|
عبد الوهاب البياتي.. الأفكار والرؤى |
|
|
|
د. شاكر الحاج مخلف
|
|
2006-05-08 |
|
صفحة 1 من 5
خاص: "نساء سورية"
"فصل من كتاب عن الشاعر الكبير ينشر في ذكرى رحيله" حزن عراقي معتق يستحضر هامشاً من التاريخ يمتد من كربلاء حيث أجواء الطغيان الأموي، يشق فضاء شارع يخترق منطقة - السيدة زينب في ريف دمشق - هتاف هو الرثاء للحسين بن علي - ذاك الذي صار رمزاً إسلاميا عربياً يمد خيمة المأساة في أرجاء الكون ويحمل مشعلاً أزليا تتخطفه أيدي الثوار وكما قال البياتي لي ونحن نجتاز تلك المواكب " هذا هو العراق بحزنه الدائم منذ اقدم العصور كما لو أن الأقدار ألبسته طقس الآلهة والحياة بشكل مهيب، في حزن العراق تجد ولادة التاريخ وديمومة الحياة جنباً إلى جنب " ثم أنشد شعراً يتطابق مع الموقف والحالة التي نتابعها: لما ضربت في الكوفة أعناق الثوار وتناهبها السفاحون ولاة الأمصار.. من ذاك الجرح الغائر إلى الأعماق ينتسب الشعر العراقي الممزوج بالمعاناة والألم والحزن السرمدي، ضفاف من البكاء الصامت أو الاحتجاج الذي يخترق حاجز الصوت نحو السقف المقدس، الثقافة العراقية بهذا التفرد الجميل الذي تتشكل فيه قيم كبيرة تلقي بظلها العميق على طبيعة التكوين للشخصية التي تؤثر بشكل ريادي في حركة المجتمع تحديداً في جوانب المواجهة مع الظلم والفساد وصولا إلى مفاصل الإبداع في الفنون والمعرفة والثقافة، ومن تلك الإشارات نلمس عمق التأثير الذي تركته الرموز الكبيرة في حاضر أمة العراق ومن تلك الرموز وقفة بطل كر بلاء من اجل الحق والتشبث بالمبادئ، قال البياتي مرة أخرى ونحن نتابع غيمة حزن سوداء تمتد في عمق الرؤيا تثير الشجن وتفجر الدمع " أعادتني هذه الجموع الحزينة الصارخة في وجه الظلم إلى فترة الطفولة، إلى منطقة "باب الشيخ" كنت أتابع مشاهدة لتمثيل مأساة مصرع الحسين في حضور شعبي، وفي تأثير يتجاوز تأثير وسائل الإعلام الحالية مع الفرق بالإمكانات، تلك المشاهدة هي التي ربطتني بعمق وقوة إلى مفردات التراث العربي الإسلامي وجعلتني احدد موقفي من محطات كثيرة " كنت استمع إلى البياتي بعقل مفتوح وأحرص على المشاركة معه بجمل مكثفة جداً لكي تبقى بوابات هذا اللقاء التاريخي مفتوحة على مصراعيها ونبحر من خلالها إلى اغلب الشواطئ ونقلب الأفكار ونرسم شكلاً مختلفاً لتلك المنصات التي تجاوزناها، خزائن البياتي فتحت لي في زمن أمتد عشرة ساعات متواصلة من المحاورة والنقاش، وقد قال لي بإعجاب كبير " ستكتب عني ما لا أقرأه في سطور الآخرين، هذه الأسئلة التي تنبع من ثقافة غزيرة وعميقة، سترسم صورة أخرى عن عبد الوهاب البياتي". أربع سنوات مضت وأنا أتقلب بين المشاكل والهموم وضيق الوقت وانشغالي بالدراسة، حتى أقتحم مكتبي عبد الوهاب البياتي طيفاً ودوداً حاورني وقد رآني تجمدت في مكاني يتوزعني الخجل والفرح والتساؤل، حرص أن يقول لي أن هذا اللقاء لا علاقة له بالماضي: "تجولت في دارك وتصفحت رفوف مكتبتك الكبيرة، الجوّ هنا في تكساس أكثر برودة من ذاك الذي كان في السيدة زينب، تذكرت أشياء لم اقلها في ذلك اللقاء سأقولها وأنصرف " كان ذلك بعد ليلة واحدة من لحظة اتخاذ قرار الشروع في كتابة دراسة نقدية موثقة عن البياتي وشعره المتميز. لقاء وسيرة ذاتية في العام 1926 ولد شاعر الشعب " عبد الوهاب البياتي " في الرصافة من بغداد، وفي أحد الأحياء الشعبية منها - تسمى " باب الشيخ " وهي المنطقة القريبة من ضريح " الشيخ عبد القادر الكيلاني " منطقة شعبية مزدحمة بالسكان الذين أغلبهم من العمال والكسبة ويشكلون في الغالب قاعدة المهمات التي تتحرك بها دوائر الدولة من سعاة وفراشين وسواق وموظفين صغار كالكتبة وأيضا الباعة المتجولون في الدروب والحراس الليليين والعمال المهرة في مجال الميكانيك وورش إصلاح المعدات والمكائن، تلك