|
يوسف عبدلكي.. افتحوا لنا نافذة على الفحم |
|
|
|
د. علي حافظ
|
|
2006-05-08 |
إذا كانت الثورة الصناعية قد بدأت بالفحم الحجري الذي أصبح مع الأيام ثروة شائخة، غريبة، منسية، فإن يوسف عبدلكي يعود إلينا بقطاراتها المغبرة بالصهيل، والمحملة بالفجائع..، مولداً طاقة متوهجة، تشطرنا، تصهرنا، تخنقنا، نحن مواطني الدرجة الأخيرة في هذا الكون الرمادي! ما هذا السواد يا يوسف؟ سوادٌ يلبس سوادنا أيضاً! في شبكتنا البصرية توجد خلايا متخصصة بفرز الألوان، هناك ما يفترض أن يحتفظ به لتكثيف الوعي الجمالي المساعد على تشغيل المكنة الانتقائية المحركة للطبيعة الصامتة فينا، علنا نصل إلى حلم سيريالي يكون أكثر إيحاءً للتفاصيل الهامشية بسراديب ذاكرتنا، كي نفهم المسار الإبداعي للجمود المحنط في لوحات الفحم، هنا كل شيء مائل، كل شيء ينحني أمام الموت القادم، أو الذي جاء تواً! ذاكرتنا البصرية تعبت من رؤية الحطام، وصور القهر، وأسطورة الخوف، اتسعت كثيراً، وكل شيء يتكسر أمامها في مشهد تراجيدي من مسلسل البكاء الطويل، الطويل جداً..؛ وفجأة ضاقت، وهي ترى لوحات عبدلكي الكبيرة، يروِّعها القادم من بعيد، فتنغلق خامدة في زاوية باردة من المدينة الكبيرة خائفة من أنمالها وحوافر ديناصوراتها! من يرغب في زيارة معرض عبد لكي في دمشق القديمة، يركض مسرعاً هارباً من ضوضاء المدينة، ومن تجارها، وسماسرتها، وبضائعها، وزوارها، ودخان سياراتها، ليدخل قبر- خان " أسعد باشا "، حيث صفوف الحجر الأبيض والأسود تتعانق متصاعدة نحو القبة المغلقة على السماء، متفرعة بمولوية الغبار، وهي تدوِّر روحك بفضاء جنائزي، لتسقط متعبة في أحضان الفحم ، تلتقطها خيوط الموت اللامرئية، تصرخ: " افتحوا لي نافذة على العصافير وبردى...". يأتي الصدى خاوياً: " الفرجة السماوية بعيدة، والحياة كذلك! ". تسقط روحك المتعبة كثيراً، مبللة بأسمائها الحزينة؛ وعناوين القشور.. تبتعد عن مسقط رأس الشجرة التي وعدتنا بإمبراطورية الحدائق... في معرض يوسف عبدلكي تحس بالرهبة، أو يتملكك الخشوع كأنك تدخل ديراً مهجوراً، كما كتبت زائرة على دفتر الذكريات، تحس بالاختناق، وأرجلك لا تستطيع الوقوف طويلاً أمام الأعمال المخيفة، المرعبة، القاسية، الصامتة... عبدلكي جاء ليدفن أشياءه الثمينة هنا، جاء ليدفننا معها، كي نحيا سقطة الموت الواحدة... عائدٌ إلى دمشق.. عائدٌ بالسواد الذي لا ينتهي! من يقف أمام لوحاته يرَ انعكاس أرواحنا، وأرواحنا انعكاساً لها - جدلية الحياة والموت، الأبيض والأسود، الوطن والغربة، النور والظلام، الجمال والقبح، كل التناقض في منظومة واحدة هي نحن، نحن: الأجيال التي انهزمت كثيراً! كل شيء محطم، متفحم، أهذه هي الحياة التي بشَّر بها الأنبياء وأصحاب الأفكار الجليلة، أم نحن الذين جعلناها سوداء هكذا؟! الأسماك الصامتة - أصدقائي الوحيدون.. الأحذية - سفينة نوح؛ والمبشرون غرقوا في رمال الشواطئ البعيدة... أي الأحذية نختار: أحذية عبدلكي الكبيرة، المفزعة، الثقيلة - الحذاء بنمرة الرجل فينا - أم حذاء ممدوح حمادة المثقوب، القديم، الغارق في اليم متحولاً لسمكة قرش تأكل أرواحنا.. الحذاء يمشي فوقنا، نلبسه بدل قبعاتنا؛ ونحن ندخن السيجار الكوبي، نتكلم عن الوطن، والحب، والموت... - أنا هولاكو، جئت لأحتل أرضكم! - لم يبقَ عندنا أرض! حتى في المجهر لن ترانا، ولن ترى أراضينا، أحذية كبيرة تحمل رجالا ً صغاراً، صغاراً جداً! كل أشيائك كبيرة يا يوسف: جماجمك، أحذيتك، كؤوسك، علبك، أسماكك، لوحات ضخمة، وفراغ فكري هائل، فراغ أضخم من فراغنا الأبدي! اتركوا لي نافذة على الفحم.. كل شيء أسود.. بياضنا قليل، بياضنا غائب! أعوام كثيرة تفصل أعمالك - أعمالنا عن تلك الأعمال الغريبة، المشوهة، المعلبة. أعوام كثيرة ونحن ننتظرك..