 |
|
 |
|
لا للعنف ضد المرأة |
|
|
إخلاء.. |
جميع الإعلانات المنشورة على "نساء سورية" مجانية، وتقع ضمن نطاق عمله التطوعي
|
|
|
 |
|
 |
|
|
 |
|
 |
|
مزيج الخرافة والإيمان والدهشة عند يشار كمال |
|
|
|
د. شاكر الحاج مخلف
|
|
2006-05-08 |
ينشرون الحكايات المنسوجة من شرائط السحر..رواية أخرى تتألق في تاريخ الأدب الحديث وتشكل علامة مهمة للكاتب "يشار كمال" في نتاجه الإبداعي المتوازن مع حركة المجتمع والتطور الحضاري؛ لا يفصلها عن رواياته المهمة الأخرى سوى الشخوص والموضوع وبقية التفاصيل، وهي بمثابة امتداد لتلك الأفكار التي سيطرت على ذهن الكاتب وقادته نحو القمة في الأدب التركي, وكذلك المكانة الرفيعة بين أدباء العالم البارزين، حيث يعتبر العام 1963 التاريخ الذي كتب فيه "يشار كمال" روايته الموسومة "الأرض حديد... السماء نحاس", وفيها يستكمل التوثيق والتسجيل الاجتماعي لعوامل الصراع والتغيير التي اجتاحت المجتمع التركي, كما يلاحق فيها تلك الأفكار التي بدأها في روايته المهمة "العمود الأساس... الدعامة الوسطى", والتي صدرت في العام 1960, ورواية "أعشاب الخلود" التي كتبها قبل صدورها في العام 1969 بسنوات، وهي ثلاثية روائية ذات بناء ملحمي تتكامل فيه الأبعاد الاجتماعية والسياسية والاقتصادية, وتلعب الشخصيات إلى جانب العوامل البيئية دوراً حاسماً في تصاعد وتيرة الصراع والمواجهة وعوامل الحسم. نجد في الرواية تعاقب الأحداث القاسية والمشحونة بالفجيعة والكوارث. كل ذلك جعلها في دائرة الاهتمام المتعاظم, وهي لا تخرج عن السياق السابق الذي اتبعه الكاتب في اختيار مضامين رواياته السابقة, حيث كلها تدور في ريف تركيا المترامي الأطراف, حيث يواصل رصد حياة الفلاحين ومصائرهم والنكبات التي يتعرضون لها على أيدي زمر الإقطاع. وتؤلف أجزاء الرواية الثلاث وحدة متكاملة, وذلك بالرغم من أن كل جزء منها يمثل رواية ذات إطار محدد, ويبدو في الغالب أن لا علاقة له بالجزأين الآخرين, إلا أن الشخصيات تواصل حضورها, والأحداث تبدو متشابهة ومستمرة وبمجموع تناقضها, وردود أفعالها تشكل الإطار العام لها. تمثل رواية "الأرض حديد... السماء نحاس" ملحمة أدبية كبيرة تقترب من مصاف أهم الملاحم والروايات المهمة في الأدب العالمي، فهي إحدى الروايات العشر المتميزة في الأدب التركي المعاصر؛ تصور ملحمة إنسانية متفردة تكشف عن الصراع الأزلي الذي يقوده الإنسان بثبات ضد الطبيعة القاسية التي تمثلها "الأرض حديد... السماء نحاس", كما تمثل الأفكار والرؤى والميثولوجيا, وكذلك التعاويذ والمفاهيم الدينية والغيبية. فيها تبرز قوتان تحاولان سحق الإنسان بينهما ليبقى الحزن والأسى يطارده, فلا يشعر ببريق السعادة أبداً. فكلما سنحت الفرصة أمام الإنسان للهرب من زحمة الأقدار والبحث عن سر السعادة والآمان, تهبط على شرنقة الحلم الذي نسجته أفكاره مطرقة السماء النحاسية لتمزقه. لقد وضع