|
ردينة حيدر
|
|
2006-06-02 |
خاص: نساء سورية كانت تشبه الجبل العالي والتلال الساحرة العذراء.. كانت تشبه صخر الشاطئ وعيون الماء، عرفتها عندما كانت تطلق جدائلها للريح وعينيها للبحر وجسدها للحياة، متمردة على كل شيء، قائدة سفينتها كما تشتهي هي والريح معاً.. وكأن الحياة أرادت أن تخلق فيها ندة قوية لها، جزيرة في وجه كل التيارات والعواصف. عرفتها وقد فاجأتني بسنبلة شعرها التي قال أستاذ الرياضيات يوماً عنها بصوته العريض المضحك "مستعد لحل مئة مسألة رياضيات معقدة ولست مستعداً لعمل سنبلة كهذه!!" وقد أفرحها حينها أن تكون أمها موهوبة إلى هذا الحد في صنع سنابل الشعر(لا سنابل القمح!)... عرفتها وقد فاجأتني بسنبلة شعرها الذهبية المتقنة والمعقدة الصنع كحياتها تماماً. ففي كل منعطف منها مفاجأة قاسية.. وخيوط متشابكة بلا نهاية. وكان خطانا الخفيان قد التقيا منذ زمن بعيد، حتى من قبل أن نلتقي في مدرسة "الحرس القومي" الخاصة، حين أسرها موضوع التعبير الذي قدمته في ذلك اليوم، فسارعت بعدها إلى التعرف إلي كمن عثر على كنز! أما أنا فقد صدمت يومها! فلأول مرة يهتم بي أحد إلى هذا الحد ويعتبرني شيئاً مهماً!! إذا لطالما نادتني أمي (عبود)! وهو اسم الثور الذي كان جدي يربيه ويفلح عليه. ثم رحنا نفبرك الأمور معاً، نهرب من حصة العلوم لأستاذنا الوسيم والمراهق الذي كان يشبه هاني شاكر، ونهرب إلى سطح المدرسة لتتلو لي بعض أشعار نزار قباني وبعض كتابات غادة السمان وأنسي الحاج وأدونيس... كما كنا نجد ضالتنا في البحر القريب، فنستقل أسرع تكسي مقررين الفرار من حصص معقدة وطويلة الأمد ومملة.. ممتلئة بالحب والسحر والغضب راحت تحدثني عن روعة الحب.. وعن المجتمع المتخلف الذي يستنفذ جل طاقاته في محاربة هذا "الشيء" الرائع.. وعن الممارسات القمعية التي كان أخوها الذي يكبرها بسنة يمارسها عليها بشكل يومي كحقل تجارب لذكورته التي يحتفي بها الجميع!! وعن نضالها للوقوف في وجهه كند وخصم لا يستهان به.. بأسلوب ناقد بارع كانت تصور الأحداث مستخدمة أمواج البحر كخلفية موسيقية آسرة، أو أن البحر كان يغضب لغضبها منسجمين ثلاثتنا في وحدة أبدية للموج والسماء والغيم وذواتنا المتأججة.. كانت بمثابة قائدة أوركسترا بارعة... لكنها، ومن دون أن تدري، كانت تقود حياتها عبر أرض من البراكين الملتهبة... عبر الخوف والموت!! أحبت وخاب أملها مرات ومرات، لكنها عندما التقته لأول مرة، وكانت تركض في الجبال مثل جنية (بشعر منكوش، وثياب رثة)، أدركت في داخلها أن تاريخها قد بدأ يُكتب بالحب والدم معاً!! كان نصفها الذي هامت طويلاً خلفه والذي سقط من مكان خفي أمامها دون سابق إنذار، كان عندها قادماً من (الشام) في زيارة لأهله الذين سيأكلون فيما بعد لحمه ميتاً! تزوجا سريعاً وغادرا ليستقرا في دمشق. مرت بعدها أوقات عصيبة...!! وتلك البراكين التي جبلتها بروحها وغضبها راحت تنفجر واحداً بعد الآخر، محدثة الشروخ والصدوع في كل مكان..في غفلة منهما.. كان السرطان يتسلى في أحشائه! و كان يلاعب أطفاله! وكانت تغسل في بهو الدار وتلاعب قدرها الملون!.. بينما ضحكته الساحرة الطويــــــــــــــــــــــلة راحت تغص في حشرجة لا نهائية.. وتغيب خلف الشمس.. وترسم شاهدة.. مرت سنين طويلة على غيابه... وكلبوة مجروحة خاضت حروباً كثيرة بعدها لتتمكن من جمع شمل أسرتها الصغيرة في بيت مستقل تملكه. وحروب استنزاف أخرى للحصول على حق الوصاية على أولادها. والآن.. هاهي تعمل في عيادة طبيب.. وتقرأ... وتوزع نفسها على أطفالها ليل نهار.. تصنع لهم من مرارها حلواهم المفضلة.. وتضحك من صخور قلبها مبدّدة صمت الشاهدة.... ومن عينها يطل، في أجمل إطلالة له، مواصلاً الحياة عبر جسورها العصية....!! 20/8/2005
|