|
رهادة عبدوش
|
|
2006-06-02 |
خاص: نساء سوريةرأيتها ذات يوم واقفة عند باب الدار تراقب صبيا صغيرا بجيلها والحزن والغضب باديين على وجهها الطفولي. وكانت بوقفتها على العتبة تمد قدمها وترجعها بتردد كأنها تريد الخروج وشيء ما يسحبها إلى الداخل.. شيء لا تستطيع مقاومته يشدها بعنف للخلف.. وشيء آخر يدفعها إلى الأمام.. على مدى عدة أيام تكرر هذا المشهد أمامي. فلم أستطع كبح فضولي عن سؤالها لماذا هذا التشبث بالباب؟! لا هي تتقدم إلى الأمام فتلعب مع الآخرين.. ولا هي تعود إلى داخل المنزل؟! وسألتها.. فاجأني جوابها الذي فاق سنوات عمرها العشر! فقد قالت لي بحزنها المعهود: هذا أخي أكبر مني بعامين.. كنت ألعب معه دائما في البيت وفي الحارة التي نقطنها.. نلعب بالكرة والحيزة والغميضة.. ألعابا كثيرة.. نحن ورفاقنا.. منذ أن ولدنا نلعب سوية. لكن فجأة قالت لي أمي: لا يجوز أن تلعبي! عيب عليك الخروج إلى الحارة بعد الآن! صدقيني لم أفعل شيئا! فأنا ألعب مثل أخي، ومعه.. دائما نركض ونمرح! لم أؤذ أحداً.. لقد ضربتني أمي لأني حاولت الخروج للّعب مع الآخرين! بالرغم من أن أخي ما زال يخرج ويلعب... سألتهم لماذا أنا فقط دون أخي؟! فقالوا لي كلاما لم أفهمه (انه صبي! لكن أنت فتاة! أصبحت كبيرة! يجب أن تساعدي أمك بالمنزل!). رغم أن أخي يستطيع العمل أكثر مني لأنه أكبر بعامين وأقوى مني. صحيح أني أتلهى بالتلفزيون لكني لا أستطيع مقاومة اللعب بالحارة لأني أحبها فمنذ أن ولدت أخرج وألعب. وأشتاق كثيرا للعب مع أخي! وهو أيضا.. لكنه يفضل الخروج! لا أعرف ما الذي حصل لهم. لقد بكيت كثيرا ومرضت.. ورغم ذلك لم يسمحوا لي أكثر من الوقوف على عتبة الباب! مع التهديد أني إذا خرجت سأمنع حتى من هذه الوقفة.... وعادت تبكي..! حاولت مواساتها.. لكن دون رغبة! فكيف أقنع طفلة أن اللعب عيب على البنات؟! وأن الركض والفرح والضحك محرّم عليهن؟! وأننا في مجتمع يتعامل مع الطفلة على أنها أكبر من الطفل الذي يساويها في العمر؟! و أنه يروض الفتاة منذ أن تكون طفلة على التعود على الانغلاق، وعلى الحبس بين الجدران؟! يعودها على أن تهِبَ الحياة للآخرين.. وتعمل لخدمة الآخرين دائما..! هي ليست لها, وهم ليسوا لها, فهي وهم (له) هو دائما؟! وعلى هذا يجب أن تتعوّد! وإذا منّت عليها الحياة بالعلم والعمل يزهو المجتمع بنفسه لأنه أعطاها هذا الحق بالرغم من أنها "فتاة"؟! تركتها واقفة عند الباب وقدمها الصغيرة متدليّة على العتبة تلوح في الهواء.. لا هي في الأمام.. ولا هي في الخلف..!! وعدت أدراجي.. واعدة نفسي أن أكبح فضولي بعد الآن! لأني، من حيث لا أدري، أنبش في أشياء عقيمة لا يفيد النبش فيها إلا مزيداً من الكآبة. 18/6/2005
|