|
أيام سعد الله ونوس في طرطوس |
|
|
|
بلسم محمد
|
|
2006-05-08 |
خاص: "نساء سورية"
يثير عجبك أن ترى الموتى يتوهجون ضياء وعطاء، حيث الأحياء يترددون… أو ينكفئون. يثير عجبك أن ترى نوافذ "طرطوس القديمة"، تتنفس بكبرياء وثقة وهي تطل عطشى على بحر استفاض في الامتداد والاتساع، قابلْته في السطوة، غازلتْه في الاسترخاء عهوداً، تجاهل الاثنان حسابها في زحمة حوار العظمة حوار الندّ للند الذي ما يزال حاضراً حتى اليوم حضور حياة تتحدى الموت! .jpg) ويثير عجبك أن تتثاءب بتثاقل "طرطوس الحديثة"،الزاخرة بالمفكرين والأدباء الذين جازت أسماء بعضهم آفاقاً بعيدة المدى –بشهادة المعنيين في تلك الأمداء- فتراها تغص بالذين يترددون في التنفس بحيوية، يتلكئون في حث الخطا نحو دفق حيواتهم في جدول لا بد أن يتحول غداة الدفق إلى بحر آخر عذب المنهل. لكن ما يثير إعجابك أنه وفي فترة السبات الاجتماعي والثقافي التي تفرضها الامتحانات العامة، تشجّع – مشكوراً- فريق النادي السينمائي في طرطوس، وألقى "حجره" في بحيرتها الغافية فاستفاقت هذه المدينة العامرة بالمثقفين والمبدعين على دعوة لاحتفالية بالراحل العظيم "سعد الله ونوس"، هذا الاسم القطب الجاذب، العَلم في دنيا الفكر والأدب، وبالرغم من أن حصته كانت محدودة في هذه الاحتفالية التي حملت اسمه، إلا أن فكرة إحياء ذكراه سنوياً، بتظاهرة ثقافية خاصة، كانت بحد ذاتها لفتة مميزة لفريق النادي السينمائي بإمكانياته البادية التواضع. في الانطلاقة،استقبل بهو "طرطوس القديمة" رواده المتابعين للحركة الثقافية "بديكور" تداخل فيه عبق القديم بالعرض الحديث بأبسط المواد وأقل التقنيات توفراً، ومع ذلك فقد كان من الصعب إغفال جهد مصمميه ومنفذيه. امتدت فعاليات الاحتفالية بكثافة على مدى ثلاثة أيام متواصلة بين أصبوحات، أمسيات وسهرات كانت تتزايد خلالها نسبة الحضور من لقاء لآخر، تلك اللقاءات التي تنوعت بين المحاضرات الأفلام السينمائية، المونودراما، وحتى الأطفال كان لهم نصيبهم بفيلم خاص : "باح يا باح". لاشك أن النشاطات التي قدمت على مدى الأيام الثلاثة، كلها جديرة بالتوقف مطولاً عندها، توقّفاً تتباين فيه وجهات النظر بدأً من المحاضرة القيمة للدكتور "علي سليمان" "عن مسرح سعد الله ونوس"، التي قدم فيها طرحاً لبعض الأفكار والأسئلة المتعلقة بالتطورات الفنية في مسرح "سعد الله" خلال مرحلة التسعينات وقراءة في تجربة "ونوس" الإبداعية في البحث عن لغة مسرحية معاصرة قادرة على التعبير عن عصر التحولات على مشارف الألفية الثالثة، فكانت الحصة للراحل الذي غُيّب في اليومين التاليين، إلا من تكرار التأكيد على حضوره في مداخلات المخرج المسرحي "حسن عكلا". توالت بعدها النشاطات, فعرض فيلم "نجوم النهار" للمخرج أسامة محمد، ومونودراما "عزف منفرد" للمؤلف والمخرج "ياسر دريباتي" ثم فيلم للأطفال، تلته محاضرة الرواية بين الدراما والسنيما، واختتمت الفعاليات بسهرة موسيقية غنائية. إلا أن وقفة مطولة يستدعيك إليها فيلم المخرجة "واحة الراهب" "رؤى حالمة"، وقفة تسمح لك بالقول أنك أمام عمل عظيم، فيلم أبدعت فيه مؤلفته ومخرجته باللعب على التناقضات إلى الحد الذي يجعلك تشعر وأنت تشاهده، كأنك تقرأ الصورة قراءة بصوت مرتفع، تقرأ الرموز في لوحات غاية في الدقة والتقانة، بعمق يمتد إلى الجذور، وشفافية تنجح في الأخذ بيدك بغاية السلاسة، لتطوف متداخلاً مع الحدث، متماهياً مع الشخصيات "نابشة" من أعماقك تراثا يمتد عبر الذاكرة والثقافة، وتوّج هذا العمل الرائع ذاك الحضور المميز المنسجم مع الأداء للمخرجة نفسها، في حوار مطوّل بعد العرض. و الوقفة الأخرى مع الفنان العالمي "غسان مسعود" في محاضرته "الوجه الآخر لأزمة المسرح" حيث طاف فيها بمنتهى الوضوح والفهم الدقيق لتفاصيل تساهم بإعاقة الحركة المسرحية، عارضا رؤيته بعين النسر الثّاقبة التي هي الأقدر على توصيف وكناتها. أخيرا، قد لا تكون حجر الإنقاذ تلك التي ألقاها فريق النادي السينمائي في مشروع البحر القادم، لكني أتمنى من كل قلبي أن تكون حجر إيقاظ تتسع دوائرها لتشمل كل المجالات الثقافية والفنية في هذه المدينة المعطاءة. طرطوس 28/6/2005
|