الكاتب "يشار كمال" مصير أبطاله على سندان الأرض الحديد ليكشف عن دوامة الصراع والألم ويرسم أجواء الحزن إلى أن يبرأ الإنسان من جراحه فيحاول النهوض, غير أن مطرقة السماء النحاسية تكون له بالمرصاد دائماً, فتطرحه أرضاً مرة أخرى, وهكذا يتواصل النسيج الدرامي الروائي بين قسوة الأرض وغضب السماء, حيث يتصاعد صراع رهيب نتائجه محسومة لصالح الإنسان. الحقيقة والأسطورة: تتنازع الكاتب على الدوام العلاقات والروابط القوية بين الأسطورة والحقيقة, وقد شكلت تلك الدلالات عوامل ضغط واسع على بيئة الإنتاج الأدبي, وخصوصاً لدى الكتّاب المحكومة مساحات وفضاء الحرية لديهم بصيغ وأطر وأفكار وعقائد وجدوها تضع قيوداً وحدوداً لا يمكن تجاوزها والخروج عليها. لقد عمد "يشار كمال" في منهجه الروائي إلى إلغاء الحدود الزمنية للشخصيات والأمكنة, بحيث نرى التداخل واضحاً بين الأحداث الحقيقية والمتخيلة. يبدو ذلك في مجمل رواياته وقصصه القصيرة ومسرحياته. وفيما يتعلق برواية "الأرض حديد... السماء نحاس" نجده قد عمد بوعي كبير وبتقنية متقدمة كثيراً على روايات مشابهة في مجال مزج الأسطورة بالواقع، كما وضع لكل ذلك المحتوى المعقد جداً رتوشاً تجمل تفاصيل الحقائق المعروضة وتلقي بظلالها دوماً على مسرح الأحداث مع أنها موشاة بالخيال الخفيف. وهكذا شكل الكاتب من الحدث البسيط وأحداث أخرى مهمة أسطورة ملحمية في جوّ روائي حافل بالدراما في مساحته الكبيرة المسبوكة بعنصر الترقب والتوقع الغريب, ومصاحباً على الدوام أيضاً بالدهشة والانبهار, وذلك عندما يزاح الستار عن تفاصيل المجهول والغامض من الأحداث. كل ذلك وضع في إطار رومانسي رائع التكوين يأسر الذهن. لقد رصدت في كتابات "يشار كمال" أنه دائماً مشغول الفكر بذاك المزيج الغريب بين الأسطورة والحقيقة ليصنع عالماً فريداً بجماله وأبعاده. ومن عمق تلك اللوحة المدهشة يبدأ البحث وتشكيل الأحداث. فهو يستخدم في الوصف والحوار والسرد لغة الشعر الجذابة في مفرداتها, والتي هي أقرب إلى لغة الشعر الشعبي, أو لغة الحياة اليومية التي يتداولها الناس البسطاء. ولأنه مولع بالفلكلور, فإن معظم رواياته تتضمن ألفاظاً وتعابير شعبية يتحدث بها الناس في منطقة "جوفوراوا". إن قصص وروايات "يشار كمال" مبنية على الجهد المعرفي الذي يصنع تشكيلاً جديداً من الوثيقة والتفاصيل اليومية بتداخل هو الأقرب إلى الحياة اليومية وإيقاعها المتواصل. تكاد تجزم وأنت تقرأ قصصه ورواياته ومسرحياته داخل حالة كبيرة من الدهشة والانفعال, وتتوقف عند الشخصيات المختلفة؛ أنك قد التقيت بما يماثلها في زمن ما. كلها أمثلة حية مأخوذة من الواقع, وقد أعاد الكاتب تشكيلها لهدف الكتابة, ووضعها لخدمة مضمون الرواية وإطارها الفني. يحدث كل ذلك لدى الكاتب بمستوى فني رفيع ينم عن وعي ودراية في أصول البناء الأدبي الفني. ويوظف "يشار كمال" لخدمة تلك الأهداف أرشيفاً كبيراً من المعلومات والأحداث