلك، حتى الضّعفاء بيننا الّذين لا حول لهم ولا قوّة، وبالتّالي لا رأي، في إدارة الّلعبة (وكنت أبرز الضّعفاء طبعاً).. نرفض، ليس لأنّنا كنّا نستمع إلى الأخبار، أو نقرأ الجرائد الحكوميّة، الّتي كانت تسمّي "إسرائيل" بـ "الكيان الصهيوني الغاصب" و "العدوّ الصّهيوني" ففي تلك الأثناء، لم نكن ـ في ذلك الريف القصيّ ـ قد سمعنا بالجرائد، ولم يكن في قريتنا كلّها، أكثر من عشرة أجهزة راديو، لا دخل لنا ـ نحن الأطفال ـ بها، لأنّ تجمّع الكبار حولها، أثناء نشرات الأخبار، والتحاليل السياسيّة، والمسلسل اليوميّ، وأغاني أمّ كلثوم وعبد الحليم ومها الجابري وفيروز وغيرهم.. لا يدع لنا فرصة الاستماع إلاّ إلى صراخ الرّجال، أثناء حوارهم السّياسي الّذي يعقب كلّ نشرة أخبار، من أولئك الرّجال عرفنا أنّ "إسرائيل" عدوّ، والطّبيعيّ أن لا يرضى أحدٌ منا أن يكون "العدوّ"، فأن تكون "العدوّ"، لهو أكبر الكبائر، بل وصمة عار لا يمكن للزمن أن يمحوها.. وكان الحلّ الوحيد المتاح أن ننقسم إلى "أمريكا"، و"روسيا" الّذين سمعنا من الكبار أيضاً باسميهما، وبحربهما الباردة، وكناّ نظنّ ـ كما بعض الكبار ـ أنّ برودتها ناتجة عن برودة الطّقس في روسيا".. !! وكان الفارق بين حربنا وحربهم، أنّ حربنا كانت لاهبةً ومليئةً بالإثارة... فمن تحلّق طائرته الورقية وقتاً أطول، أو يرتفع صاروخه أكثر، يعتبر قد كسب جولة في الحرب، لننتقل بعدها إلى الجولة الثّانية، حيث مرحلة جديدة ومتطوّرة من الحرب، نستخدم فيها تقنيات جديدة وأعتدةً أكثر تطوّراً، قوامها الأحجار الصغيرة "قنابل"، وعيدان الحطب "بنادق ومسدسات"، وجذوع الأشجار اليابسة "مدافع وقاذفات" والصّخور الكبيرة "مدرّعات".. ودائماً على الفريق الّذي خسر جولةً، أن يدفع الجزية للفريق الآخر، وهي عبارة عن ذهاب الخاسر، إلى أطراف المرعى، لإعادة الدّواب الشاردة، الّتي تجاوزت حدودها... وأذكر... كبرنا قليلاً، وتوسّعت ثقافتنا السياسية، واتّضح لدينا، أنّ أمريكا لا تختلف كثيراً عن إسرائيل، فهي صديقتها الكبيرة والوفية، وصديق العدوّ ؛ عدوّ، هكذا قيل لنا، لذلك كان علينا أن نرفض تمثيل دور أمريكا.. ولمّا لم يكن لدينا عدوّ افتراضيّ آخر، أقلعنا عن هذه الّلعبة، لتنطلق مخيّلاتنا الطفلية، في البحث عن لعبةٍ أخرى، نبقر فيها بطن الوقت الطويل.. لعبةٍ، لا يكون فيها أمريكا و لا إسرائيل... وأذكر... المرّة الأولى، التي اكتشف فيها والدي، أنني أدخّن.. أنّ الذي قهره جدّاً آنذاك، وجعله يضاعف العقوبة ثلاثة.. أو أربعة أضعاف، أنّ الباكيت التي ضبطها معي حينها، كانت من نوع "مارلبورو".. وكان ثمنها في ذلك الوقت خمسين قرشاً سورياً.. لم تكن مصيبته في أنني أدخّن، فحسب، بل وأنّ الدّخان الذي أدخنه من صنعٍ أمريكيّ، وكان هذا في عرفه ـ في ذلك الزمن ـ خيانة وطنية، إن عدت لمثلها، فرم أصابعي العشرة، وأطعمها للكلاب...!! وأذكر... والدي الذي لم يبكِ عندما فقد أحد أعزّ أصدقائه في حرب تشرين 1973، ولم يبك عندما توفيت أخته الشابة "عمّتي" نتيجة خطأٍ طبّيٍّ فادح، في أحد مستشفيات الوطن، ولم يبك عندما بلغه خبر استشهاد ابن أخته الشاب في بيروت عام 1976 أثناء تأديته خدمة العلم، ولم... لم يكن البكاء سهلاً عليه، خصوصاً أمامنا نحن، أهل بيته.. أذكر جيداً، كيف بكى بحرقةٍ أبكت جميع من كان في منزلنا من الجيران، مجتمعين حول جهاز الراديو، الذي كان يبث خبر زيارة السادات للقدس المحتلّة.. وأذكر... اللقاء الأوّل، الذي جمعني بالراحل الكبير، الحاضر أبداً، ممدوح عدوان، وكان مؤتمر