|
جدل مع أدونيس حول صورة الشاعر وصفاته |
|
|
|
فيصل دراج
|
|
2006-05-08 |
|
صفحة 2 من 2 ويمثل رامبو، في رأي أدونيس، صورة للشاعر الذي يوحد في ذاته التجربتين الصوفية والشعرية، بشكل تكون فيه كل منهما صورة للأخرى. ومع أن أدونيس يبني تأويله على أساس أن شعر رامبو متحرر من آثار الثقافة اليونانية - اليهودية - المسيحية، على خلاف غيره من شعراء الغرب، فإن ما يجذبه الى ا لشاعر الفرنسي هو دعوى الأخير بالبحث عن المجهول والوصول إليه. فقد أخذ رامبو بجملة من المقولات التي يحتفل بها أدونيس، ويجعلها مدخلا ذهبيا للتجربة الشعرية، مثل الاطمئنان الى الرؤيا والإعراض عن العقل، وتأكيد "لغة الروح مدخلا للأسرار كلها" و"تعطيل فيم الحواس " والركون الى الانفعالات والهلوسة الطليقة. ولعل في فكرة "تعطيل فعل الحواس " ما يذكر بكثير من الأقوال الصوفية الاسلامية، مثل: " التصوف قطع العلائق ورفض الخلائق واتصال الحقائق "، أو "ليس الصوفي بمرقعته وسجادته ولا برسومه وعاداته، بل الصوفي من لا وجود له " (13). وفي حال كهذه، حيث يغيب الوجود وينتفي البدن، تنصرف الروح الى عالم جديد، قوامه النور والإشراق، تترجمه لغة جديدة متحررة من القيود كلها، بل يختزل الوجود كله الى لغة ا"نقية" و"مقطرة، "لا تعي ما تفقه به ". تتمثل تجربة رامبو في رفض معطيات الحس وأحكام العقل، والتطلع الى خلق عالم مضاد ينبجس من الحلم والخيال "وتشويش الروح المقدس ". وللعامل المضاد خلائقه التي على صورته، إذ "ا لمعمل يتمثل للشاعر مسجدا والعربات تتمثل له وكأنها تسير على طرق السماء" (14). تتكشف، في هذه المحاولة، صورة العالم الذي يريده الشاعر، أو صورة الشاعر الذي لا يرضى إلا بعالم مضاد، يلبي توقه، من حيث هو إنسان مختلف، وتتجلى، من جديد دعوى الشاعر - النبي، الكاره لما يرى والمتمرد على ما وجد، والذي لا يقبل إلا بعالم من صنعه، تختلف فيه الأشياء والأحوال عن العالم ا لمبذول. وتبدو مقولة "الضد" حافرة في العلاقات كلها، فعالم الشعر، كما لغته، مضاد للعالم المألوف، مثلما أن منظوره مضاد لأي منظور آخر. وهذا ما يعبر عنه رامبو حينما يقول. "أقول أن على المرء أن يكون رؤيويا. وعلى المرء أن يجعل نفسه رؤيويا". أما بلوغ مقام الشاعر الرؤيوي فيتم في تجربة حارقة، يتبدد فيها الانسان - الرأي بقدر ها يتبدد عالم الحواس ويتشتت، بحيث يتحول صاحب المعاناة الى "المريض الأعظم المجرم الأعظم، اللعين الأعظم - والعالم الأكبر، لأنه سيبلغ المجهول " ( 1 ). وفي هذا كله، فإن الشاعر لا ينسحب من عالم الأشياء الى عالم الروح، بسبب ذاتية مريضة لا تتحمل المألوف، إنما يذهب الى خياره بسبب الرسالة التي أوكلتها الموجودات إليه لأنها لا تحسن التفريق بين الغفلة واليقظة. بهذا المعنى فإن على الشاعر أن يصون الإيجابي المتبقي في العالم، وأن يوقظ البشر حتى يذهبوا إليه. ومهما كانت مقاصد الشاعر الرؤيوي وأسبابها، فإن تجربته، في لا عقلانيتها المتمردة، تستحضر الهذيان والغيبوبة وطلاسم الكلمات وهي لا تستحضر أثيرها الراعد بغية بناء قصيدة مبهمة، بل من أجل خير جماعي قوامه تملك المجهول والسيطرة الحقيقية على الحقيقة المطلقة ان عطف المجهول المستسر على الحقيقة