والوقائع والصور الداخلية والخارجية من خلال حوار شفاف متصاعد قوي التعبير عن الحدث والأفكار. إن الحقيقة والأسطورة في قصص الكاتب نجدهما متجاورتين أو متداخلتين في الكثير من الأحداث والتفاصيل, وينبع منهما الحوار العميق الذي يدفع بالأحداث إلى النمو والتطور, وكذلك يدفع الشخصيات إلى صنع العقد المهمة لمواصلة التتابع والترقب. الملاحظة العابرة تصنع رواية: في العام 1943 كان "يشار كمال" يحدث صديقه عن موضوع أدبي يراوده لينجز منه رواية مهمة, وكان موضوع الدعامة الوسطى. روى له حدثا بسيطا يصلح لأن يكون نصاً ملحمياً وعلى النحو التالي: "ذات يوم كان يسير على طريق في جبال طوروس, والتقى بإحدى العائلات, كان حصانهم قد مات." وكما في الرواية فإن "علي الطويل" (إحدى شخصيات الرواية) يبادر إلى حمل أمه على ظهره. كان يحملها مسافة, ثم يبقيها ويعود ليحمل الأغراض. وبهذه الطريقة كانوا ينزلون لحلج القطن. كان "علي الطويل" يقول لـ"يشار كمال" أنه خلال العام التالي سوف يدع أمه وحدها في القرية الخالية. وفي العام 1955 كتب "يشار كمال" قسماً كبيراً من الرواية منطلقاً من تفاصيل ذلك الحدث, وترك المخطوطة ثم عاد إليها فيما بعد, وبالتحديد كما يروي في مذكراته في تموز من العام 1959. بدأ في مراجعة المخطوطة مرة أخرى, وعند ذاك توضح لديه الصورة كاملة, وكشفت عن تفاصيل مخطط لرواية أطلق عليها اسم "الدعامة الوسطى", وتوقف قبل أن يضع خاتمة الرواية. لكن المرأة التي بقيت في القرية لم تترك "يشار كمال" يسترد أنفاسه, فجذبته إليها مرة ثانية وأثارت اهتمامه. تلك المرأة الضعيفة الوحيدة في القرية صنعت أحداثاً وإطاراً لتلك الأحداث حتى صارت رواية جديدة أطلق عليها اسم "الأرض حديد... السماء نحاس", وعمل على ربط الأحداث وإيجاد علاقة مستمرة لبقية الشخصيات ليتواصل النسيج الدرامي للأحداث. الأحداث والتفاصيل: موضوع الثلاثية يعرض حياة الفلاحين الأتراك في القرى الجبلية من هضبة طوروس، وهم الذين يقصدون العمل في حقول القطن التابعة لملاكي الأرض في منطقة "جوكورأوفا". الموضوع في الرواية استوحاه الكاتب من الحياة ذاتها. فكرته تولدت خلال السنوات الأربعين من القرن العشرين, ومرت في تطور طويل تعرضت خلاله المفاهيم الفنية للكاتب لعدة تغيرات, وشهد التقلبات الاقتصادية والاجتماعية, وحقق مجمل ذلك انعكاساً في البناء الفني الذي يبدو واضحاً في أجزاء الثلاثية, وهي تجسد حالات الحرمان والفقر والظلم وانتشار الأوبئة الفتاكة, وهو يعقد المقارنة بين رغد العيش في المدينة والتدهور الموجود في القرية, حيث يجد الفلاح نفسه أسيراً للمرحلة المبكرة من سيادة الإقطاع. تلك العوامل جعلت الصراع المبرر هو العامل القوي الذي ينتج عن تلك العلاقات والفروق والمتصاعدة بين الفلاحين الفقراء, وبين الإدارة الجشعة المتمثلة في مختار الفلاحين "سيفير" المشهور بولائه لملاكي الأراضي, والذي يعمد إلى إجبار الفلاحين