|
كاترين شاوب: أشكال الكتابة السومرية تشبه كثيرا حركات اليدين في الكتاكالي |
|
|
|
ردينة حيدر
|
|
2006-05-08 |
خاص: "نساء سورية"
عندما دخلت من الباب الصغير لألج باب مسرح صغير ودافئ في دار الأسد للثقافة والفنون، ودون سابق إنذار، انفصلت عني قدمي وراحتا تقوداني عبر حقل من المرمر اللامتناهي، لقد أصبت بالشفافية وصار بإمكاني اختراق الأشياء، من خلال حزم متبدلة من أطياف الضوء الغريب، مع أنني لم أبتعد إلا بضعة كيلومترات عن العالم الخارجي! الصوت كان بشرياً، مع أنه أقرب للآلهة. وثمة شلال من السحر يتدفق حتى يذِّوب كل شيء فيه : "الموسيقا" الارتجالية. وحدة تفتح اللوتس الأبدي، والاكتظاظ بالرائحة حتى الاختناق! لم أعرف كيف أصبحت، فجأة، عموداً أثرياً شيّده السومريون قبل آلاف السنين! حرفاً محفوراً فوق ألواح الطين جاب العالم القديم واستقر تحت الأرض بانتظار يد السحر والاكتشاف ذاتها! لحظة سكون في رهبة العالم القديم! لقد تجلت مهمة الورشة المسرحية بإشراك الجميع -بما فيها الجمهور- بالأسطورة والسحر والحب والحياة والموت والخيانات والشرور.. وكان الجميع ينقبون في إثر شيء واحد: المسرح- الحرية..  روح الجماعة، والعمل الطويل والصدق والثقافة وحدت تلك المجموعة الفريدة فكان الإبداع وكان السحر وكان جلجامش وانكيدو.. لم يحتكر أحد لقب البطولة، فالآلات الإيقاعية البسيطة كانت بطلاً، والغناء الأوبرالي كان بطلاً ورقص الكاتاكالي: (وهو مسرح راقص قديم جداً في جنوب الهند ويروي حكاية الآلهة والبشر)، والأهازيج والممثلون جميعاً، والمخرجة التي كانت تدير سفينتها السومرية نحو الاكتشاف في قلب المسرح خارقة بذلك كل القواعد الكلاسيكية للمسرح، مطلقة العنان للبحث، للخيال، للإبداع.. ليس ثمة كواليس، ولا خروج من المسرح، ولا أزياء مسرحية، بل ورشة تنقيب في زيها العادي، وفي حياتها الطبيعية، والممثلون هم حكواتية وراقصين وإيقاعيين وعلماء آثار يبدؤون بسرد الفصل المسرحي ومن ثم يقومون بتأديته، لتصبح عملية التلقي من قبل الجمهور في غاية السهولة والبساطة. إنها تجربة فريدة بحق، لكنها لم تخلو من الأخطاء والمطبات. فهي كما عبرت المخرجة: تجربة مفتوحة. وفي كل يوم هناك اكتشاف جديد وإضافات جوهرية ناتجة عن التجربة اليومية. فمثلاً، كان أداء بعض الشخصيات ضعيفاً تجاه ذلك التدفق العاصف لبعض الشخصيات الأخرى وبالتالي كان هناك خللاً نوعاً ما في التوازن الدرامي. كما أن الخروقات للقواعد الكلاسيكية التي قاموا بها مجتمعين لرفع الأقنعة وخلق جو من الواقعية والمزاح والتسلية في بعض الأحيان، أوقعتهم -بلا ريب- في مطب التكلف والتهريج واصطناع بعض المواقف لهم كأفراد خارج إطار العمل. والجمهور لم يكن معتاداً على هذا النمط من الإشراك والمسؤولية في التلقي، مما شتت قليلاً جهود الورشة المسرحية لكسر الحواجز بينهما. لم تنته رحلة البحث، فهي قائمة ومستمرة مع المسرح وفيه. مفتوحة كالأفاق لملايين الأسئلة، وملايين الاحتمالات! وحده الشغف يقود هذه العاصفة البشرية نحو المعرفة والموت في آن معاً، الموت المتواصل ليل نهار..