|
ليلى أورفه لي
|
|
2006-05-08 |
|
صفحة 1 من 2
خاص: "نساء سورية"
في رواية "نبوّة في صحراء" تمتزج لدى الروائي "لطفي حداد" السيرة الذاتية مع التوثيق التأريخي للمكان، حيث يختار "دير مار موسى الحبشي" مسرحاً لأحداث الرواية ويريد من خلال الحدث إلقاء الضوءعلى الدير لإبراز مكانته التاريخية والأثرية، كما يريد عرض حكاية الحب التي كانت وراء إحياء هذا التراث الأثري الذي كان مهملاً وإعادة الروح إليه، فنجده يصف المكان في الفصل الأول على لسان الراوي: " بزوغ الشمس في صحراء النبك شاهد متجدد على روعة الطبيعة وسخاء السماء، السماء هناك بيت للقداسة وحيث تمتزج الأرض بالسماء في الآفاق الممتدة، يولد حب جديد، ويتجدد حب قديم، ويبتسم الله في قلوب المنسيين " ص 8-9. إن البطل الأساسي في هذه الرواية هو المكان، ولولا وجود "دير مار موسى الحبشي" لما نتجت هذه الرواية، فالدير بموقعه في قلب صحراء النبك حيث "حين تتمطى الحياة في فراشها وتهم بالقيام، تمتزج أصوات الديكة بصمت الصخور.. وتتماوج ألوان النور القادم من الشرق، بألوان الربيع المبعثر في الجبال الممتدة في كل الجهات... الحقيقة هي في الخلف.. في عشرين كيلومتراً إلى الغرب.. في المدينة التي تعيش الواقع... واقع أبناء البشر... والخيال هو في الأمام.. في مئات الكيلومترات إلى الشرق... في الصحراء التي تعيش الأحلامَ.. أحلام القديسين... ومن يوغل في الصحراء.. في زمن الملموس والمحسوس؟! من ينتقل من واقعية المدينة إلى خيالية الصحراء؟ من ازدهار الواقع إلى جفاف الحلم.. من لذة التذوق إلى زهد الحرمان.. من وفرة الحياة إلى ضيق الموت..." ص 9-10. في هذا المكان تتفاعل الشخصيات مع بعضها كما تتفاعل مع المكان فهو وعلى لسان الراوي أيضاً يحدثنا عن الراهب " رأفت " الذي يتقاسم دور البطولة مع المكان حيث الصحراء والجبال المحيطة بها والدير الذي يقع وسط هذه الصحراء هما اللذان جذبا هذا الراهب الذي يستيقظ قبل الجميع "يركع على ركبتيه، يرفع يديه ويصلّي يقدّم اليوم لله، ويشكره مسبقاً على كل النِعَم التي سيقدمها له، نِعَم الفرح والألم والتعب والقلق والسلام، ثم ينتصب واقفاً يضع عليه لباسه من الكتّان الخشن الخاكي اللون، وحذاءً قاسياً "صندلاً " أهداه إليه أحد الرعاة يساعد على تسلق الجبال " ص 11، ثم يسترسل الراوي في وصف أعمال "رأفت" اليومية في الدير الذي كان ساعة وصوله إليه مجرد بناء متهدم.. لكن الحياة فيه شيء آخر.." هنا كل خليقة حية أو جامدة لها اتصال خفيّ ببعضها البعض، شيء لا يفهمه إلا من يرى "رأفت " يعانق الحيوانات واحداً واحداً، ويلمس الصخور والتراب والحجارة كأنه يكلمها " ص 12. وفي الفصل الثاني يغيب صوت الراوي ليروي الكاتب على لسان الراهب " رأفت " بداية قصته مع هذا الدير حيث نجده يحكي لأصدقائه... " وكما تذكر أنت تفاصيل لقائك الأول بمحبوبتك.. كذلك أذكر أنا ليلتي الأولى هنا، في الخامس والعشرين من آب من عام 1982 وصلت إلى كومة الحجارة هذه، كان