للعمل في ظروف سيئة داخل حقول "جوكورأوفا". ونجد في الرواية شخصيات تحرك الأحداث بقوة, مثل "علي الطويل" الذي شكل رأس الحربة في قيادة الفلاحين, وكذلك "طاش باش" الذي يمثل القوة الضاغطة لمنع استغلال الملاكين للفلاحين. كما أن شخصية المرأة العجوز الأم "مريم" تمثل شخصية أخرى ذات أهداف متعارضة, وهي تدفع بالأحداث إلى أمام وتبقي على جذوة المواجهة متقدة, وهي عامل تحريض كبير في صفوف الفلاحين. شخصية مثيرة تكشف عن مواقف صلبة وحازمة, وهي لا توافق على أنصاف الحلول, كما تمثل نموذجا مشابها للعجوز "زينو" في مسرحية "الصفيحة" للكاتب "يشار كمال", والتي رسمها على جانب كبير من الوعي, ولها حسّ إنساني وحدس كبير يقودها نحو الموقف الصحيح. في رواية الدعامة الوسطى, حيث تبدأ مرحلة النزول إلى منطقة "جوكورأوفا", حيث يفرد الكاتب لها قسماً كبيراً من التعريف بالطويل وعائلته, ويتابع جهده في حمل أمه "مريمجة" وبقية أغراضه على ظهره من الجبل حتى السهل. إن رواية "الأرض حديد... السماء نحاس" مخصصة لتصوير حياة الفلاحين في أيام وليالي الشتاء الثقيل الذي يقضيه الفلاحون بعد عودتهم من العمل في الحقول, وتزايد ديونهم المستحقة عليهم لبقال المدينة "عادل", الذي يشكل هو الآخر عامل خوف ورعب وضغط نفسي متواصل بسبب عدم تمكنهم من تسديد تلك الديون. ويتعاظم الصراع عندما يقف المختار متحالفاً مع عادل ضد الفلاحين. انتقام الفلاحين: يوظف الكاتب جانباً مهماً من معرفته بالعلاقات الإنسانية والاجتماعية السائدة في القرية التركية, ويعمد بجهد فني مهذب لرسم الحكاية الخرافية في أبعادها البيئية ويرسم صورة الفلاحين المحافظين المتخلفين عن ركب التحول الحضاري وهم يواجهون القهر والتسلط محتكمين إلى علاقات دينية واجتماعية قوية، فهم كما في الرواية يخلعون على "طاش باش" القداسة ويعتبرونه من أولياء الله الصالحين لكي يبعد عنهم الخوف والقلق. وعندما يعمل الفلاحون في الحقول ويكسبون المال, يفكرون بسذاجة ويندفعون للإيمان بتلك الفكرة, ويعمدون دون ضغوط لخلع صفات القداسة ليصبح "طاش باش" كما يتخيلون ويريدون مدفوعين بعامل الخوف والقلق وباحثين عن البركة والدعوة الصالحة التي تفتح لهم أبواب الرزق كما يظنون. إن العقيدة الدينية في روايات "يشار كمال" تمثل قوة هائلة تحرك جموع الفلاحين لضمان مصالحهم. في الرواية أيضا نجد شخصيات قوية جداً, مع أنها رسمت لتقدم التناسق المطلوب والموازنة التي تحتاج لها الرواية. تلك الشخصيات المختلفة في الوعي والثقافة والمعرفة مصنوعة من فولاذ, وتقود الصراع المتوثب إلى أقصى مداه. المختار "سيفير" إحدى تلك الشخصيات, فهو لا يخاف الفلاحين, ويصورهم على أنهم قطيع من الخراف تقتصر مهمة وجودهم على الثرثرة وزراعة الأرض, ويستطيع أي شخص أن يقودهم أينما يشاء بقليل من الكلام المعسول, وهذا يعتبر الخطأ القاتل في حسابات المختار. لقد كان بينه وبين إزهاق روحه على أيدي