المطلقة يعلن عن أزمة نفسية لا عن بحث معرفي، ويحيل صاحب التجربة على علم النفس لا على تاريخ المعرفة وإذا كان في تجربة رامبو ما يقربه من الصوفية الاسلامية، فإن في انغلاق أفق هذه التجربة وعبثيتها، ما يدلل على العبث الشعري الجميل في أفقه المسدود فعلى الرغم من دعاوى العالم ا لمبذول والعامل السامي المضاد له، تبقى تجربة رامبو تجربة في الشعر، لا يخفي جمالها الأكيد حنينها المستبين الى عالم السحر الأول، حيث تأخذ الكلمات ا لمجنحة، وهما، مكان الأيدي الخلاقة. ولعل ما يقرب رامبو من التجربة الصوفية، لا يعود الى تماثل التجربة أو تناظر المنظور، بل الى توافق الطرفين المجرد على الهروب من الواقع واللجوء الى فضاء الغيبوبة والأسرار والشطح، من أجل،"فض السر الأكبر". وربما يسمح الرجوع الى كلمة الشطح، بمعناها الصوفي، باختصار تجربة الطرفين وتبيان التشابه بينهما. نقرأ عن عذاب الصوفي: "لقد توغل في معراج السلوك ففني عن كل ما سوى آلته، وتطهرت روحه من كل ما لا ينتسب إليه. فصار في حال فناء عن وجود السوي وشهود السوي وعبادة السوي. وتجلى له الحق لأول وهلة، فلم يصبر على ما شاهد، بل اندفع يصرخ وهو سكران بحميا الرؤية. أنا أنت لقد فض له عن السر الأكبر. فلم يقو على حمل هذه الأمانة العظمى في باطنه، ففاض لسانه بالترجمة عنها حتى يكون في هذا تصريف لما انطوت عليه من شحنة هائلة، وتلك ظاهرة الشطح " (16). تتضمن هذه الفقرة عناصر ثلاثة، تشير الأولى منها الى، "تعطيل فعل الحواس "، الذي تحدث عنه رامبو، وتوميء الثانية منها الى المجهول الذي تم الوصول إليه (الحق أو آلته، أو الحقيقة المطلقة)، بى يعين العنصر الثالث اللغة، التي تترجحم "الوجد الذي فاض عن معدنه "، لغة تصلحها النفس لتقول ما رأت. تقوم التجربة كلها في مقام المجرد، فلا مكان ولا زمان، إلا من المتناهي المأخوذ باللامتناهي. ولذلك فإنها تشرح أشياء من أحوال الشاعر، ولا تصف من ظاهرة الشعر شيئا، لأن الشعر يدرس في تاريخ الأدب، بعيدا عن عالم السحر واللاهوت. مع ذلك، فإن فكرة الشاعر - النبي، المتصوف الذي يتوسل الحقيقة، لا تتضح إلا إذا ربطت بالسياق الذي ولدت فيه " لأن الربط هذا ينزع عنها صفة الإطلاق ويعطيها معقولية أخرى. فالشاعر - النبي، الذي ينحدر من الرومانسية الشعرية الإنجليزية، تفسره الشروط الاجتماعية التي أنتجته، والتي لا تنفصل عن التحولات التي أحدثتها الثورة الصناعية، ويتعرض ريموند ويليمز، في شرحه لمعنى "الفنان الرومانتيكي " الى نقاط عديدة. ومنها علاقة المبدع بقارئه، التي تهمش فيها ما هو شخصي، بعد تحول "الكتاب الشعري لا في سوق الثقافة الى سلعة بين السلع الأخرى. أصبح الكتاب يذهب من صاحبه الى قاريء مجهول، تحدده السوق لا رسالة الشاعر. فقد كان مفهوم السوق الثقافية، وهو موجه الى كم كبير من البشر، أن يخلق ما يدعى ب ة الجمهور القاريء، الذي يطالب بمعايير فنية، فيها من اليسر و"التبدل "، أحيانا، ما لا يقبل به الشاعر ويتمرد عليه. يضاف الى ذلك مفهوم الصناعة أو التصنيع الذي جاءت به الحضارة الصناعية والذي في تأكيده على "المصنوع " و"المنتج الصناعي " قد ألغى العفوية والتلقائية. وكما دافع الشاعر عن فرديته أمام