|
سلوى عباس
|
|
2006-06-02 |
خاص: نساء سوريةكثيرا ما نتحدث عن حقوق الإنسان وحريته، وضرورة المحافظة على كرامته مصانة من أي أذى ممكن أن يلحق بها، ولكن السؤال الذي يفرض نفسه علينا هنا: كيف يفهم الإنسان هذه الحقوق، وكيف يعمل من أجل تحقيقها، وهل هو مدرك لإنسانيته ووجوده حقا..؟؟ أعتقد أن في الأمر بعض الالتباس، فإذا نظرنا للأحياء الشعبية التي يشكل السكان القاطنين بها شريحة كبيرة من المجتمع، والتي كما نعرف أن كلمة شعبي توحي بالبساطة والطيبة، نرى أن غالبية هؤلاء الناس يعيشون على هامش الحياة دون إدراك منهم لأدنى مقومات العيش، سواء بطريقة سكنهم غير الصحية، أو بالطرقات المليئة بالأوساخ والوباء، والمفارقة المضحكة أنه لا يخلو بيت من هذه البيوت تقريبا من كماليات الحياة التقنية بدءا من الغسالة الأوتوماتيك، والكمبيوتر الذي يشكل وسيلة ممتازة للأطفال من أجل اللعب دون الاستفادة منه أية فائدة، وصولا إلى أجهزة الخليوي، والمحطات الفضائية التي لا تساهم أدنى مساهمة في تنمية وعيهم إذ تقتصر مشاهدتهم لها على الأغنيات الهابطة وأفلام العنف التي تعمل على تسطيح الفكر وتهميشه، وعدم توظيف هذه المحطات لفائدة ترتجى، وبنفس الوقت نراهم يتعاملون بطريقة لا تنم عن شيء من الوعي الإنساني.. والمضحك أكثر أنهم ينظرون للآخرين نظرة ازدراء وكأن الحياة وجدت لهم فقط! وبالتالي فان مسألة وجود الآخر والمعايشة الحياتية، غير موجودة في قاموسهم! ويعيشون بفوضى غير آبهين لشيء أكثر من أكلهم وشربهم، وكفى الله المؤمنين شر القتال! وبسبب عدم انشغالهم بشيء مهم فان أي إنسان يمر أمامهم هو محط تعليقاتهم، وسخريتهم يتناولونه بالثرثرة والتقولات الفارغة.... طبعا هؤلاء الناس، إذا قارنا حياتهم بما يعيشون من سلبيات وتهميش لأنفسهم، نراهم لا يختلفون في سلوكهم عن الشريحة الأخرى التي تعتبر نفسها أنها تعيش الحياة بحقيقتها! لكنها للأسف تفتقد أيضا لأسلوب التعامل الصحيح مع هذه الحياة حتى من قبل الذين ينتقدون ويتأففون من الظواهر السلبية في المجتمع، ونراهم يقدمون على سلوكيات لاتنم عن أي وعي.. هذا عدا عن حالة البناء العشوائي التي تفتقد للتأسيس المنظم والمدروس. وما يؤسف له أن مسألة تنظيم حالة البناء هذه تخضع لاعتبارات مزاج القائمين على بلديات هذه المناطق أولا، ومؤشر البورصة لديهم ثانيا، وأسلوب الشكوى التي تأتيهم ثالثا! إذ يعمدون أحيانا لقمع هذه المخالفات فيمنعون سكان هذه المناطق من البناء، ويقومون ببعض التهديم الخفيف فتبدو الحالة وكأنك يا أبو زيد ما غزيت.. أما ما نراه في وسائل النقل "السرافيس" التي وجدت أساسا من أجل حل أزمة السير، فهذا لوحده يشكل أزمة، حيث أن تصميمها يضطر المواطن للانحناء ليستطيع الصعود إليها، وهنا الامتهان الأول لإنسانيته! يتلوها امتهانات أخرى كثيرة كحشو هذه "السرافيس" بأكثر مما تستوعب من المواطنين. إذ يجلس المواطن القرفصاء حيث لا يرى السائق في الراكب أكثر من الخمس ليرات التي سيأخذها منه، والتي من أجلها يخالف تعليمات المرور حتى لا يخسرها! بينما نراه بالمقابل، لا يُنزل أي راكب إلا كما يرى أنه مناسب له هو.. إما ناسيا، أو متناسيا أن المصلحة مشتركة بينه وبين هذا المواطن..! علما أن هذه الظاهرة لفتت نظر مؤسسة النقل الداخلي التي عمدت لضرب عصفورين بحجر واحد إذ عملت على نفخ الروح بباصاتها التي توقفت فترة من الزمن، وبالتالي حافظت على المواطن منتصب القامة، مرفوع الهامة، بعيدا عن ضرورة الانحناء لشيء، حتى لو ضم هذا الباص لأكثر مما يستوعب بكثير.. هذا عدا عن الأغنيات الهابطة التي تصدح من آلات تسجيل وسائل النقل هذه والتي يعتبرونها حالة من حالات العودة للتراث، هذه العودة التي شوهت التراث، وفرغته من جوهره، لأن هذه الأغنيات بالأسلوب الذي تؤدى فيه تفتقد لأدنى مقومات الفن.. فهؤلاء الناس الذين يعيشون يومهم من منطلق القدرية، والاكتفاء بما يهبه لهم خالقهم من مقومات أولى للحياة، دون أن يجهدوا أنفسهم لتطويرها، بل يعتبرونها نعمة وفضلا يشكرونه عليها ليل نهار، غير مدركين أن للحياة وجه آخر هم بعيدون عنه..! هذه الشريحة من الناس كيف يمكن لنا أن نحدثها عن حقوق الإنسان والإنسانية؟! وبأي خطاب نتوجه إليهم إذا كانوا لا يفكرون بالحياة بأكثر مما هو موجود أمامهم دون أي جهد منهم لتطوير وجودهم وتحسينه؟!.. ربما هناك من يرى بكلامي بعض المبالغة، ولكن ما قدمته هو جزء يسير من حالات كثيرة تستوجب التوقف عندها والحديث عنها، وإيجاد الحلول لها.. ولنا بالغد خير أمل.. 3/6/2005
|