الفلاحين طرفة عين. وعندما يظهر رجال الدرك قاصدين منزل "طاش باش" يرتاع, وهو يعلم أنه وراء خطة القبض على "طاش باش" الذي كان يحقد عليه لأن الفلاحين خلعوا عليه رداء القداسة وصار من أولياء الله, وأيضاً صار لديه قوة تضاهي قوة المختار وتشكل عامل توازن وتحريض. وعندما يقف "طاش باش" أمام قائد الدرك يكشف أكاذيب المختار "سيفير", رغم أن الأخير يغلف وشايته برداء الود والمحبة التي يتظاهر بها أمام الفلاحين: "أنا مختار هذه القرية. لن تأخذوه مني. إنه الخير لهذه القرية". يرسم الكاتب "يشار كمال" مشهد المواجهة بين الرائد "شكري" (ضابط الدرك) وبين "طاش باش" بشكل رائع, وذلك عندما يواجه بثبات وهدوء ثورة ضابط الدرك ثم مقدرته على كسبه إلى جانبه موضحاً له كل شيء, وهكذا تمر المواجهة الأولى بسلام ويعود إلى داره حيث جموع الفلاحين بانتظار بركاته. "طاش باش" القداسة والخوف: في الرواية شخصية محورية قوية تحرك الأحداث بقوة لا حدود لها, وتدفع الفلاحين نحو حافات المواجهة, وتثير ردود أفعال مهمة هي شخصية "طاش باش" الذي بات المختار يشعر بتعاظم نفوذه بما يشكل خطراً كبيراً على مصالحه، فيحاول إزالته من طريقه. ذلك القرار يؤجج الصراع في الرواية, ويفتح أكثر مجال للتفجر والمواجهة. بعد عودة "طاش باش" من المخفر يشعر "سيفير" بحرج الموقف, لذلك يعمد إلى التورية لامتصاص نقمة الفلاحين, ويطلب من "طاش باش" أن يرد عليه, ولكن الأخير يتجاهله ولا يكترث بوجوده, فهو يعرف أساليبه الرخيصة, ويدرك جيداً أنه مصدر الوشاية لدى قائد الدرك. يهمس المختار بصوت خفيض: "تحدث إلي وإلا سيكون ذلك سيئاً لك أيها المأفون! سألتهمك يا "طاش باش" حتى ولو كنت نبياً مرسلاً قديساً. ليكن في علمك أن الغلبة ستكون لواحد منا، إما أنا أو أنت". ثم يندفع كذباً لتقبيل أقدام "طاش باش" ويتوسل إليه, إلا أن خصمه العنيد يدرك جيداً أنه يكذب في كل ما يختار من كلمات وألفاظ ويقرر تجاهله, لأن ذلك التجاهل يسبب الإهانة الجارحة, وهذا ما يريده له عن قصد واضح. لكن المختار لا يتردد عن تجهيز بندقيته كاشفاً عن قراره السيئ (النفس بالنفس): من يقتلني وأنا حي, عليّ أن أقتله أيضاً". لكن كرامات طاش باش تتوالى كل يوم, مما يزيد تعلق الناس به وكأنه من أولياء الله الصالحين. بينما "طاش باش" في حقيقة الأمر يرفض ما يحصل, ولا يريد أن يستمع إلى ما يقوله الفلاحون عنه, وفي لحظة ما يكاد أن يتهاوى عناده ليكشف للناس أنه فعلاً رجل مقدس ويتخذ قراره بالخروج إلى القرية ليجمع أهله من حوله ويصوغ كلمات ذهبية يسوّقها في خطاب يتحدث فيه عن الكوارث والحياة والحب والأرض والنور. في مراجعة سريعة لكل قناعاته يجد حتى صديقه "علي الطويل" كلما يدنو منه يشعر أنه يقترب من شيء مقدس. وبينما كانت تذبح عشرات الديوك قرابين له, كان أولاده الصغار يتضورون جوعاً, فهو يعمل بدون مقابل, فقط قليلاً من الملح كل ما كان يكسبه. أوجد أساليب