المناطق الشعبية التي تشكل عوالم مدينة بغداد وجدت البياتي في ذلك الحوار الطويل دائم الحنين أليها، حدثني عن أدق التفاصيل في أيام حياته القديمة، قال بحسرة كبيرة " بغداد بدأت تتغير يخيل لي أحيانا أنني لا اعرفها " تلك المدينة القديمة التي يعبق السحر والخيال في أجوائها يراها البياتي تتعرض للتغيير، والهاجس هنا يرتبط بتلك العلاقات الوشيجة المستمدة من المحبة والآلفة والحنان والتكافل الاجتماعي التي بدأت تتلاشى أو يشوبها عامل التشويه.... بغداد التي بناها " أبو جعفر المنصور " أرادها الشعراء والفلاسفة والكتاب والعلماء ورجال السياسة أن تكون فضاءاً للخير والمحبة والإبداع، شيدت لتكون وعاءاً للفعل الإنساني – يقول عنها: أم الدنيا بغداد، بناها المنصور لتصبح عاصمة الألم الخلاق وفد الشعراء أليها من بعد المنصور فباسوا تربتها سكبوا فوق ظفائرها خمراً حتى صارت بستاناً ومزاراً لطيور البحر وبدو الصحراء من كان يحج أليها ينسى مجنوناً بالعشق حبيبته الأولى، ينسى مفتاح الدار، ويموت شهيداً فيها سكران، خلبت لب معري النعمان، وظل يردد بغداد كانت أحلى امرأة، وستبقى أحلى الحلوات.. أن حركة التغيير التي طالت بغداد لم تشمل الجوانب العمرانية بل امتدت بخبث كبير إلى هدم وقطع الشرايين الاجتماعية وتغيير الروابط الإنسانية إلى علاقات قسرية تشبه إلى حد كبير الذي جرى في مجمعات الاعتقال " الفروق واضحة لدى المفكر والشاعر والكاتب عن تلك الحالة أو الممارسة المصحوبة بالهاجس السياسي الأمني الذي يصادر الحرية لكي يستمر بالبقاء في هرم السلطة، هناك بناء عمراني أحدث تغييراً في بعض المناطق ولكن هل نرى بدقة حجم الخراب الذي رافق ذلك، والذي أستهدف تكوينات الإنسان النفسية والأخلاقية والفكرية، ووضع القيم الموروثة لسكان المدينة تحت سطوة حثالة جاءت من قرى مجهولة ليس لها قيم فكرية أو موروث حضاري أو أخلاقي " هناك فرق كبير بين المدينة التي تعرفها وتحفظ تفاصيلها وتشع في جوانحك منها السمات الإنسانية ولك فيها ذكريات يتشكل منها تكوينك الإبداعي، وناس من لحم ودم ولهم وميض النجوم يشكلون على المدى شخوصك في العمل المنجز/ قصة / شعر / رواية / لوحة/ مسرحية / دراسة هدفها التوثيق، أولئك الذين يحيطون بنوافذ الفكر تحبهم وتحب المدينة التي يتحركون في دروبها " في اعتراف صريح ينبع من مرجل الألم، يرى البياتي مدينته الحبيبة قد تحولت إلى مكب نفايات بشرية، تتحرك فيها مخلوقات تشبه العناكب والوطاويط مسخ يتوالد في فجوات الظلام أفواه قذرة تمتص الدماء وتثير أفعال الشر وتزرع بدلا من أوراد الياسمين والرازقي أشجارا ً من الحقد الأسود المدمر، وترفع الستار كل يوم عن فصول مسرحيات رديئة وهزيلة تدمي الضمائر والعيون " منذ أن أمسكت بخيوط المأساة التي تنسج في حواري ودروب مدينتي رأيتها تحولت إلى رمز شرير، وقفت بوضوح ضدها، ورأيت أن بغداد العظيمة تشهد تحولاً سيئاً، تحولت إلى مدينة شريرة تجلب المأساة والفواجع لأبنائها، كانت مدينة الحقيقة وتحولت في هذا الزمن الرديء إلى مدينة تدور الأكاذيب في جنباتها، الإنسان العراقي العظيم بنى هذه المدينة لتكون وعاءاً يلبي احتياجاته المادية والروحية، ولكنها الآن مشروع حطام يجب أن نقاومه، هي حمامة وادعة رائعة لكن الأوغاد سملوا عينيها وعلينا أن نعيد أليها البصر والبصيرة ": لون عينيك وميض البرق في أسوار بابل ومرايا ومشاعل ،وشعوب وقبائل غزت العالم لما كشفت بابل أسرار النجوم لون عينيك سهوب حطمت فيها جيوش الفقراء عالم السطوة والإرهاب باسم الكلمة وغزت أرض الأساطير وشطآن العصور المظلمة طفلة أنتي وأنثى واعدة ولدت من زبد البحر ومن نار الشموس الخالدة كلما ماتت بعصر، بعثت قامت من الموت وعادت للظهور أنت عنقاء الحضارات وأنثى سارق النيران في كل العصور.. ***
|