الدير مخرّباَ ليس له باب.. ليس له سقف، تتراكم في ساحته الحجارة والأخشاب المكسّرة والقمامة التي تركها الرعيان.. هذه الحضارة ترتقي إلى عهد الرومان حين أعدّوها لتكون قلعة حربية.. ثم صارت في عهد المسيحية ديراً للنساك في الصحراء... كانت كومة حجارة، كانت ليلتي الأولى إذن شيئاً من الجنون واللامعنى وشعرت بالخوف حين أقبل المساء، وأرخى الليل سدوله... لكنّي قررت أن أبقى " ص 19. إنها حكاية التحدي التي يشعل أوارها الحب الـذي يمنح الوجود معناه الحقيقي فيقول على لسان " رأفت ": " حين ابتدأ النور يتغلغل في عباءة الليل شعرت بانبساط نفسي.. وانشراح قلبي.. وكان قرار عميق يتشكل في أحشائي.. قرار حب.. قرار حياة.. " ص 20، وهكذا ينطلق رأفت في حياته في هذا الدير مستسلماً لهذا الحب يقود خطواته في الزمن حيث كان كل يوم له فيه يبلور أمامه معنى حياته، " وأصبحت مستعداً أن أقدم كل شيء لأجل أن أعيش حبّ المستحيل، ومستحيلَ الحب... لم أكن أعرف ما ينتظرني.. لم أكن أستطيع التنبؤ بالغد لأني أمام حرية خالصة مقدمة من الله، وعليّ أن أرقص على إيقاع موسيقاها.. كنت أفكر بنداء الحب الغريب في هذا الكون كيف يتطور ببطء وألم... أن أعيش هنا وحدي بين هذي الجبال في ليل الصحراء.. كان التحدي الخارجي الكبير... أما التحدي الداخلي كان الأصعب والأهم " ص24. في الفصل الثالث ينتقل الكاتب الى أسلوب السيرة الذاتية ويصبح هو البطل الثاني بعد الراهب في الحدث من خلال المكان أيضاً، فيحدثنا كيف سمع عن هذا الدير، وعن الراهب رأفت الذي ترك كلّ شيء خلفه ليأتي وحده إلى صحراء النبك لينفخ الروح في هذه الحجارة المتهدمة ويعيد الحياة الى الدير وإلى المنطقة المجاورة له، ثم كيف اتفق مع مجموعة من أصدقائه على قضاء فترة أعياد الميلاد في هذا الدير لاكتشافه وأيضاً لمساندة هذا الراهب.. ويروي لنا كيف استقبل " رأفت " هذه المجموعة من الشبان والشابات وحدثهم عن تاريخه منذ عصر الرومان حيث كان قلعة حربية وبرجاً للمراقبة ثم كيف لجأ اليه " موسى الحبشي " وعاش حياة النسك فيه، ثم حدثهم عن تاريخ بناء الكنيسة ووصف المبنى من الداخل وشرح معنى المنحوتات والرسومات التي تعبر عن الرواية الروحية لعلاقة الإنسان بالله في بعدي التاريخ المقدس ولحظة السر الدائمة.  وإن كان هدف الكاتب من روايته أن يحدثنا عن " دير مار موسى الحبشي" لقيمته الأثرية والتاريخية والروحية، إلاّ أن هدفه الأبعد كان أن يحدثنا عن هذا الراهب " رأفت " وعن معنى وجوده في هذا المكان وعن رسالته في الحياة حيث يترك رأفت يعبر عن هذا المعنى بكل وضوح: " أنا هنا لاستعادة اختبار المعنى المطلق للحياة الروحية في الصلاة والعبادة المجانية، فقد كان هذا الدير عبر العصور شهادة لقيمة الحياة الروحية في هذه المنطقة " ص 41، ثم يستطرد قائلاً: " أيضاً أنا هنا لأنني أشعر بالحاجة الى خلق نوع من حياة بسيطة يتجسد فيها التناغم مع الطبيعة من جهة، والمسؤولية تجاهها وتجاه المجتمع المحيط