صنمية السلعة، حيث الإبداع المعين سلعة لا اسم لها في سوق كبير، فإنه واجه بغضب شديد تصنيم الصناعة وتمجيد الآلة. وأخرج في هذه المواجهة تعابير الوحي والإلهام والإشراق، وصولا الى فكرة،"العبقري المتوحش " التي قال بها سقراط في حديثه عن الشاعر. وليس من الصعوبة - هنا - أن تلمح إحتجاجا على النزعة العقلانية المفرطة، التي لازمت الثورة الصناعية. أفضت العناصر السابقة الى فكرة المبدع المستقل، أي العبقرية القائمة في ذاتها، بما يشتق منها من صفات الرائي والرسول، والتي تحن في جوهرها، الى زمن انقضى مليء بالأسرار وينحني خاشعا أمام العارف الذي يفض الغوامض (17). ولا يبتعد ادمون ويلسون، في كتابه قلعة اكسل، كثيرا عن تحليل ويليامز، وإن كان يعالج موضوعه دون تفاصيل كثيرة. يقول ويلسون. "أحد الأسباب الرئيسية في انسحاب شعراء نهاية القرن الماضي من حياة عصرهم العامة، كان بالطبع أن المجتمع الفائدي الذي أنتجته الثورة الصناعية وصعود الطبقة الوسطى لم يترك للشاعر مكانا فيه " (18). يأتي هذا القول في معرض شرح الجموح الشديد الذي ميز تجربة رامبو. إن تأمل صفات الشاعر الرومانتيكي، في السياق الاجتماعي - التاريخي، الذي دفع إليها، يهذب الكثير من الإيحاء الميتافيزيقي الملازم لصفات الشاعر النبي أو الشاعر - العراف، أو الشاعر الرؤيوي يتحول الشاعر، في صفاته الوهمية المتعددة، الى. معلم، لا أكثر ولا أقل، يرفض قصيدة قديمة ويقترح قصيدة جديدة ويتوق الى عالم مختلف عن عالمه. بل إن هذا الشاعر الذي توحي رومانسيته بأنه متعال عن الوقائع اليومية، كان متورطا بعمل سياسي يومي. يكتب ريموند ويليامز في كتابه "الثقافة والمجتمع " ( 1780 - 1950 ). "إن وردزورث كتب منشورات سياسية. وكان بليك صديقا د توم بن وجرب العصيان، وكتب كولريدج مقالات صحفية سياسية وفلسفة إجتماعية، وإن شلي بالإضافة الى هذا، وزع منشورات في الشوارع، وكان سوذي معلقا سياسيا دائما، وتحدث بايرون عن الاضطرابات ضد النظام، ثم مات متطوعا في حرب سياسية" (19 ). تبين هذه الإشارات أن فكرة الشاعر - الرائي لا تتضمن قسرا، التعالي والانعزال والبرج العاجي والذوبان في مياه البلاغة الفضية،بل هي مجاز لمنظور نظري وعملي، يعلي من شأن الشعر، دون أن يساوي بين الشاعر والمطلق، وحتى رامبو المأخوذ بالنور والإشراق والعوالم المضادة، كان نصيرا متحمسا لـ "كومونة باريس "، التي حاولت بناء "سلطة اشتراكية " جديدة. ومثلما لا يستبين معنى الشاعر الرومانسي الرسول إلا بالعودة الى سياقه، فإن المعنى ذاته ينسحب على الصوفي، الذي يضيق بالعوالم الضيقة ويتطلع الى الانفتاح على المطلق، أو الذي يحتج على سلطة سياسية لا تلبي في أفعالها روح النص الديني. فحال المتصوف، كحال الشاعر الرومانسي، ترد الى شرط يفرض التمرد ويمليه ويفرض الشكل الذي يأخذه التمرد، من حيث هو شكل معين يرتبط بمستوى وعي معين. يكتب رينولد أ نيكولسن في كتابه ""في التصوف الإسلامي وتاريخه " ما يلي. "فإن هذه العوامل في جملتها تكون الظروف التي نشأ فيها التصوف وترعرع، سواء في تلك العوامل السياسية أو الاجتماعية أو العقلية، كالاضطرابات والفتن الداخلية في عصر بني أمية، وموجات الشك والتعصب العقلي التي