|
مفهوم الرجولة بين الواقع والمطلوب.. |
|
|
|
محمد عبد ربي
|
|
2006-03-05 |
|
صفحة 1 من 4
(نشر هذا الملف على حلقات في موقع "الرقيب" الالكتروني) قتل النساء على خلفية الشرفالمقدمة يثير موضوع حقوق المرأة الكثير من الجدل في الساحة العربية، فمع أن المرأة دخلت مضمار التعليم والعمل بشكل واسع خلال السنوات الخمسين الأخيرة إلا أنها ما زالت تعاني من التمييز القائم على النوع الاجتماعي، خاصة في المجتمعات التقليدية. إذ يسود تصور تقليدي في التعامل مع المرأة وحقوقها، وينظر إليها على أنها أدنى من الرجل وأقل حقوقا منه حيث يستند ذلك إلى تراث كبير من العادات والتقاليد والأعراف. وبالرغم من أن المرأة العربية استطاعت الحصول على بعض الحقوق بعد صراع طويل خلال النصف الثاني من القرن الماضي ، إلا أن هناك مظاهر عنف وتمييز واضح تجاهها. ومن أبرز هذه المظاهر في المجتمع العربي هو قتل النساء على خلفية الشرف، فالقتل على خلفية الشرف يعتبر جريمة وهي من الظواهر التي تهدد تماسك المجتمع وتقف عائقا في طريق تقدم المرأة في المجتمع. ومن الضروري الاعتراف بخطأ استخدام مصطلح القتل بدافع الشرف حيث أنه يعكس إعطاء مبرر للجاني وفي الوقت ذاته إدانة المجني عليها دون إعطائها الفرصة للدفاع عن ذاتها. لذلك تقترح الأدبيات النسائية استخدام مصطلح جريمة قتل النساء على خلفية الشرف (أنظر/ي خضر، 1999،ص18،عبده،1999،ص18 وزغبابة،1998،ص1). فالتعريف الاجتماعي المتعارف عليه تقليديا لمفهوم القتل على خلفية الشرف يتعلق فقط بالمرأة، فالمرأة التي تقيم علاقة مع رجل خارج مؤسسة الزواج يبرر قتلها حفاظا على شرف العائلة. فالشرف هو أحد القيم الاجتماعية المحورية التي تؤكد أبوية المجتمع العربي ودونية المرأة فيه، وهو كجميع القيم الاجتماعية يحدد كل مجتمع معناه بما يتفق مع مصلحته التي تتغير بتغير ميزان القوى فيه. فالقوى الغالبة في المجتمع أو الطبقة الأقوى هي التي تحدد هذا المعنى بما يتفق مع مصلحتها (أنظر/ي الزيات،1993،ص66،وعبده،1999،13). ومن هنا نجد الازدواجية في مفهوم الشرف، حيث تغييب المعاني السامية للشرف كالعزة والعلو ويقصر المفهوم على جسد المرأة وغشاء البكارة. حيث يصبح شرف المرأة ملكا للرجل ولا تلعب المرأة فيه إلا دور الوسيط الصامت، فيصبح الرجل مسؤولا عن سلوك المرأة واحتشامها. فالتقاليد والعادات الاجتماعية أدت إلى عزل المرأة جسديا ومكانيا في المنزل وفرض عليها الاحتشام من أجل حماية شرف الرجل، فالمرأة الشريفة امتداد للرجل الشريف. ومن هنا يكون جسد المرأة هو المحور الرئيسي في هذه المعادلة للحفاظ على الشرف لأنه وسيلة لإنجاب أعضاء جدد للعائلة واستمراريتها. فاعتبر جسد المرأة ملكا لزوجها والحفاظ عليه هو الوسيلة الوحيدة لضمان عدم اختراق الحدود بين العائلات، والحفاظ على العائلة كوحدة للتكوين الاجتماعي، فالعائلة عامة والرجال خاصة هم المسؤولون عن شرف المرأة (التركي وزريق،1995: 104). يعتبر قتل النساء على خلفية الشرف أحد أشكال التمييز وانتهاك حقوق الإنسان ضد المرأة بشكل خاص، فهي ظاهرة موجودة في العديد من المجتمعات منها المجتمع العربي. وهي لا تعدو كونها ردة فعل لعدة عوامل اجتماعية ونفسية وبيئية وتربوية واقتصادية وثقافية وغيرها. فقيمة الإنسان رجلا أو امرأة تتحدد حسب قدرته على العمل الخلاق والحب الحقيقي وليس حسب ما يملك من ثروة أو سلطة أو انتمائه الطبقي. علاوة على ذلك فدور الإنسان في المجتمع يتحدد حسب قدراته الفكرية وكونه عنصرا فاعلا ومؤثرا وليس حسب