مدريد آنذاك، مالئ الدنيا وشاغل الناس، كيف أنّ ممدوح غبّ من كأسه جرعةً كبيرةً، أتبعها بمجةٍ عميقةٍ من سيكارته، فزفرةٍ مقهورةٍ أخرجت معها دخاناً كثيفاً، وسعالاً شهيراً، وتصريحاً أثيراً يقول : والله لو بقي عربيٌّ واحدٌ في هذا الكون، لم يوقّع السلام مع إسرائيل، سأكون أنا هذا العربي... ولما انبرى أحد الحضور قائلاً : إذا كان السلام عادلاً وشاملاً، ويضمن عودة الحقوق لأصحابها، مع ضمانات دولية، فما المانع لديك ؟!! ليجيب ممدوح هازئاً : نفس المانع الذي يجعلني لا أصدق ولا أقتنع باتّفاق سلامٍ بين ذئبٍ، وقطيعٍ من الأغنام...!! وأذكر... كم من "قطعانٍ" سياسيّةٍ في الوطن العربي، والعالم الإسلامي، عقدت العزم على التعايش مع "الذئبة" الوديعة "إسرائيل"، و"أمّها" الرّؤوم "أمريكا" ليجلبوا بذلك ديموقراطية الموت إلى شعوبهم، مغلّفة بشعاراتٍ عن الحريّة وحقوق الإنسان، التي تعني ترجمتها أمريكيّاً : "حق العرب والمسلمين بالموت على الطريقة "الأمريئيلية" .. وكم من "معارضين" !!! لحكوماتهم وأنظمتهم، يطالبون اليوم الديمقراطية الأمريئيلية، أن تخلّصهم من جور أنظمتهم "المجرمة"، مدركين أو غير مدركين، أنهم بهذا كمن يستقوي بالنمور على الذئاب... رغم ادعاء هؤلاء المعارضين "خمس نجوم" أنّهم قرؤوا التاريخ جيّداً... وأذكر... كيف أنّ اسم "فلسطين"، الذي عشش في وجدان الشعب السوري، مشكّلاً أحد أهمّ المقدسات في تاريخه عبر نصف قرنٍ من الهزائم، قد أزيل عن الخريطة ليحل محلّه الكلمة الأكثر إثارة للاشمئزاز في عقولنا وضمائرنا "إسرائيل"، وكيف أنّ لفظ "العدوّ الصهيوني"، أصبح من المحرّمات في خطابنا الإعلاميّ، ولفظ "الكيان الصهيوني الغاصب" لم يسمع به شباب هذه الأيام، بالرّغم من جميع شعارات "الصمود والتّصدّي" الّتي استهلكتها وسائل إعلامنا، على مدى أكثر من أربعين عاماً من القوانين الاستثنائية، وقوانين الطوارئ...!! وكيف أنّ أبي، لم تعد لديه مشكلة مع الدخان الأمريكي المهرّب، ولا ترفع ضغطه رؤية القادة الإسرائيليين على شاشات التلفزة، ولم يعد يكتئب، لمجرّد ذكر الرئيس أنور السادات.. ومنذ أكثر من خمسةٍ وعشرين عاماً، لم يعد الاجتماع الحزبي مقدّساً لديه، حتّى القنيطرة المحرّرة، لم يعد يحلم بالعودة إليها، بعد أن أمضى فيها أجمل سنيّ عمره قبل العام 1967... وأنّ عشرات المسؤولين العرب، وعلى أكبر المستويات، بدؤوا منذ فترةٍ يروجون للتّطبيع مع "العدوّ الصهيونيّ"، وكأنّهم وكلاؤه الحصريّون في سوق النّخاسة العربيّ، وفي الوقت نفسه يعلن "فابيان بارتيز" حارس مرمى منتخب فرنسا الدّولي لكرة القدم، رفضه السفر مع فريقه إلى "إسرائيل" واللّعب أمام فريقها، وذلك بسبب الوحشية القذرة التي تتعامل بها مع "أخوتنا" الفلسطينيين...!! وأذكر... جيداً أذكر، تلك الرّائحة الكريهة، الّتي انبعثت من "قذارةٍ" كتبها أحدهم، وأرسلها إلى صاحب نشرة "كلنا شركاء في الوطن" الأستاذ أيمن عبد النور، لينشرها هذا "بضربة معلّم" على صفحات النّشرة، بتاريخ 31/3/2005 وليجعلنا نخمّن أنّ هذه الرائحة ليست سوى رائحة ذلك الشخص نفسه، الذي فاحت ـ منذ زمنٍ ـ رائحته الكريهة، وهو يشكو "جحيم" تدمر، إلى "جنّة" غوانتانامو، ولا يسعني إلاّ أن أغبط الأستاذ أيمن على ذكائه الحاد، وقد ظهر جليّاً، بحرصه على نشر هذه القذارة التي تدلّل على مستوى صاحبها "المعارض جدّاً" !!! وأذكر أخيراً.. ودائماً، بيت الشعر الذي قاله عظيم عصره، وكلّ العصور، أبو الطيب المتنبي: من يهن يسهل الهوان عليه ما لجرحٍ بميّتٍ إيلام 31/3/2005
|