بها من جهة أخرى، مما يدعو إلى إعادة اكتشاف قيمة العمل اليدوي، مع قيمة الجسد والأشياء في سبيل اظهار جمالية ملؤها التناسق والمجانية " ص 44، ثم يقول: " كذلك أنا هنا من أجل الضيافة، فقد كان لممارسة الضيافة الابراهيمية معنى مقدس لدى الرهبان القدماء، بناء على فضيلة اعتبرت ربّانية في هذه المنطقة عبر العصور فالدير هو مكان لقاء لتعميق وتقدير خصوصيات الهويات الثقافية، لا لنسيانها، فالأفق هنا هو العلاقة الاسلامية المسيحية، فهي لم تكن دائماً سهلة، وما تزال مؤلمة وصعبة في أماكن عديدة من العالم، انني أشعر بتوافق روحي خاص مع باحث كبير في التصوف والعلوم الدينية اسمه " لويس ماسنيون " استبق الزمن وبدأ سبيل الحوار بين المسيحيين والمسلمين أرجو لهذا الأفق أن يمتد الى مدن أخرى وبلاد كثيرة، من أجل سلام أوسع وأصدق، فأنا هنا من أجل السلام " ص 42-43. ثم يضيف الرهب " رأفت " سبباً آخر لوجوده في هذا الدير " أنا هنا من أجل الحياة " ص 43، حيث أن التوازن البيئي في هذه المنطقة قد تدهور منذ القرن التاسع عشر وازداد هذا الاختلال في القرن العشرين.. والآن بعودة هذا الراهب الى الدير أصبحت هذه المنطقة محمية بيئية لتعود إليها انواع الحيوانات التي كانت تعيش فيها، وأيضاً ليعيد زراعة الأشجار التي كانت تنمو فيها فيقلل من خطر التصحر بعد أن قام بحفر الآبار العميقة، ثم يتحدث الراهب عن سبب آخر لوجوده " أنا هنا من أجل الناس " ص 44، حيث يسعى لإقامة الصناعات اليدوية البسيطة التي تساعد أهل المنطقة على الاستقرار فيها وعدم الهجرة منها بسبب التصحّر، فالهجرة تحرم المجتمع المحلي من التعددية الثقافية التقليدية البناءة، يقول " رأفت ": " نحن نسعى لتطوير ثقافة الخصوصية ضمن نطاق التعددية في الإثراء المتبادل، ودينامية التكامل " ص44. في الفصل الرابع يحدثنا الكاتب عن الاحتفال ليلة عيد الميلاد حيث تجمّع جميع الأصدقاء والضيوف في كنيسة الدير " فتخرج التراتيل من حناجر مشتاقة للنور والفرح وتتردد الأصوات والأصداء، سبحوا الله ياكل الشعوب اخدموا الرب بفرح القلب، فتتداخل الأصوات، تمتزج اللغات في لغة واحدة هي لغة القلب، فلا يعود هنا غرباء وغربة، ولا منعزلون وعزلة، بل يكون الفرح صدى كل نفس، تغيب وحشة الشتاء، ويصير المساء دافئاً وحالماً وغارقاً في السماء " ص 50. وبعد انقضاء صلاة ليلة العيد يدخل الكاتب في سيرته الذاتية من جديد ليحدثنا كيف قضى هذه الليلة وحيداً في الكنيسة بعد الاحتفال غارقاً في تأملاته ووحدته التي تسمح له بتفحص أفكاره وتسمح له بالدخول إلى أعماق ذاته ليكتشف نفسه من جديد... وبهذا نجد ما للمكان في الرواية من أهمية في تنامي حركة الشخصيات وتصاعد دورها. ويستمر الكاتب في سيرته الذاتية التي تصبح حياة الراهب رأفت جزءاً مهماً فيها في الفصل الخامس فيتحدث عن الصداقة التي نشأت بينهما ويتحدث عن طباع الراهب وعن المعاناة التي عاشها والصعوبات التي واجهته وهو يحاول إعادة الحياة للمنطقة