عديدة ومختلفة لعلاج كل مريض حسب مرضه. كان يقذف بحجر كبير إلى الماء, ويظل طالما الجمرة تصدر أزيزاً ممسكاً بشمعة, ويحدق في عين مريضة دون أن يرف له جفن, ويرغم بعض المرضى على الزحف حبواً من عتبة الباب إلى طرف الموقد, ويحمل البعض الآخر على التطواف حول داره قافزاً على رجل واحدة, ويجبر بعضهم على ملء أنوفهم برائحة الخفافيش الميتة, ويمر على أنوف وجباه مرضى آخرين بعظمة يطلق عليها اسم "قرن الأفعى". كانت "مريمجه" هي التي أعطته كل تلك الوصفات الطبية, وقالت له أن هذه فيها دواء لكل داء. لقد عمد إلى أساليب بسيطة في العلاج يزرع من خلالها "طاش باش" مساحة جديدة من الأمل لدى المتعبين من الفلاحين. رحلة بين الشك والإيمان: فلكلور جميل هو مزيج من الخرافة والإيمان, ورحلة فيها من الغرابة والدهشة الكثير, وهي ترصد وترسم مراحل تحول الإنسان قسرياً إلى أحد أولياء الله وكيف يسكن القلوب, وتنتظر ظهوره عيون الناس إعلام الفقراء, وكيف يجنح إلى تسويق الخرافة. "طاش باش" يسمع الكثير من الحكايات التي تنسج حوله, والتي لا يصدقها, وهو أيضاً يبحث عن الحقيقة ونسبة الصدق فيها. تشغله قضية النور الذي يهبط من السماء على داره فيدخله الشك في ذلك ويذهب ليجلس في مكان بعيد يراقب داره, حيث يدعي الفلاحون أن النور ينزل على سطح داره من أول الليل وحتى الصباح. يتابع "طاش باش" ذلك النور قابعاً في مكان بعيد يلفه الغضب عندما يرى الرجال يوغلون في حفر عتبة داره ليأخذوا ذلك التراب وينثروه في حقولهم تعبيراً عن البركة. وعندما يفاجئهم وهم يحفرون, يثبتون في أماكنهم ويخرون له ساجدين إلى الأرض منكبين على قدميه. في تلك اللحظة تزداد حيرته ويبدو لا يعرف كيف يتصرف معهم, وقد اقتنع أكثر من أي وقت أن هؤلاء الفلاحين الجهلة وضعوه في مأزق كبير عندما اعتبروه نموذجا مقدسا وهو أكثر من غيره يعرف حقيقة شخصه. تبرق في ذهنه الفكرة المنبثقة عن السؤال الدرامي: لماذا لا يصبح فعلاً من أولياء الله...؟ ولماذا لا يريد تصديق ذلك؟ إن يراه الناس إنساناً مقدساً, فهو أمر ممتع, وتلك الصفة لا ينالها كل من يطلبها, ولكن العاقبة تبدو مثل كارثة. إن القصص المتعلقة بالذين ادعوا النبوة أو قالوا أنهم من أولياء الله، جميعهم انتهوا إلى نهايات مؤلمة وقاسية مثل الشنق أو السجن أو الهرطقة، ولكنه يستطيع أن يسلك طريقاً آخر لا يوصله إلى تلك النهايات القاسية والمؤلمة. إنه يسلك سلوكاً اشتراكياً إسلامياً متشبهاً إلى حد ما بنموذج الخليفة الراشد "علي بن أبي طالب", فهو يطلب إلى الفلاحين أن يسترشدوا بالحق والعدل, وأن توزع الثروات بالحق بينهم. ويطرد هذه الفكرة من رأسه لأنها تتعارض مع مصلحة الحكومة ورجال السياسة الذين يعارضون النهج الاشتراكي كما يعادون الإسلام الحقيقي. ينجح بعد ذلك المختار "سيفير" مرة ثانية في الوشاية به, فترسل وحدة الدرك العريف "جومالي" لاقتياد "طاش باش" إلى ضابط الدرك "شكري" لكي