|
رهادة عبدوش
|
|
2006-06-02 |
خاص: نساء سوريةكانت تدخل كل يوم إلى مكتبه، تستمع إلى حديثه الطويل عن انتصاراته العصماء وهزيمته لهؤلاء المدنسين لشرف الأرض والوطن. وكانت تضطر لاصطناع الاستغراب والتعجب لهذا الصمود الذي يتحلى به، وهذه الروح الشجاعة التي منها الله عليه واصطفاه بها دون الآخرين! وكانت تضطر لتصديق كل ما يقوله. بل إلى تمثيل حركات التعجب والانبهار والحزن والفرح بشكل آلي! لكن أصعب ما كانت تجبر على فعله: الابتسامة التي يجب أن ترافقها أثناء حديثها معه! إما للمسايرة، أو لمحاولة عدم التثاؤب من حديثه الممل، أو لإخفاء عدم تصديقها.. ولأشياء أخرى كثيرة ريثما توقع الأوراق بين يديها.. وهي، بما تحمله في داخلها من روح مرحة مائلة إلى السخرية من كل شيء، حتى من نفسها، خطر ببالها يوماً إدخال كاميرا لتصور نفسها وهي في حالة اصطناع التصديق.. الابتسامة.. وبما أنها لن تتمكن من ذلك، تخيلت نفسها أنها أدخلت هذه الكاميرا وبدأت بالتصوير.. وكان المشهد الأول: ها هي تدخل متأبطة الأوراق المحتاجة للتوقيع.. وهاهي الابتسامة تبدأ بالظهور مع سلامها عليه.. وها هو يبدأ نشيده اليومي: إني أحسدك لأنك بعيدة عن التعامل مع هذا الزيف اليومي لهؤلاء الكبار. لكن أنا بحكم منصبي أضطر كل دقيقه في حياتي للتعامل معهم! لكن أين هم مني؟! إنني أكشفهم جميعا.. وكل واحد منهم أكمشه من اليد التي توجعه فلا يستطيع التفوه بكلمة أمامي! إنهم يخشونني.. ويفيض بالحديث عن بطولاته!-طبعاً هنا تبدأ باصطناع الاندهاش من ذكائه في فهم لعبة السوق والحياة جيدا- ويتابع: أعطني هذه الأوراق التي بين يديك.. ما أكثر الطلبات! كل موظف هنا يحلم أن يكون مديراً! لا أحد يريد أن يبقى موظفاً! إنهم يظنون أن عملنا، نحن المدراء، سهل! لا يعرفون مدى التعب الذي نضنيه والذي يرهقنا.. اجتماعات ودعوات وواسطات! هموم كثيرة تتعبنا. هم يرون في منصبنا السلطة والوجاهة فقط! -وهنا تتبدل معالمها لتبدأ بالتظاهر بالاندماج وتهز رأسها مؤكدة حديثه- هل تعلمين أني كل يوم أدخل في معركة مع هؤلاء المنتفعين والعملاء الذين يحاولون العبث بأموال المؤسسة والبلد؟! لكني أقف لهم بالمرصاد و.. و.. و.. –وهنا تبدأ نظرات الاندهاش والإيمان بعمله والتعجب من قدرته على الصمود في وجه التيار-(يتابع) هل تعلمين! لو يعود الأمر لي لتركت العمل وهذه الرفاهية والسلطة لأتفرغ لحياة البساطة بعيداً عن الضوضاء والمصالح! وأنصحك، بما أنك في بداية الطريق، أن تتركي كل شيء وألا تنظري إلى فوق! فلا أروع من العمل البسيط بدون وجع راس..! –لكنها كانت شاردة عن متابعة حديثه هذه اللحظة، فلم تعرف ما هي الحركة الواجبة! فابتسمت وهي تهز رأسها- (وتابع) كم نصحت فلاناً وغيره بعدم الوقوف بوجهي! لكنهم لم يسمعوا كلامي. إنهم لا يعرفون أني أستطيع بإشارة من يدي أن ألغي قرارات و.. –وقبل أن يتابع جملته، وخلال عودتها من شرودها، ظنت أنه انتهى من جملته.. وأنه يقول شيئا يتوجب الضحك.. فضحكت بمرح مصطنع!- عقد حاجبه فعقدت حاجبيها تآزرا معه! وسألها عن سبب ضحكها؟! تلبكت.. لأنها أصلا لا تعرف لماذا ضحكت! فزمت شفتيها وتذكرت فجأة أنها تمثل أن الكاميرا معها وأنها تلتقط الصور.. فلم تستطع كبت ضحكتها! بل ازدادت لدرجة ذرف الدموع! وكلما حاولت التوقف زادت المشكلة! ازداد غضب المدير وشعوره أنه محط سخرية.. وأن هذا الضحك يستهدفه..وكان المشهد الثاني: المدير يوقع على قرار فصل موظفة من العمل لعدم مراعاتها الآداب العامة التي تقتضيها الوظيفة!المشهد الثالث الموظفة تخرج من عملها في المؤسسة مبتسمةً.. لكن هذه المرة دون اصطناع..3/8/2005
|