|
ردينة حيدر
|
|
2006-06-02 |
خاص: نساء سورية في ذلك اليوم الذي أفرغ فيه والدك الغرفة الصغيرة من البقرة، وأجرى عليها بعض التعديلات لتصبح غرفتك الخاصة لتأخذين فيها البكالوريا بعلامات الطب أو الهندسة - كما أراد-. وكان واثقاً أنك سترفعين رأسه المشوه عالياً هو الذي اعتمد عليك منذ أن كان عمرك ست سنوات في تأمين المواد الغذائية وحمل جرار الغاز إلى البيت وحماية إخوتك في الأيام الطويلة التي كان يغيب فيها في عمله بوظيفة مساعد أول في الجيش. عرف حينها أن ذكاءك كان يتوقد وأنك لم تكون فتاةً عادية. فبدأ يرسم مشاريعه القادمة على شرائط جدائلك وفوق مريولك الأزرق، ويتدرب على ترويضك وإخضاعك. هو الذي حرص على ارتداء الذي العسكري في البيت حتى موعد حلول النوم، ذارعاً الرعب في كل مكان، متظاهراً أمام الناس بالطيبة والرقة. كان أبي حينها يرمي سنوات حياته التي درس فيها الفلسفة وعلم النفس مغيراً اتجاهه إلى الدين ليسير على طريق أجداده. وكنت أنا حينها متمردة كنمرة مجروحة - اكتشفت فجأة أنها خدعت طويلاً من الجميع (الأهل، المجتمع، أساتذة المدرسة، قوانين الأحوال الشخصية، المؤسسات العامة والخاصة). وكنت مستعدة للانقضاض على كل من يحاول العبث معي مجدداً. وبدأت أعي كل شيء. يومها، لأول مرة راح أبي- الذي ذرع الرعب في قلبي طوال عشرين عاماً- يجهش كطفل صغير أمامي لإيقاف ذلك الانفجار الذي أصبح قريبا.ً لكنه بدا عاجزاً تماماً فانطوى في فراشه تاركاً إياه يتدفق غامراُ الحقل والبيدر والجبل، مغادراً إلى غير رجعة. فيما تابع أبوك ضربك وإهانتك وتعذيبك بامتهان بعد أن منعك من الاتصال بي نهائياً. أربع سنوات مرت دون أن ألمحك أوأعرف شيئاً عنك! واليوم أعرف، دون تردد، سبب ذلك الذهول في وجهك، ذلك الشرود..! كأنك في زمن ومكان آخرين والوصول إليك محال! على الرغم من أنك تحاولين جاهدة التواصل فتتحدثين وتهمسين وتضحكين كعرافة! لكن من دون جدوى! فتعودين إلى دوامة العنف.. تغيبين خلف حلم الهدوء والسلام... تماماً كما كنا نفعل في ذلك الزمان حين نفترش سطح البيت، وننظر نحو السماء محتجين على عالمنا الأسود! بينما تبدو النجوم والعوالم الأخرى مضيئة ودافئة.. أما أنا، فقد كانت الظروف القاسية فيما بعد كفيلة بترويضي إلى الحد الذي حاولت فيه أن أفرغ عنفي في حجةٍ جميلةٍ أسميتها "الرقص"! ثم، وعندما فشلت في ذلك، هربت مرة أخرى إلى حجةٍ أخرى هي "الكتابة"! بينما يتابع هذا البلد، بهدوء الموت، لفظ أمساخه المشوهة إلى ما يشبه الحياة.. 12/2005
|