؛ وأنت تأتينا بالأحذية، وقبضة يد مقطوعة لجيل قارب على الانقراض، واقتنع بالهزيمة، والمرارة، والألم، واقتنع برزنامة مصلوبة على الجدار ترفع تواريخ الأيام مقصلة على رؤوسنا المسطحة، قبضة يد مرسومة بالساطور الذي أوقف الرعشة، والدم، والنحيب، قبضة يد مرسومة بشكل سيئ، وبعيدة عن التقنيات العالية التي يتمتع بها عبدلكي ترتفع شعاراً لنا، ترتفع في وجهنا! تغيرت الصورة كثيراً، كثيراً جداً: المقاوم أصبح مهزوماً؛ والمهزوم أصبح مقاوماً! حقول عبدلكي سوداء، وعلبته الفارغة أقرب إلى مربع مالفيتش الأسود، لكن هناك بون شاسع بين الاثنين، محنطاته تفشل في حياكة جاذبية تلامس الروح، والوجدان، وتعيدنا إلى حالة الصفر البدائي! إننا أمام أوابد طوباوية مجردة من كل شيء، هياكل وتضاريس تجول العين بين مستوياتها، وتموت في فحمها! في هذا المعرض لم نعرف عبدلكي الحقيقي، ولم نعرف إلى أية مدرسة ينتمي: الواقعية التعبيرية ماقبل المجتمعية، أم الدادائية المقززة التي سعت إلى تجميل القبيح احتجاجاً على قبح الإنسان في الحروب؛ فمارسيل دوشامب الذي عرض "تواليتاً" إفرنجياً في معرضه؛ لم يستطع تغيير فكرة الناس عن التواليت، فبقي "تواليتاً"، وكذلك أحذيتك الدميمة! انتظرنا أشياء أخرى غير هذا السواد، انتظرنا أشياءنا - هدايانا، لكنها لم تصل، ضاعت في المطارات، والموانئ، والمحطات. عبدلكي جاء بالأحذية! واقعية متكلسة، وفضاء مسكون بالفحم، يلهث وراء عربات عمرنا المغلفة بالصفيح.. لا أحد يشك بقدرات عبدلكي الفنية، وصناعته الاحترافية المتفوقة، إن موهبته التي تفتحت هنا، وتأكدت هناك، حيث الشهرة، والمال، والانفتاح، يجب أن ترفض هذا العري الفحمي! يغيب الموضوع وتتأخر الفكرة عن لوحات عبدلكي، ويحضر الظل، والطبيعة الصامتة، والكيفية الفنية، والتقنية الراقية..؛ ونحن الذين نحترم الفن النبيل الراقي نحييك، ونحتضنك بحرارة رغم احتضان البعض الدائم لك، حيث لا يمكن الاقتراب، وكأنهم يحتكرون صداقتك، كما احتكروا الأدب، والفن، وكل شيء! نحن نعترف بأن اللوحة عمل فني أساساً، وليست وسيلة للوعظ والإرشاد و العراك الأيديولوجي، لكننا نعيش في هامش أكبر من الهامش الكلي؛ محاولين البحث عن شيء من الحقيقة وأطياف المطلق! قد لا نستطيع شراء لوحة من أعمالك بسبب أسعارها السياحية، كذلك حتى ولو حصلنا عليها بطريقة ما، فلن نستطيع تعليقها على جدراننا، لأننا لا نملك تلك البيوت الكبيرة، ولا حتى جداراً واحداً يسند ظهورنا التي تعودت الانحناء والانكسار والسقوط. لكننا نستطيع أن نحملها بأرواحنا التي أدمنت الفحم ولونته بعذوبة الألم؛ وهي تمشي على طريق الجلجلة، حيث العزلة، واللازمن توقف على صدأ المسامير المنغرزة بجسد المسيح... شيء من الظل، شيء من ذلك الطفل، والحصان الأبيض يرى في الكلام مأدبة للدم المعتق بالوهن، والهزيمة، وشيء من قبائل الرمال ترعب الرعب ذاته؛ دونما نظر إلى الظل الذي لا يمكنه أن يخبو.. ولد كبيراً،؛ كما الشمس ولدت على هذه الأرض، ونهضت من قاسيون!
30/6/2005 جريدة النور
|