كونه ذكرا أو أنثى، وبذلك تكون قدرة الإنسان القادر على تطوير مجتمعه والوصول به إلى الأفضل هي التي تحدد قيمته (السعداوي، 1977، ص32). وقتل النساء على خلفية الشرف هو جريمة يرتكبها رجل بحق امرأة تربطه بها صلة قرابة من الدرجة الأولى، ويكون الدافع للجريمة كما تعرفه المفاهيم الاجتماعية سواء كانت قتلا أو إيذاء الدفاع عن الشرف. أما السلوك الذي يعتبر ماسا بالشرف فهو ينطوي على اتصال جنسي غير مشروع يجلب العار على العائلة وفقا للعادات والتقاليد في المجتمع (أنظر/ي خضر، 1999، ص8 وزغبابةه،1998،ص 1). المجتمع الفلسطيني جزء من المجتمع العربي، ولا يختلف وضع المرأة الفلسطينية فيه عن وضع المرأة العربية عامة. فالمجتمع الفلسطيني كغيره من المجتمعات الأبوية التقليدية الحديثة، يعتمد استخدام القوانين غير المكتوبة من عادات وتقاليد وأعراف لحفظ كيانه وشرعيته، مستعملا بذلك شتى أساليب القمع والإرهاب الاجتماعي لتكريس دونية المرأة. وأيضا، الظروف التي تعرض لها المجتمع الفلسطيني من نكبة وتهجير ونزوح وفقدان الأرض أدى إلى تشبثه بالعادات والتقاليد المجتمعية (عبده، 1999،ص 25). فظاهرة قتل النساء على خلفية الشرف موجودة (من خلال حالات معرفة من مراكز نسوية، شرطة، صحافة...الخ) في المجتمع الفلسطيني كغيره من المجتمعات الشرقية الأخرى. فهي جريمة تميز ضد نوع اجتماعي دون الآخر ألا وهو النساء، وهن جزء أساسي ومهم ويشكل نصف المجتمع. ومع أن هذه القضية كانت موجودة في المجتمع الفلسطيني منذ زمن، إلا أنها كانت مغيبة ضمن الواقع الذي عاشته البلاد من احتلال وانتفاضة حيث غلب الاهتمام بالقضايا السياسية على الاهتمام بالقضايا الاجتماعية. ومع بداية الاستقرار السياسي بعد توقيع معاهدات السلام سنة 1993 تكشفت هذه القضايا بشكل واضح بسبب انتشار المراكز النسوية واهتمامها بقضايا العنف الموجه ضد النساء، والتي بادرت بإقامة ورشات عمل وبعض الدراسات القيمة التي تتعلق بهذا المجال. فدراسة هذا الموضوع تنبع من تجدد الظاهرة في المجتمع الفلسطيني وانتشارها. فارتأينا في المجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق الإنسان أهمية دراسة هذا الموضوع للوقوف على نظرة المجتمع لهذه الظاهرة، وكيفية التعامل معها. المجتمع ومفهوم القتل على خلفية الشرف لقد بدأ القتل على خلفية الشرف يلقى اهتماما واسعا بين الأوساط النسوية والحقوقية على عدة مستويات، وأصبح يتم تناوله بدون إحراج أو تردد، من منطلق أن القتل على خلفية الشرف هو جريمة بحق الإنسانية والمرأة. كما أن العديد من المؤسسات النسوية والحقوقية تعمل مع النساء المعنفات اللواتي تتعرضن للعنف والمهددات بالقتل من خلال توجههن لهذه المراكز للاستشارة. ورغم ذلك ما زالت الدراسات في مجال قتل النساء والقتل على خلفية الشرف في المجتمع الفلسطيني قليلة جدا. لقد أشير في المقدمة إلى أن هذه الظاهرة لها علاقة بشرف العائلة، ففي المجتمع العربي "تشكل العائلة وحدة اجتماعية إنتاجية، وتتجلى الوحدة بتوحد الهوية بين أفراد العائلة، فيشتركون معا بإنجازاتها وإخفاقاتها، بانتصارها وفشلها، بأفراحها وأتراحها، بشرفها وعارها...الخ. كل عمل مشرف يقوم به أي فرد من العائلة يصبح شرفا لجميع أفراد العائلة، وكل عمل مشين يقوم به أحدهم، يصبح عملا مشينا للجميع. ومن هنا الفرد في العائلة يكون عضوا أكثر منه فردا مستقلا، وأن العلاقات ضمن العائلة هي، ببساطة علاقات بين أعضاء أو عضوات وأدوار تعرف بالأب، الأم، الزوج...