|
جدل مع أدونيس حول صورة الشاعر وصفاته |
|
|
|
فيصل دراج
|
|
2006-05-08 |
|
صفحة 1 من 2
صورة الشاعر في التصور الرومانسي يعطي أدونيس للشعر دلالة تضعه فوق أجناس المعارف كلها. فالشعر كشف ورؤيا، يخترق الظاهر الى الباطن، ويرحل من الحاضر الى المستقبل، ويهاجر من المعلوم الى المجهول، ويرى الأشياء المفككة في وحدتها العميقة. وكما يكون الشعر الحقيقي يكون الشاعر، يتوحدان ويستويان في الدلالة وتتوزع عليهما الأسرار. تحيل أفكار أدونيس على المدرسة الرومانسية إذ خوذة بصورة الشاعر - الرائي، الباحث عن الحقيقة المطلقة في عالم يرى ولا يرى، حيث الشاعر متصوف بجوهره، والمتصوف شاعر بالضرورة. يلتقي الشعر بالتصوف، في منظور رومانسي، يعزل الشاعر عن غيره، ويبني زمن الشعر في فضاء مفارق لازمن له. يكتب كولريدج في "السيرة الأدبية"، "إن سؤال ما الشعر؟ من الدنو من السؤال نفسه ما الشاعر؟ الى حد أن الإجابة على واحد منهما متضمنة في حل الآخر. ذلك أن الوضوح الذي يساند ويكيف الأفكار والعواطف في عقل الشاعر ذاته ناتج عن العبقرية الشعرية نفسها، فالشاعر إذا أردنا وصفه في كماله المثالي، يدفع روح الانسان من كل أطرافها الى النشاط مع ترتيب قدراتها المختلفة الواحدة أدنى من الأخرى حسب قيمة كل منهما ومقامها النسبيين " ( 1 ). ينطبق قول كولريدج ظاهريا على أدونيس، بمعنى مزدوج، فهو يأخذ بصفات الشاعر الرومانتيكي، ويضيف إليها صفات أخرى، مثلما أنه يماهي الشاعر مع القول الصادر عنه. وتظل ا"العبقرية الشعرية"، في الحالين، مرجعا يضيء ماهية الشعر وقائله. يتكيء أدونيس على، " سر الشعر" ويعطي للشاعر صفاته المتعددة نقرأ في كتابه. "(زمن الشعر" التوصيف التالي "فالشاعر، تحديدا، ثائر.. الشاعر شاعر بالحرية أولا"، "كل شاعر ثوري هدام كبير للمعروف، لأنه خلاق كبير للمجهول"، "إن دور الشاعر هو أن ينقض باللغة الثورية بنية الحياة الشعرية الماضية. وإذا أدركنا أنه ليس ثمة انفصال بين اللغة والحياة، يتضح لنا أن دور الشاعر لا يقتصر على تثوير اللغة، أو تنقيتها وغسلها من "أدرانها" القديمة، وانما يتجاوز ذلك الى تنقية الفكر، وبالتالي الانسان والمجتمع "، "الشاعر يرصد العالم كله، وينبيء بتحولاته، ويضيء هذه التحولات"، "لا يكون الشاعر أو الشعر إلا إذا اغتسل من ركام العادة - يحترق بناره، ينبعث من رماده، هكذا يتقطر.الماضي في لحظة الحضور" ( 2 ). إذا ابتعدنا عن كتاب ا"زمن الشعر"، وذهبنا الى كتاب آخر، صدر بعده بعقدين تقريبا، وهو ة "الصوفية والسريالية"، عثرنا على صفات جديدة للشاعر: ا"فالشاعر هو من يوحي أكثر مما يوحى له " و، "الشاعر الرائي يستهويه تحوله الى نبي "، ""وفي هذه الحالة ليس الرائي هو من ينطق أو من يفكر، وإنما هناك سر هو الذي ينطق بلسان الرائي. لا الأنا - بل المجهول أي تلك الوحدة الخفية بين الأنا والعالم " ( 3). تتراءى صورة الشاعر، في البدء في أفعال الهدم والبناء والحرية والثورة، وفي تنقية الفكر واللغة والمجتمع. وتكتمل الصورة، لاحقا، في الانتقال من فعل الشاعر الى ماهيته التي