والذي يقابله في الناحية الأخرى حياة مشتعلة ليل نهار... أنا أيضاً أردت البحث بطريقتي ولم أشأ أن أغادر المكان، فرحت أبحث عن ضالتي، عن بعض الأجوبة، فوجدتها هناك (كاترين شاوب)، مخرجة العمل تتابع كل التفاصيل والملاحظات مع المجموعة. وفي سؤال لها عن التقيد بالنص الحرفي للنص وإن كان ذلك قد أعاق عملية البحث والاكتشاف أجابت: على العكس من ذلك فالنص كان مصدراً رائعاً للبحث والإبداع لذلك اعتمدنا عليه بشكل كامل. أما صورة المرأة التي قدمها العمل، فقالت عنها كاترين: كل النساء موجودات في عملنا: الأم، الأبنة، المرأة، الحبيبة، العاشقة، الشريرة،الغاوية. وأنا بدوري أعتقد أن المجتمع السومري كان أبوياً، وقد حاولنا أن نظهر مشاعر المرأة وتفاعلها من خلال الرقص وحركات الجسد أكثر من الكلام والرواية لأنها الطريقة الأفضل بالتعبير عن المشاعر والعواطف .. وعن سبب اختيارها لرقص الكاتاكالي الذي اعتمد كأداة رئيسية للتعبير عن علاقة الآلهة بالبشر في العمل، أجابت: أن رقص الكاتاكالي قديم جداً وكذلك ملحمة جلجامش، كما أن أشكال الكتابة السومرية تشبه كثيراً حركات اليدين في الكتاكالي، وملحمة جلجامش ملحمة عالمية ويمكن تقديمها بكافة أنواع الرقص وكافة أدوات التعبير وليست حكراً على نوع واحد من الرقص. أكدت شاوب أن العمل ليس مطابقاً للقواعد الكلاسيكية للمسرح. كما قالت ردت على سؤالنا حول الخوف من الوقوع في مطب التهريج والتكلف والاصطناع: بالتأكيد هذا الخوف موجود عندنا دائماً، لكننا نحاول أن نبتعد عنه جاهدين، وهدفنا من ذلك أن نكون صريحين وشريفين في تقديم أنفسنا واختبارها، لذلك انطلقنا في مشروعنا هذا من دواخلنا لنكون بوضوح الأطفال وبساطتهم، وحرصنا دائماً على احترام النص، والتقيد فيه. أما عن ضعف أداء بعض الشخصيات (جلجامش مثلاً) واختلال التوازن الدرامي أجابت: إننا لا نقوم بهذا العمل لنعجب الناس، ولسنا بصدد تجنب النقد. لقد قمنا بعمل جيد خلال ثلاثة أسابيع، ومن الجميل أن نرى أحداً يحاول الوصول إلى شيء دون أن يتمكن من ذلك. فعملية البحث متواصلة، وقد تظهر شخصية جلجامش في بعض الأحيان وقد لا تظهر، فلكل ممثل طريقته في التعبير ومشاكله، ونحن نعمل بشكل مستمر من أجل أن نتطور ونحسن أداءنا، وهناك أشياء كثيرة قد لا نصل إليها، وهذا أيضاً جزء من العمل، والنقد سهل ومهم بنفس الوقت. هذه المجموعة الفريدة امتلك بحق الجدارة والشجاعة لتضيء جانباً بقي مظلماً لوقت طويل، ومخفياً في الكواليس وفي الأعماق.. فإسقاط الأقنعة هو أول خطوة حقيقية باتجاه بوابة السحر: المسرح..25/6/2005
|