طغت على المسلمين في العصر العباسى الأول، كالتطاحن المر بين أصحاب المقالات والفرق... " ( 20) وفي الحالين، فإن في اختلاف السياق التاريخي، ما يعطي متمردا يرفع لواء الشعر وما يعطي متمردا آخر يعيد قراءة النص الديني، دون أن يعني ذلك على الإطلاق أن المتمرد الأول يماثل المتمرد الثاني ويماهيه. ويبدو أن أدونيس، الذي يساوي التجربة الشعرية بالتجربة الصوفية، يقرأ التجربتين، بعد أن يعزلهما عن سياقيهما التاريخيين المختلفين، وبعد أن يفصل فيهما بين النظري والعملي. وهذا الفصل، في القراءة المجزوءة يسمح له أن يجرد التجربتين، وأن يختزلهما الى مفهوم المطلق الشامل، الذي يحتفل به الشاعر الشامل، بل يمكن القول. إن أدونيس لا يشتق مقولة المطلق بعد قراءة مشخصة للتجربتين السابقتين، بل إنه يبدأ قراءته بتطبيق مسبق ومجرد لمقولة المطلق عليهما، الأمر الذي يتيح له أن يعزل التجربة عن السياق والعملي عن النظري. ولعل هذا التجريد هو الذي يجعل أدونيس مبهورا بتجربتين تختلفان في سياقهما عن السياق الذي يعيش فيه. فليس في سياق أدونيس الراهن، من ناحية ما يحمله على الاحتجاج على الحضارة الصناعية أو السيطرة المستبدة للعقلانية. فالعالم العربي لا يزال في معظم أقاليمه، إن لم يكن كلها،بعيدا عن الصناعة أو الثورة الصناعية، مثلما هو بعيد عن صنمية الآلة وتصنيم التصنيع. ولا يختلف وضع العقلانية عن وضع الصناعة، فأشكال التفكير المسيطرة تأخذ بالتصورات التي تسمح لها التريية المسيطرة بالأخذ بها، دون أن تلتقي بالعقلانية إلا في حالات عارضة. وإذا كان الشاعر الرومانسي الإنجليزي يشكو من سيطرة المهندس، فإن هذه الشكوى لا وجود لها في سياق أدونيس، لأن رجل الدين فيه يحتل مكان المهندس. وواقع الأمر لا يختلف فيما يمس التجربة الصوفية، التي ترد، في جوهرها العميق، الى قراءة ذاتية مغلقة للنص الديني. إشارات 1 - كولريدج: النظرية الرومانتيكية في الشعر، دار المعارف بمصر، 1971، ص 251. 2 - أدونيس: زمن الشعر، دار العودة بيروت، 1978، ص. 101، 6 10، 3 - أد ونبعمى 2 !لفيبرفية والسريالية، دار السا قي، بيروت، 1992، ص 4 - بول فان تييفيم. الرومانسية في الأدب الأوروبي، الجزء الثاني، وزارة الثقافة، دمشق، 1981، ص 137 5 - المرجع السابق، ص 132. 6 - المرجع السابق.، ص: 132. 7 - المرجع السابق، ص 138. 8 - المرجع السابق، ص 140. 9 - المرجع السابق، مر 1410 10 - شلي: برومثيوس طليقا، ترجمة لويس عوض، الهيئة المصرية العامة للكتاب،1987،ص 90. 11 - المرجع السابق، ص 111. 12 - أدونيس الصوفية والسريالية، ص 176. 13 - رينولد أ. نيكولسن في التصوف الإسلامي وتاريخه، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1956، ص 40. 14 - أرشيبالد مكليش، الشعر والتجربة، دار اليقظة العربية، بيروت 963 1، ص 2 9 1 15 - أدهون ويلسون قلعة اكسل، المؤسسة العربية، بيروت 1979، ص. 16 - شطحات ا لصوفية (عبدالرحمن بدوي )، وكالة المطبوعات، الكويت، 1978، ص 9. 17 - أدمون ويلسو ن، مرجع سابق، ص 207. 18 - ريموند ويليامز: الثقافة والمجتمع، الهيئة ا لمصرية العامة للكتاب، 9 1 - المرجع السابق، ص 47 - 48 20 - التصوف الإسلامي، مرجع سابق، ص 73
|