تحض على الفعل، إذ الشاعر يقرأ لوحة المستقبل، معتمدا على الوحي وعلى مجهول يلقنه الكلام، توميء الصورة الى الشاعر الذي "يوحي أكثر مما يوحى له "، والجدير بالاحتفال بسبب المجهول الذي يسكنه. والربط بين الشاعر والإلهام قديم، ويرجع الى التقاليد اليونانية اللاتينية. فقد أسبغت هذه التقاليد على الشاعر ثوبا من الجلالة، فربات الشعر وضعت على لسانه قولها، وجعلت منه،"ترجمان الإرادة الإلهية والعراف والنبي، ومعتم الحكمة، وباعث الحياة المتحضرة، الذي يقدم مثلا أعلى، دينيا واجتماعيا، يضعه فوق الكاتب " ( 4 ). وعلى الرغم من هذا الإجلال، فالأساطير اليونانية كانت ترفع من مقام الشاعر وتخفضه في آن، ترفعه حين تربط إلهامه بربات الشعر أو بأبولون مباشرة، وتخفضه حين تجعل منه حاملا سلبيا لقول ليس له. وإذا كانت التحولات الاجتماعية، لاحقا، قد حررت الشاعر من رباطه المقدس، أو ألقت عليه ببعض الظلال، فإنه استعاد صورته الأولى في سطور المرحلة الرومانسية، التي بلغت ذروتها، في أوروبا، في النصف الأول من القرن التاسع عشر. فقبل هذه المرحلة أي في المرحلة الكلاسيكية، كانت للشاعر صفات الفنان، التي لا ترفعه فوق البشر، ولا تنسبه الى ماهية مختلفة. وجاءت المرحلة الجديدة، التي لا تنفصل عن سياق معين، لتعيد الشاعر الى فضاء القداسة الأول، ولتغدق عليه صفات تمايزه عن غيره. استعاد صفات الفرادة في زمن مختلف، فهو تجسيد للطهر الذي هجر العالم وإشارة الى البراءة المفقودة. إن تمسك الشاعر بالإيجاب المفقود، كما تمرده على السلب الموجود، جعل منه مغتربا بامتياز، حتى أصبح الاغتراب محايثا له وسمة لوجوده. وصدر الاغتراب الشامل عن سببين يرد أحدهما الى ماهية الشاعر، وثانيهما الى وظيفته. فالشاعر لا يأتلف، في هواجسه،مع الانسان العادي، يتطلع الى المجهول ويرى ما لا يرى، مثلما أنه ينكر العالم الذي قوضته العادات ا لمتراكمة، ويتطلع الى عالم جديد ومغسول ومشبع بالنقاء. تكشف جملة أدونيس عن "الخلاق الكبير للمجهول " عن الاغتراب المختلف إذ الشاعر يخلق المجهول في زمن اجتماعي أدمن على قراءة المعلوم. يختلف الشاعر عن الإنسان العادي بقدر اختلاف المصادر التي يستمدان منها المعرفة. فالانسان العادي يظفر بنصيب هن المعرفة، بالاعتماد على التجربة والتعتم والتلقين، بينما يحظى الشاعر بمعرفته متوسلا الحلم والخيال و"عين القلب ". يكتفي الأول بالعقل والتجربة الملموسة والقياس المنطقي، ويتمرد الشاعر على العقل والمنطق ويقصد أغوار الروح التي تفتح له الأبواب الموصدة. وتباين الطريقتين في التماس المعرفة، يعبر عن اختلاف الحقيقتين اللتين تم التوصل إليهما، فمعرفة الانسان العادي مجزوءة، كما طموحه، أما المعرفة الشعرية فتتكشف تتويجا للحقيقة أو طريقا مضمونا للوصول إليها. و"العبقرية الشعرية" التي جاءت في سطور كولريدج، هي الرؤيا التي تمتلك الحقيقة، اتكاء على بصيرة الحلم وعين الخيالي. تتجلى الحقيقة، في تجربة الشاعر، منهجا وغاية في اللحظة عينها، توحد ما تفرق، وتؤالف ما اختلف، وتكشف عما احتجب، وتستقدم ما ابتعد. يقول نوفاليس: "الشعر ها كان حقيقيا بشكل مطلق. وكلما كان الشيء شعريا كان حقيقيا "( 5 ). يتماهى الشعر بالحقيقة ويغدو النهج الذي يفضي الى الحقيقة.