|
خالد مجر
|
|
2006-06-02 |
خاص: نساء سوريةلا أعتقد أن أحداً لا يعرف قصة بائعة الكبريت، إن لم يكن قراءةً فمشاهدة. إذ حظيت هذه القصة، التي تعد من الأدب الإنساني، بحضور على الشاشات العالمية، إن لم يكن بشكلها المعروف، فاقتباساً منها. تختصر القصة نوعاً من الشقاء الإنساني الذي يحدث معنا أو سمعنا عنه. وتقدمه لنا في صورته الأكثر حدة. قبل أيام قليلة اعتقدت أنني شاهدت ما يشبه "بائعة الكبريت" عند إحدى إشارات المرور في مدينة دمشق. إذ تبدت لي حكاية "بائعة الكبريت" من حيث الشكل على أقل تقدير. كانت الفتاة التي رأيتها لا يتجاوز عمرها السنوات العشر في أحسن الأحوال. مشعثة الشعر، يقرصها البرد ولا يسترها إلا ثياب قليلة. تنتقل من سيارة إلى أخرى تطلب مالاً! الصورة المسائية دفعت إلى مخيلتي عدداً كبيراً من الصور. أبسطها قضية التسول بحد ذاتها، وللأطفال تحديداً. ثم مسألة عمالة الأطفال ودور الدولة في هذا المجال. خاصة أن أحدنا قادر على تعداد جهات وفعاليات عديدة تقام للطفل سنوياً في سورية. كل ما تقدم لم يكن، رغم أهميته، يوازي المنحى الإنساني في هذه الحكايات تخيلت هذه الفتاة بعد بضعة سنوات. وهذا خيال لا بد أن أياً منا سيتوارد إليه كلما شاهد حالة مماثلة. إذ سننتقل مع هذه الفتاة من موضوع التسول إلى مكافحة الجريمة أو ممارسة الدعارة أو النصب والاحتيال.. إلى آخر هذه القائمة. لأن البذرة قد زرعت. وهي تنمو الآن بانتظار القطاف! وهذه هي النتيجة في "أفضل" صورها. إذ إنني لا أميل شخصياً إلى حدوث المعجزات. خاصة مع حالات كهذه. بل أكاد أرى المعجزات لا تحدث إلا مع أناس لا يحتاجونها لتكتمل صورة المهزلة! دور الدولة الذي أشرت إليه لا بد من وجوده. ولا بد من ملاحقة من دفع تلك الفتاة وأمثالها إلى العمل في برودة الليالي أو حرارتها. ومكافحة الفقر، وهو السبب غالباً وراء هذه الحالات، إن لم تكن عصابات متخصصة. ثم، أين دور المنظمات الشعبية التي تبذل جهوداً كبيرة، لكن ضمن إطار محدد لم تعرف كيف تخرج منه منذ تأسيسها حتى الآن؟! وكذلك دور الجمعيات الخيرية التي تعتني بحالات كهذه ومن خلفها وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل! أعترف أنني بحثت طوال حياتي عن مجتمع تسوده العدالة. وإن صورة هذا المجتمع تزداد بعداً عنى كلما كبرت. لذا أجدني مضطراً للحديث عن حلول جزئية بانتظار الفردوس الذي أخشى أنه لن يأتي أبداً. شخصياً، لا أستطيع أن أقدم لهذه الفتاة الصغيرة وأمثالها أكثر من هذه الكلمات، علها تصل إلى من يعنيه الأمر ويتخذ قرارات تحدث فارقاً. فهذا هو المهم في موضوعات تتجاوز الفرد إلى عمل المؤسسات من خلفها الدولة. هذا دون الحديث عن عمالة الأطفال بأنواعها التي تحتاج هي الأخرى إلى جهد كبير لوضع حد لها. مع أننا نلمس يومياً ازديادها لا تراجعها. علماً أن القوانين تعاقب من يلجأ إلى تشغيل الأطفال تحت سن محددة. لكن المهم هو التطبيق. فوجود القانون وحده لا يكفي. بل تطبيقه وطريقة تطبيقه أيضاً. كتب غابرييل غارسيا ماركيز قصته الشهيرة "قصة موت سنتياغو نصار" معتمداً على لامبالاة الناس. إذ كانت تكفي لإنقاذه كلمة واحدة ممن حضر التهديد بقتله تخبره بما سيحدث له إن دخل ساحة القرية. لكن أحداً لم يفعل! فلم يجد قتلته بداً من قتله! علماً أن التهديد الذي أطلقوه كان رسالة استغاثة للجميع ليردعوهم عن القتل. لكن اللامبالاة أشركت الجميع في المأساة! كذلك كان الحال في "بائعة الكبريت" التي لم تكن تحتاج، قبل دخولها إلى مأساتها، إلا إلى أحد ينظر إليها بعين أخرى. ولو حدث ذلك لما كانت بائعة الكبريت هي الحكاية التي نتداولها اليوم. قد يذرف أحدنا دموعه على حكاية من هذا النوع. لكن تبقى الحكاية حكاية. وهذا ما يعزينا. لكن ماذا لو قرأنا بعد أيام، أو سنوات عن متسولة تحولت إلى "عضو فاسد" في المجتمع. ثم أوقع بها "العقاب". واسترحنا جميعاً من "شرورها"؟! هل ننام مطمئنين أن "أمننا" صار أكبر؟! أم يتذكر أحدنا أنه شاهدها، هي تحديداً، أو شاهد مثلها في يوم سابق، ولم يفعل شيئاً سوى الاستهجان أو كتابة بضع كلمات؟! أي وسادة ستحمل، حينئذ، مثل هذا الوزر؟! وأي سرير سيحمل مثل هذا الجسد؟! 15/12/2004
|