الخ. بموجب هذه العضوية والتوحد في الهوية، يصبح كل فرد في الأسرة مسؤولا ليس عن تصرفاته الشخصية فحسب، بل عن تصرفات الأفراد الآخرين. من هنا، مثلا، ينعكس انحراف البنت في العائلات التقليدية خاصة على العائلة كلها ولا يمس الفتاة وحدها. هنا ترقد جذور جرائم الشرف التي هي محاولة يائسة من قبل العائلة لاستعادة شرفها"(بركات، 1999،ص 175-176). من خلال تحليلنا لتعريف العائلة الوارد أعلاه، يمكن أن نستنتج أن جرائم القتل على خلفية الشرف ناجمة عن سلوكيات المرأة والتي تعتبرها العائلة مشينة لسمعتها فهذه الجريمة هي "قتل نفس بريئة (أنثى) بسبب المفاهيم الاجتماعية، التي تختلف من مجتمع لآخر ومن زمن لآخر، والتي تكرس ارتباط الشرف بالأنثى ونقاء سيرتها من أي علاقة مشتبهة وغير مشروعة بالرجل، الأمر الذي يبرر قتل الأنثى غسلا للعار وحماية للشرف المزعوم." (زغبابة،1998،ص1). يقترح مما سبق أن العادات والتقاليد الموروثة تلعب دورا أساسيا في تعزيز وتكريس هذه الظاهرة. فالتركيز على قيمتي الشرف والاحتشام تكتسب أهمية كبيرة في المجتمع العربي حيث يصبح لجسد المرأة وضعية في النظام القيمي التقليدي عن طريق تقسيم العمل وحصر دور المرأة في العمل المنزلي وإنجاب الأطفال. أهمية هاتين القيمتين تعدان من القيم الأساسية التي تعطي الشرعية للنظام الأبوي في المجتمع العربي الذي يقوم على هيمنة الرجل على المرأة وهيمنة الكبار على الصغار، مما يعني توزيعا هرميا للسلطة على محوري الجنس والسن (التركي وزريق،1995،ص 80). فالمرأة العربية هي دائما كائن بغيره لا بذاته، فهي تعرف من خلال كونها زوجة فلان، أم فلان، أو ابنة فلان...الخ. ويساعد على ذلك آلة الزواج حيث تفقد المرأة شخصيتها وتعيش في حالة دنيا. ومن الجدير بالذكر أن المرأة تعاني من هذه الدونية منذ الولادة حيث تفضيل إنجاب الذكور على الإناث، والتفرقة بين الأخوة ووصايتهم عليها حتى لو كانوا أصغر منها، وتفضيل تعليم الذكور على الإناث أو حرمان الفتاة من التعليم. أما ما يتعلق بالعمل، فالرجل يتسامح أو يتشدد مع عمل المرأة، حسب ما تتطلبه مصلحته الاقتصادية في كل حالة على حدة، فهو يتسامح مع خروج المرأة للعمل في الأرياف ولا يعتبر هذا منافيا للشرف لأن خروج المرأة نابع عن ضرورة اقتصادية. بينما يكون أكثر تشددا في المدينة، حيث أنه إذا أصبح خروج المرأة للعمل في المدينة ضرورة اقتصادية تسامح الرجل، مع ذلك، وإن أصر على الحجاب كشرط من شروط الشرف، ويبقى له وحده حق التصرف بدخلها باعتبار أنها ملك له، وأن لم تعمل المرأة يظل نشاطها محصورا في نطاق تلبية حاجات البطن (أي حصرها بالدور الإنجابي) وتبقى عبدة المنزل (أنظر/ي سعيد، 1991،ص71 والزيات، 1993،ص166). نستنتج مما سبق أن مفهوم الشرف يرتبط فقط بالحفاظ على الأعضاء الجنسية (غشاء البكارة) الذي ارتبط فقط بالمرأة. بينما شرف الرجال لا يتعلق بسلوكهم وإنما يتعلق بسلوك زوجاتهم أو بناتهم أو أمهاتهم. فالرجل الفاسق شريف إذا كانت زوجته لا تخونه مع رجل آخر، والرجل المنافق شريف طالما ابنته تحافظ على عذريتها قبل الزواج، فشرف الرجل يتعلق بسلوك زوجته في البيت ولا يتعلق بسلوك هذا الرجل أو قدرته على العمل والصدق، وهذا مفهوم مضحك للشرف حيث يهبط بمستوى الشرف إلى منطقة سفلية في جسم المرأة لا تزيد عن غشاء البكارة (السعداوي1977،ص33 ) مقابل تغييب المعاني الأخرى السامية للشرف. ويتحدد معنى الشرف في المجتمع مع مصلحته، التي تتغير بتغير ميزان القوى فيه، فالقوى الغالبة أو الطبقة الأقوى هي التي تحدد معنى مصلحة