وهذا ما يؤكده أدونيس حين ينتقد محدودية المعارف المتعارف عليها، علمية كانت أو تقنية أو أيديولوجية، لأنها تكتفي بالنسبي، تاركة المطلق من نصيب الشعر وحده. ولعل هذا القران بين الشعر والمطلق، هو ما يجعل من الشعر منبعا للحكمة وحين يقول كيتس: "الجمال هو الحقيقة" ( 6 ). فإنه يمكن إعادة صياغة العبارة في احتمالاتها الممكنة، إذ الشعر هو الحقيقة والجمال والخير والإيجاب كله في آن. وإذا كان الشعر هو الشاعر، وهو ما يلتقي فيه أدونيس مع كولريدج أيضا، فإن المطلق الذي يلازم الشعر يلازم الشاعر بالضرورة. والمطلق يتخلق في ذاته، ويخلق حقيقة لا يدركها سواه. يقول فريدريك شليجل: "(ينبغي للشاعر أن يخلق أخلاقياته، كما يخلق فنه، ينبغي له أن يكون مشرعا لنفسه ) ( 7 ). يحقق الشاعر ذاته في العزل - الذاتي، الذي يفصله عن الآخرين، فله لغته وعاداته وأعرافه التي تحيل على ذاته ولا تعترف بما هو خارجها. يغدو جذرا لذاته، أو يصبح الشاعر - الأصل، بلغة أدونيس، فكل ماله جاء منه، وكل ما ورد على لسانه جديد وغير مسبوق. وهذا ما قصد إليه أدونيس حين أسبغ على الشاعر صفاته المستبق والرائي والمغسول والقائل بقول غير مسبوق.. وهذه الصفات، وما شابهها، متناثرة في النصوص الشعرية الرومانسية وفي أقوال الشعراء الرومانسيين: "خلق الشاعر كي يشرح العالم والتاريخ للناس، لأنه يقرأ كلام الله (بالانش ). إن الله يتجلى إما مباشرة في الطبيعة،وإما بواسطة الشاعر (هوجو)... والشعراء أصداء شجية منثورة في الكون (لامارتين )" (8). تعلن هذه الأقوال عن الحقيقتين اللتين تصوغان ماهية الشاعر: تربط الأولى منهما بين الشاعر ومعرفة خاصة لا يحسنها غيره، وتشد الثانية منهما الشاعر الى محراب المقدس، فهو يقرأ كلام الله، ويفصح عن وجوده، ويقبض على السر المتناثر في أرجاء الكون. تفضي هذه الحقيقة، في شكليها، الى فكرة: الشاعر - الرسول، الذي يشرح قولا يستعصي على الآخرين إدراكه، هذا من ناحية، والذي يترجم قولا قريبا من المقدس، من ناحية ثانية. تكمل صورة الشاعر - الرسول غيرها من الصفات، وترفع الشاعر الى مقام مختلف عن البشر، ويتحول الشاعر الى إشارة مزدوجة، ترد الى إنسان ناطق بالحقيقة والى كيان مقدس في آن. ولذلك لا يكون غريبا أن يكون موئلا للفضائل الحافرة والغائبة معا، يرد الى البراءة المفقودة والجمالي المهجور والخير المندثر، و"يحتفظ ببساطة الطفل " و"يتوافق مع الأشياء والحياة الطبيعية" ويردد ""أصوات الطبيعة" وينقلها الى البشر. يحمل الشاعر زمنه فيه وينأى عن أزمنة البشر، فهو حامل الخير الذي كان والحقيقة التي كانت. ينوس قول الشاعر بين زمن ماض كان وانقضى وزمن قادم يستعيد الأصل القديم. ولهذا فإن الشاعر الحقيقي لا يعيش في زمنه أبدا، بل يغيب فيما انقضى أو يسافر الى ما لم يأت بعد. وهو الأمر الذي يقيم علاقة ضرورية بين الشاعر والاغتراب وبين الشاعر والمنفى. يغترب