|
رهادة عبدوش
|
|
2006-06-02 |
خاص: نساء سوريةإنها جثتي إني أراها من بعيد، وقد تجمع حولها أهل الحي كله وأخي الكبير والصغير وأمي بعضهم يأن بصمت وبعضهم يزغرد. لا أدري لماذا أصبحتُ جثة لكني أعرف تماماً تلك المطرقة المرمية فوق رأسي إنها لأخي الذي طالما لعبت معه عندما كنا صغراً وطالما رافقته عندما كبرنا قبل أن يتعرف إلى الشلة التي علمته السرقة والتي اشترى تلك المطرقة لتسهل عليه الكسر والخلع للأبواب والشبابيك. أخي الذي تغير من ذلك الوقت، تجمدت نظرة عيناه وتبدلت خفقات قلبه، لم يعد ذلك المحب العطوف الرفيق، تغيّر أصبح قاسياً سمجاً يهوى العراك، متشائماً... تغيّر لم يعد صديقي. أما الأصغر فكان واقفاً بقرب جثتي خائفاً منذهلاً مما قد فعله، بعد أن تشبع بأفكار أخي، وقضوا على جسدي. أمي كانت تضبط دمعها وتحاول الزغردة. أما أبي فلم أره بين الجموع لكني رأيت باقةً من ياسمين مشلوحةً على رأسي على دمي، إنها منه، فقد اعتاد عندما يحزن أو ينكسر أو يتألم أن يحضر معه ياسمينة من ياسمين الحديقة، أما اليوم فقد أحضر باقة وغادر... سمعت من مكاني في الأفق طراطيش كلام... هذا جزاء من تلوث سمعة أهلها.. هذه نهاية لكل من تتجاسر وتلوث شرف عائلتها.. لتكن درساً للجميع... لقد رُفع رأس أخواها عالياً. استعادوا شرفهم هكذا تكون الرجولة. أما أنا فلم أدر ما الذي حصل، الذي أعرفه فقط أني كنت أتبادل معه الروايات، وكنا نتناقش فيها معاً... علمني كيف أقرأ، كيف أبحث، علمني من خلال الكتب أن الحياة ليست بين هذه الجدران بل هي أوسع، إنها بلا حدود... مرة واحدة فقط لمست يده يدي عندما كان يقدم لي رواية، سحبتها بسرعة وفرحت بتلك اللمسة. وعشت شهوراً على ذكرها، نبض قلبي، برقت عيناي، وقالوا كثيراً عن حبنا الذي لم يتعدَ تلك الذكرى. دخل أخواي أحدهما يرتجف والآخر يزبد ويرعد. لم أهرب، كيف أهرب، إنهما أخواي، أمن الممكن أن يغدرا بمن تحبهما حتى الرمق الأخير وحتى عندما حطما جمجمتي ظننتهما يمازحاني، يلاعباني... إنني أسمع طراطيش الكلام وزغاريد النساء وتهاني الرجال، ظننت أن التهاني لأن أخي ترك السرقة فاستعاد شرفه، أو أن أصدقاءه الملتفين حوله تابوا عن الغدر والاحتيال والرشوة والسطو فاستعادوا شرفهم. ظننت أننا ربحنا جولة سياسية وهزمنا الجوع والحرب واستعدنا كرامتنا واستعدنا شرفنا. إلى الآن أحاول سَمْعَ طراطيش الكلام والدخول إلى أقبية بيوت الحارة لأعرف فقط ما هو الشرف الذي استعاده أخواي والذي باركه الجميع.7/2005
|