كلها من خلال اعادة الحياة للدير، ويروي لنا كيف تعاون أهل المنطقة مع الراهب وأيضاً الشبان والشابات الذين يأتون في المخيمات الصيفية ليساعدوا في بناء ما تهدّم، وقرار البعض منهم البقاء في الدير للعمل في بنائه، ويقول الكاتب عن علاقته بالراهب: " وتوثقت عرى صداقتنا وصرنا نتكلم أكثر عمّا يشغل قلبينا.. شعرت بطيبة روحه وجمال نفسه وفي الوقت نفسه بإصراره الشديد على شق خط خاص به.. نظيف ومخلص واضح في زحمة التيارات المتصارعة القذرة أحياناً كثيرة، المبهمة في معظم الأوقات، وغيرالأمينةلجوهرها، أدهشتني محبته الخاصة للمسلمين ورغبته الصادقة للانفتاح عليهم.. " ص 60. ثم يترك الحديث مرة أخرى للراهب رأفت فيتحدث عن المعاناة التي واجهته في حفر الآبار لتأمين المياه هو ومن معه من الأصدقاء الذين آمنوا برسالته " عطش الصحراء للماء وعطش أرواحنا للحب التقيا على حافة بئر، وحيثما يلتقي عطَشان تـولد رغبة لا تنطفئ وحياة لا تخبو.. نحن بحاجة لهذا الماء لنعيش.. لكن الماء الحقيقي الذي يروي عطش قلوبنا ليس هنا.. إنه يستحق جهدنا الأكبر للبحث عنه... حاولنا عدة مرات في الأيام التالية وفي المرة الأخيرة وقعت المضخة داخل البئر وتحطم قسم كبير من القالب المبطن، ومات الحلم الذي عملنا لأجله كل تلك الشهور.. " ص 63. واليوم حين ينظر الراهب رأفت الى المنطقة المشجرة المحيطة بالبئر الجديدة وسط الصحراء القاحلة يروي كيف تعلّم من الفشل التواضع والتصميم " لا يمكن أن أنسى الاحباط الذي عشناه مع البئر الأولى والتعب والصعوبات والخطر أو الجهد المضني مع البئر الثانية، لكن في إحدى ليالي آذار في وسط عاصفة رعدية وأمطار غزيرة وبعد ساعات من الإرهاق واليأس بدأ قليل من الماء ينقذف بشكل متقطع ثم خرج ماء موحل دافئ وأخيراً تدفق ماء عذب صاف مع صرخات الفرح ونشوة النصر منّا ومن العمال والأصدقاء... وارتوى عطش الصحراء للماء.. أما عطش قلوبنا للحب فما يزال يلزمه حفر آبار كثيرة " ص64. وبعد انتصار "رأفت " على قحط الصحراء يتابع مسيرته في رسالته الانسانية ومتابعة الحوار المسيحي الاسلامي فيقول: " كان الأسبوع الأول من حزيران تعزية كبيرة في نفوسنا حين التقينا بمجموعة من المؤمنين المسلمين في سبيل حوار روحي وانساني... كان لقاؤنا ناجحاً وولّد في قلوبنا جميعاً شعوراً جميلاً عن الآخرين وتوثقت أواصر صداقة روحية عميقة، لكن نجاح لقائنا لا يعتبر انتهاء الصراع الطائفي والديني في كل البلدان ونجاح الحوار... " ص 66. ثم نجد الكاتب يؤكد على إخلاص الراهب " رأفت " لرسالته هذه في الحياة وكيف يقرنها بالوعي والوضوح دون الوقوع في ضبابية ورومانسية الأفكار والرغبات حيث يقول رأفت: " نبؤة هذه اللحظة هي الانفتاح ومعارضة تجمعات الانتماءات المختلفة المنغلقة على ذواتها.. وفي الوقت نفسه أن نبقى مخلصين لحقيقة كل تقليد بفرادته وخصوصية الانفتاح دون الذوبان، واللقاء في حضارة المحبة، دون مسح التاريخ والتقليد.. هذه هي نبؤة لحظتنا.." ص 70. |