ينزل به العقاب المناسب لتلك الهرطقة والبدع والشعوذة التي يروجها في القرية, والتي استولت على لب الفلاحين وجعلتهم يتقاعسون عن العمل في الحقول, وذلك ألحق ضرراً بالغاً بالاقتصاد الوطني. ومع ذيوع خبر وصول العريف "جومالي" إلى القرية يتجمع الفلاحون أمام دار "طاش باش" مستنكرين ذلك, وعندما يعمد ممثل الدرك بوضع القيود في معصميه, يتوتر الجو العام في القرية. الجميع يرفض اقتياد ولي الله إلى المخفر مكبلا بالقيود. تنبري "مريمجة" لتقود حالة المواجهة المتفجرة, الأمر الذي يدفع "جومالي" إلى العمل السريع لنزع فتيل المواجهة, وذلك بقيامه بنزع القيود عن معصمي "طاش باش", كما ينتبه إلى لعبة المختار "سيفير" المتكررة في منع "جومالي" من أخذه إلى المخفر, وكذلك محاولته إثارة حماسة الفلاحين لكي يعتدوا بالضرب على رجال الدرك, بما يسبب مأزقاً كبيراً لـ"طاش باش" أمام الرائد شكري، فيقرر هو الآخر نزع فتيل المواجهة المتفجرة, فيقول في مواجهتهم: "ابرءوا ما بذمتي من حقوق لكم! لقد رعيتموني بطيب, وجعلتموني من أولياء الله، وأحببتموني, فليرعكم الله!". ولا يترك المختار "سيفير" ينفذ بجلده, بل يعمد إلى تعريته قائلاً للجميع: "يوجد بينكم إنسان شاذ، هو بينكم الآن، وجب قتله في شرائع الأسفار الأربعة، وهاأنذا أقتاد إلى المخافر بحسب الإخبارية التي تفضل بإدلائها إليهم...". تتجه جميع الأنظار نحو المختار "سيفير". ورغم أنه يستحق القتل, فإن "طاش باش" يطلب منهم عدم قتله, بل مقاطعته بعدم الكلام معه. وبعد رحيل "طاش باش" عن القرية, يبادر القرويون إلى تنفيذ وصيته. يمرون بالقرب من "سيفير" الذي يبدو كالميت, لا أحد يلقي نظرة عليه، كما لو أنهم كانوا يبتعدون عن الطاعون أو الموت. بينما تحاصر "طاش باش" وقوات الدرك الذين يدخلون الغابة الثلوج, عند ذاك ينقذهم "طاش باش" ويرشدهم إلى كهف يأوون إليه. يترك "طاش باش" العريف "جومالي" ورفاقه نيام ويختفي. يعود العريف ليصف للرائد كيف اختفى "طاش باش" قائلاً: ضربتنا العاصفة الثلجية وخيم علينا ظلام دامس. في تلك اللحظة سمعت صوتاً يقول: يا علي يا سراج هذه الدنيا، كان ابن "طاش باش" في المقدمة ونحن نمشي وراءه, وفجأة انفجرت أمام أعيننا أنوار صاحب الصوت, ثم انطلق إلى الجبال كالرصاصة". "يشار كمال" كاتب متفرد وبارع في إمكانية خلق الشخوص وفي وصف منظر ما. يتفجر مخزون الفلكلور لديه مع تشابك هموم الإنسان والأرض. إنه يكتب ليصور خيبة الأمل لدى المعدمين من البشر في بلاد الأناضول, وذلك عندما يندفع المخزون المتراكم في مخيلتهم والمتشكل من خرافات وأساطير, فيوقدوا ناراً تطرد صقيع الطبيعة, وينشرون الحكايات المنسوجة من شرائط السحر والأساطير والفلكلور وحب الإنسان للحياة صافية بعيدة عن الخراب والجدب. * فصل من كتاب "ثلاثة أصوات" في الأدب التركي الحديث. |
|
|
|
 |
|
 |
|
إحصائيات المرصد |
عدد المقالات: 6152
عدد القراء: 4040662
|
|
|