المجتمع. ولأن الرجل كان في مختلف عصور التاريخ ولا يزال الأقوى اقتصاديا من المرأة فقد فرض على المرأة معنى شرف يناسبه ويحقق مصلحته، فأصبح معنى الشرف فيما يتعلق بالمرأة يكاد يكون مقصورا على العفة الجنسية (الزيات، 1993،ص 166). ونتيجة لذلك برزت التناقضات التي تكتنف كيان المرأة من حيث الازدواجية في التعامل مع جسدها، فهي نجس والعلاقة الجسدية خارج مؤسسة الزواج خطيئة مميتة أو من الكبائر التي تستحق عليها الرجم. وجسم المرأة وما يطرأ عليه من عوارض نجس، ومع ذلك فإن هذا الجسد نفسه يتمتع بأهمية لا مثيل لها. كما يحاط بهالات وطقوس والمساس به مساس بقدسية الأسرة أو القبيلة وهو انتهاك (للشرف) عقوبته القتل غسلا للعار في حمى القوانين أو تساهلها (سعيد، 1991،ص 74). يقترح التحليل السابق أن ما يسمى بجريمة القتل على خلفية الشرف ينبع من السلطة الذكرية في المجتمع والإبقاء على هذه السلطة من خلال ضبط سلوكيات المرأة. فالتساؤل المهم على خلفية هذا الموضوع هو "هل بقيت الوظيفة الاجتماعية التي تؤديها هذه "الجريمة" غسل عار الأسرة" في مجتمع متغير؟ فجرائم الشرف ضد المرأة ليست مسألة حديثة، لكن في أغلب الحالات كانت تبقى طي الكتمان داخل العائلة الواحدة. فالأدبيات المتوفرة التي تعالج هذه المسألة قليلة جدا كما أنها تتطرق للموضوع بشكل عام. ويعود ذلك إلى حساسية الموضوع في المجتمع العربي وذلك بسبب كون هذه الظاهرة نتاج موروث ثقافي ذكوري يفرض على المرأة الانصياع لمنظومة من الممارسات الاجتماعية التي يفرضها الرجل على أقاربه من النساء. وأيضا لعدم توفر العوامل المساعدة لدراسة هذا الموضوع، فالإحصاءات المتوفرة لا تشير بشكل مباشر لسبب القتل وتعطي أسبابا أخرى، أو من الممكن أن تسجل هذه الجرائم في ملفات الشرطة تحت انتحار أو تحت أمور عائلية أو لأسباب أخرى غير منطقية (مركز المرأة للإرشاد القانوني والاجتماعي،2001،ص32). فالقتل على خلفية الشرف هو أحد أشكال العنف المبني على أساس الجنس ضد المرأة (مركز المرأة للإرشاد القانوني والاجتماعي،2001،ص30). فالقتل على خلفية الشرف هو جريمة يرتكبها رجل بحق امرأة تربطه بها قرابة من الدرجة الأولى كما ذكر سابقا، ويكون الدفاع عن الشرف، الدافع لارتكاب الجريمة سواء كانت قتلا أو إيذاء. أما السلوك الذي يعتبر ماسا بالشرف فهو السلوك الذي ينطوي على اتصال جنسي غير مشروع يجلب العار على العائلة وفقا للتقاليد والعادات السائدة في المجتمع (خضر، 1999،ص 8 و زغبابة، 1998،ص 1). فمن خلال دراسة أجريت في الأردن (13/12/1998) لمعرفة دوافع العنف ضد المرأة احتل القتل على خلفية الشرف المرتبة الأولى من الدوافع. بلغت النسبة 55% من نسبة جرائم العنف الموجه ضد المرأة. أما فيما يتعلق بصلة الجاني بالضحية فقد احتل الأخ نسبة 75% أي المرتبة الأولى من الجناة، أما فيما يتعلق بخصائص الجناة فقد وجد أن معظمهم من الشباب ويتمتعون بمستوى تعليمي متدن ومن أصحاب الدخل المتدني (زغابنة،1998،ص1). ومن الملاحظ أن مفهوم القتل على خلفية الشرف في المجتمع العربي وفلسطين كجزء من هذا المجتمع متشابه في تفسيراته المتعلقة بالمرأة. إلا أن هذا المفهوم تغير في معانيه وبالتفسيرات التي تعطى له فيما يتعلق بسلوك المرأة وتصرفها في مجالي العلم والعمل، وتأثره بالفترات التاريخية والاقتصادية التي مر بها المجتمع. بالإضافة إلى ارتباطه وتأثره بتراث كبير من العادات والتقاليد والأعراف والأيديولوجيات التي تكبل سلوك المرأة وتجعلها أسيرة هذا الموروث الثقافي التقليدي.
|