|
سلوى عباس
|
|
2006-06-02 |
خاص: نساء سوريةلكل منا آماله العظام، وأحلامه الكبار، سواء مع تفتح أزهار الربيع، أو مع ذبول الأوراق الخريفية، وأنا كانت أحلامي كشيء يشبه الأسطورة تغوص في الحلم البعيد والمطلق، ولم يكن للحب أي وجود في قاموسي، إذ ليس هو إلا وهم رسمناه في مخيلتنا، وزخرفناه بجميل أمانينا دون أن نبحث عن أسباب واقعية لتحقيقه.. كان هذا حالي أنا إلى أن أشرقت شمسه في ليل حياتي، فقلبت مفاهيمي رأسا على عقب، وأنارت سراديب عمري، ومسحت عن روحي ما تراكم عليها من صدأ الزمن وغباره ورفعت مرساتي باتجاه شاطئ قلبه لأنعم بالحب الذي أخرجني من بؤسي التاريخي، وفتح عيوني على حياة مشرقة بأزاهير الأمل والفرح.. هذا الحب عشته حقيقة مطلقة حرر نفسي من رواسبها، وفجر مكنونات ذاتي في التجرد من ضباب عمري والبعد عن محطة يأسي، دون أن أعلم كم مضى من الوقت وأنا أفتش عنه وأحلم بلقائه.. وكبر هذا الحب وتملك كياني حتى أصبح الإكسير الذي يغذي روحي، ويجعلني أحلق في سماء الأحلام الوردية.. حينه لم يكن لهذا الحب من غاية عندي إلاه، فكان الأمل والمرتجى، ولم أختره لأني بحاجة إلى رجل، بل لحاجتي لروح تسبغ علي قداستها وتحييني من مواتي فعشقته وأحببته حتى الموت، وأصبح وجهه منارتي في ليالي الحالكة البعيدة.. (يبدو أنه صحيح ما يقولونه عن الحب أنه أعمى) خاصة وأني كنت قد عرفته فنانا ملتزما بمبادئ ومثل قل نظيرها في زمننا هذا لفترة لا بأس بها، وباعتباري لا أستطيع أن أفصل مابين الإنسان وإبداعه فقد تعاملت معه من منطلق هذه المبادئ والقيم، لكن المفاجأة كانت أن أفيق من هذا الحلم على كابوس قاتل عندما أبلغني قراره بالسفر إلى دولة من دول الخليج وأن فرصة جيدة تحقق له دخلا ماديا ممتازا يخلصه من أعباء الديون التي تثقل كاهله، هذا القرار أعلنه وهو يقارب الخمسين من عمره، وكان أن سافر وهو حزين حسب زعمه على بعده عني، وأخذ يمطرني بالرسائل التي يعبر لي فيها عن حاجته لي هناك، في غربته وأنه لا يوجد شيء يمكن أن يعوضه بعدي عنه.. وأنا طبعا صدقت الأمر لأني كنت صادقة مع نفسي جدا وأراه يعيش الحالة كما أعيشها.. واستمر الحال على هذا المنوال لمدة أشهر خمس عندما أخذ رصيده المادي يكبر ويزيد، بدأت أحواله تتغير معي، وأصبح إنسانا مختلفا عن الذي عرفته قبل عشرات السنين.. وليت الأمر انتهى هنا بل أخذ يؤذيني سواء في عملي، أو بين الناس الذين يعرفوني، وكم كانت خيبتي به كبيرة.. اعذروني قرائي الأعزاء على موضوع أثقلت به عليكم، لكني لم أورده لكم عن عبث، أو لمجرد أن أحدثكم عن أمر لستم معنيون فيه، بل لي غاية من هذا الطرح لأصل إلى بيت القصيد، أو زبدة الكلام، إذ أن هذا الشخص انقلب رأسا على عقب، وكأنه لم يكن في يوم من الأيام ضد السفر إلى أي دولة نفطية لأنه (ومنكم السماح أعزائي) لا يتخلى عن موقفه من الحرب الخليجية مقابل حفنة من الدراهم التي لا تساوي من وجهة نظره، حينها، مهما كثرت، أن يمس شيئاً من مبادئه التي أفنى عمره في المحافظة عليها! ولكن يبدو أن مغريات الحياة تجعل الإنسان، حسب تحوله الأخير، يتنازل ليس عن مبادئه فقط، بل وعن إنسانيته مقابل أن يمتلك سيارة تعوض له عقد النقص والحرمان التي عاشها في فترة المبادئ والقيم التي كان يقتات عليها! لأنه حينها "لم يكن بالإمكان أفضل مما كان"! وعلى الإنسان أن يتعلم من تجاربه ويعرف من أين تؤكل الكتف.. وهو لم تكن ينقصه الأسلوب! فقد أبدى إتقانا مطلقا للتزلف والكذب الذي فطر عليه! والمؤسف أكثر أنه غير أسلوبه بالفن ولم يعد يقدم إلا ما يرضي الجهة التي هي ولية نعمته، وهنا المفارقة المضحكة والمؤلمة: أن يتحول الإنسان إلى دمية تحركها الفلوس.. ولا أخفيكم أني لا أزال حتى الآن أسيرة سؤال يلح عليّ ولا أجد له جواباً: كيف للإنسان أن يتحول بهذه الطريقة، ويتخلى عن ذاته بهذه البشاعة؟! وكيف يمكنه أن يواجه نفسه بحقيقة ما هو عليه من رياء وكذب؟! وما الذي يجعل إنسانا يعيش الآن بقناعات يغيرها في اليوم التالي؟! وكم هناك من أمثلة عن أشخاص حاربوا الدنيا من أجل أن يفوزوا بفتاة يرون فيها زهرة أحلامهم، وعندما يحققون وجودهم معها تنتهي قيمتها عندهم، ويصبح أمر التخلي عنها سهلا عليهم، ويبدؤون بممارسة أنانيتهم عليها؟! برأيي أن الأمور متكاملة.. فمن يتحول عن مبدأ، بالتأكيد هو لا يحمل أي مبدأ.. وانطلاقا مما أوردت لكم: ما الذي يجعلنا نعيش هذه الحالة من التناقض مع أنفسنا ومع أصدقائنا ومجتمعنا؟! هل شروخنا الروحية وصلت لحالة من التفسخ لم يعد يجدي معها أي قيمة أو مبدأ؟! أم أن مبادئنا ليست سوى أقنعة نتقنع بها حسب المواقف التي نرى أنفسنا أسرى لها؟!.. أسئلة مشرعة لإجابات تجر وراءها الكثير من الخيبات والمرارات! ومن لديه إجابة مغايرة فليتحفنا بها.. ودمتم بنفوس أبية على الممالأة والكذب.. 10/6/2005
|