الشاعر عن زمن يبحث عن المنفعة ويحتفظ بالعادة ويعرض عن حديث القلب. بل يمكن القول، وبلغة هيجيلية إن زمن الشعر هو زمن البراءة الأولى، في حين أن زمن النثر هو زمن الإثم اللاحق. ولعل التناقض، الذي لا تصالح فيه، بين زمن الشعر وزمن النثر، هو الذي يصل بين الشاعر والنبي، وبين الأول ورغبة الإصلاح العارمة. ويكون الشاعر، في هذا كله، منفيا في المكان والزمان، لا يرضى بالآخرين ولا يرضى الآخرون به، تلازمه الحيرة والقلق، ويسكنه رفض ثقيل يصل الى حدود الرعب. يشرح،" ليرمونتوف " أحوال الشاعر فيقول. "إن الشاعر يجتاز متخوفا شوارع المدينة، والناس يصيحون به ويرجمونه، ويقولون أثناء عبوره. لقد حمله كبرياؤه على هجر مجتمعنا لقد اغتر ذلك المجنون المسكين بأن آلته أنزل عليه وحيه ! وهاهو ذا شارد اللب، مضنى، عار، بائس يزدريه كل الناس " (9). تتجمع في هذه الجملة، من جديد، صفات الشاعر الرومانسي، فهو المنبوذ والمرجوم، لا لشيء إلا لأنه يترجم القول الإلهي الموحى إليه، وينكر القول البشري الذي علاه الغبار. مع ذلك، فإن المنبوذ المسكين في لغة النثر هو "الانسان الكامل " في لغة الشعر، الذي يرفضه الآخرون بسبب رغبته العارمة في إصلاح شؤون الآخرين. ولقد عبر شلي، الرومانسي الإنجليزي في مقاله: "دفاع عن الشعر" عن حقيقة "الانسان الكامل "، الذي يمثله الشاعر، فقال. ""الشعراء هم الكهنة الذين يتلقون وحيا خفيا،هم المرايا التي تعكس الظلال الماردة يلقيها المستقبل على الحافر. هم الألفاظ التي تفصح عما لا تفقه، هم الأبواق التي تدعو للمعركة لا تحس بما تلهبه في النفوس من حماس، هم القوة التي تحرك الأشياء ولا يحركها شيء الشعراء هم شراع العالم الذين لم يعترف بهم إنسان " ( 10). تتراءى في أقوال شلي أقوال أدونيس عن الشاعر الذي،"يوحي أكثر مما يوحي له "، وعن الشاعر"الذي يستهويه أن يكون نبيا". وفي الحالين، يكون الشاعر حيث أرادت له "اللغة المقطرة" أن يكون، منفردا في مواصفاته ومتميزا في رسالته ومغتربا في مصيره. يلتقي بالكهنة بالظلال الماردة وبمستقبل غير مرئي، ولا يعترف به، في أشواقه النبيلة، أحد. وبسبب هذا الوضع الغريب تكون لغة الشاعر غريبة على صورته، موسومة بالوحي وبتراتيل الكهنة، بل إنها قادمة من زمن آخر. لغة تكشف القول وتحجبه، فمن يوحى له، في زمن مغترب، ينطق بما أرادت له اللغة، لا بما أراد له الوحي أن يقول. ويعبر في لغته المغتربة "التي تفصح عما لا تفقه "، كما يقول شلي، عن توق الى زمن لا اغتراب فيه، تساوي فيه الكلمات دلالاتها وتفقه ما تفصح عنه، دون انزياح. يلتقي الشاعر بالنبي، كما الشعر بالدين، في أكثر من مكان. يتقاسمان الإلهام واللغة المغتربة والتبشير بعالم أفضل. مع ذلك فإن الشاعر ينتسب الى الشعر قبل أن ينتسب الى أي فضاء آخر، الأمر الذي يجعل الشاعر، كعصا يراه شلي ورومانسيون غيره، يلخص في قوله الشعري رسالة "جوهر الأديان " دون أن يرد الى ديانة محددة. يقرب مفهوم الوسيط - البشير الشعر من الدين، فكلاهما وبشكلين مختلفين وسيط الى عالم مغاير للعالم القائم ونقيض له، ينتفي فيه الاغتراب ويحقق الانسان وحدته المفقودة. وانتساب الشعر الى الدين، كما القول بدين الشعر، أمر لا جديد فيه، عرفته حقول أخرى من المعرفة. فقد تحدث مكسيم جوركي عن مزايا الفن، ورأى فيه دينا للمستقبل، ورجع روجيه جارودي الى الفكرة ذاتها، لاحقا، وأعطاها إضاءة جديدة. أما في الفلسفة فقد اقترح فيورباخ "دين الانسان " الذي يحتفظ بالرسالة الدينية، ويضع الأبعاد ا لمتعالية جانبا. وعلى هذا، فإن شلي، المنتسب الى عالم الكهنة، لا يتجاوز الدين ولا ينفيه، بل يتمرد على "الدين المؤسساتي " ويدافع عن الدين في "جوهره الصحيح ". وهذا ما وضحه لويس عوض، في مقدمته الشهيرة المسرحية شلي: " برو مثيوس طليقا " حين كتب. "ومن هنا نرى أن شلي الذي كان أشد الناس عداوة للكنيسة ورجالها ونظمها وتعاليمها. كان أقرب المفكرين الى روح المسيح. لقد كان ثائرا على المجتمع ومواصفاته وناقما على الدين لأن الدين خرج عن فكرته الإنسانية وأصبح مؤسسة اجتماعية كبنك الدولة أو وزارة الدعاية أو البرلمان في أي مجتمع. ولكنه ظل محتفظا بالجوهر المسيحي في جميع آرائه الأساسية رغم تنكره للأشكال التي اتخذتها المسيحية في العصور المختلفة" ( 11). وواقع الأمر، أن المثال الأفلاطوني محايث لتصورات الشاعر الرومانسي، فالأخير يتمرد على عالم -أصابه العطب والفساد، ويدعو الى استعادة الجوهر الأول، في القول والإيمان والسياسة. وإذا كان الشاعر في وظيفته، من حيث هو وسيط - بشير، يقرب الشعر من الدين، فإن الرسالة الشعرية، في لغتها المرمزة، تقرب بين التجربة الشعرية والتجربة الصوفية، يعود التقارب الأول الى تشابه ا لمنظور والوظيفة ويرجع التقارب الثاني الى الشكل اللغوي، الذي يركن إليه الشاعر والمتصوف معا. فالأول كما الثاني يأخذ بلغة مرمزة، تشير الى موضوع وتحيل على موضوع آخر في آن. وما لغة الرموز إلا ترجمة لوعي قلق يعرض عما يعرف ويخاطب ما لا يعرف. والمعرفة ا لمقصودة والمجهولة في اللحظة عينها، هي التي تفرض لغة الرموز، وتجعل من اللغة المرمزة تعبيرا موضوعيا عن القلق على التجربتين الصوفية والشعرية الرومانسية. يتجلى هنا ومن جديد، الفرق بين الشعر والنثر، فالأول يستدعي لغة تقبل بالإبهام والغموض، والثاني يركن الى لغة أكثر وضوحا وشفافية ولذلك عظم الصوفيون من شأن الشعر، وتعاملوا مع القصيدة بإجلال كبير، مثلما نظر الشعراء الرومانسيون الى التجربة الصوفية بانبهار لا ستار عليه. يقول أدونيس "كل شاعر حقيقي هو، في هذا ا لمستوى، صوفي أو سوريالي: يتوق الى عالم وراء العالم الأليف، واعيا أن ذلك لا يتم له إلا بشرطين: الأول هو التخلص كليا من المناخات الشعرية التي تأسست اجتماعيا من أجل أن يكون نقيا في ذاته وفي لغته، والثاني هو الانسياق وفقا لهذا النقاء، في مجهول اللغة ومجهول العالم " (12) يبرر المجهول المزدوج اللجوء الى لغة مغايرة، تختلف عن لغة المعلوم. تحيل اللغة "النقية في ذاتها" الى رؤيا فردية، تقطع، وبسبب ذاتيتها المغلقة، مع المناهج المعرفية المتداولة، أي تصبح لغة الرموز رسالة ومنهجا في آن. |