|
هنادة الحصري
|
|
2006-05-08 |
|
صفحة 3 من 3 ومما يَلْفِتُ النظرَ أن " غادة السمان " رَغْمَ شهرتها الأدبيةِ ونجاحِها في الكتابة ورصيدها الجماهيري ما زالت تُدير ظهرَها إلى العالم، وذلك يَعني أن الأديبَ المبدعَ لا يقايِض على أدبه بسعادةٍ خارجية لا تَجْلِبُ له العزاءَ، فجروحُه لا تندمِلُ، لأنه يواجه الموتَ الذي يخشاه بالكتابة. ولن يكون للكتابة معنى إذا تَمَّتِ المصالحةُ بينَه وبينَ العالمِ وما دام الموتُ المرتَقَبُ يُهدِّدُهُ، لذلك فهو يحارب بالكلمات لعل خلودَها يَقْهَرُ موتَهُ الجسديَّ: في النهاية سَتُحْرِقُ الشمسُ الأجنحةَ كلَّها بدءا بآدمِ ومرورا بنوحٍ فالطُّوفانُ لا يوفِّرُ أحدا حتى الذين نَجَوْا من سفينة نوحٍ أبحروا إلى الموت فليس لها إذن إلا أن تصادِقَ موتَها وهي تَعْلَمُ أنَّ لا صديقَ لها في هذا العالم سوى كلماتِها وكتاباتِها: ليلةَ أُُُُزَفُّ إلى موتي لن تبدوَ على وجهِي المزْرَقِّ سعادتي بفرحٍ سأرى قبيلةً من أحبائي تدخُلُ إلى بيتي لِتَلْتَفُّ حولَ جثتي إنهم أبطالُ قِصصي وقد غادروا صَفَحَاتِ رواياتي وقصصي فَهُمْ وحدَهُمْ يَعرِفونَ أنني لم أَمُتْ ماداموا أحياءً سيُنشِدونَ لي... وللمرأة العربية تاريخٌ طويلٌ مسبوكٌ بالعَثَراتِ.. لكنها تَمْلِكُ دائما" القدرةَ على الاستمرار وتجاوزِ العقبات والمحن. تقول: حينَ تضمُّ امرأةً عربيةً إلى صدرك بين مِيْتَةٍ وأخرى من مِيتاتها فأنتَ لا تَضُمُّ إليكَ امرأةً بل تاريخَ مَجَرَّةٍ من المباهج والأحزان والاستمراريةِ رَغْمَ كل شيءٍ وغادةُ أسيرةُ تقاليدَ قاسيةٍ لا تستطيع أن تتحرَّرَمنها، تقول: أنتمي إلى قبيلة الضوضاءِ والغبارِ والضبابِ والثرثرةِ لاشيءَ صُلْبا حَوْلي سوى لِحى الأجدادِ ولذا نتمسَّكُ بها ونتدلى منها مثلَ الخفافيشِ المَعْدِنِيَّةِ في الليل الفضائي للألْفِ الثالثةِ. أما النزوعُ إلى الحرية فهو يُشَكِّلُ سِمَةً بارزةً من سِماتِ " تبويم غادة الليلي ": حبي الكبيرُ اْسمُهُ الحريةُ أما المدينةُ لعشاقٍ كُثُرٍ فهي مِقْصَلةُ الغربةِ (أنا فخورة بحريتي تماما بمقدار ثقتي بمقدرتي على تحمل مسؤلياتها،انني لا أخاف من الرجل ولا أشعر بعقدة نقص و لذلك أعامله بطريقة أكتشف فيما بعد أنها تثير غيظه و ألسنة الناس، ولكن كان عليّ أن أختار بين أن أحتفظ بنفسي أو أن أحتفظ بألسنة الناس،أعتقد أن المرء لا يتردد كثيرا بين هذين الاختيارين. إلا أن الحريةَ عند "غادةَ " لا سَقْفَ لها فهي لا تُمْتَلَكُ إن كانت محدودةً أو مشروطةً. تقول: فقط حين شَعَرْتُ أنه لم يعُدْ لديَّ ما أقولُه لهمْ دفاعا عن نفسي ولم أَعُدْ أُبالي بهجومٍ أوِ افْتِراءٍ أو تحرشٍ مُغْرِضٍ ... فقط حين صرتُ حقا بومةً ليليةً لا مباليةً حين توهَّموا أنني سئمتُ بدأتُ الكتابةَ بشهيةٍ ليليةٍ حقيقيةٍ مفعَمَةٍ بالحرية. واكتشفتُ ربيعَ مِحْبرتي وفَْرحتي الأبجدية... وفضاءُ الحرية هو الفضاءُ الذي يخلو من أدوات الرَّقابة والقَسْر حين يُعْنى الملأُُ بقراءةِ ما تكتبُ أكثرَ مما يحققون بقراءةِ جواز السفر: ليتَ الناسَ تُطالِعُ كتبي بالشهية التي يُطالعُ موظفوا الأمن جوازَ سفري كلما سافرت إلى" مَجْدِسْتَان " إلى" قَمْعِسْتان " ليت حبيبي يقرأُ رواياتي مثلَ موظف الرَّقابةِ بإمعانٍ فيما بينَ وراءِ السطور ومابينَ السطور فلو فَعََلَ، لأَدْرَكَ جنوني بالحرية أمْ أنَّ الرقيبَ وحدَهُ. هو قارئي الحقيقيُّ والحبيبُ الحقيقيُّ لأبجديتي والحب عند غادة ليس قيدا لحرية المحبوب. تقول: تَدَقُّ المسمارَ في جدار غرفة نومك وبدلا من تعليق صورتي تحاولُ تعليقي على الجدار. أهذا ما يدعوه البشرُ بالحب؟ كيف أتخلى عن طيرانِ ليلِ الحرية والأسرارِ العالقةِ في أجنحتي وغبارِ الظلال التي تُلَطِّخُ ريشي لأَتَحوَّلَ إلى بومة محنطةٍ؟ أهذا ما تدعوه العاشقاتُ البشرياتُ بالوفاء؟ والأدب عندها خمرةُ الحرية ينتشي بها المأسورونَ: لماذا أكْتُبُ أَلأِنَّ أبجديتي تَنْتَقِمُ لنفسها من الطغاةِ الذين يحاولون صَبْغَ أحذيتهم بِمِحبرَتي. وهذا النبيذُ الأزرقُ الذي اْنسكَبَ الآن على ورقتي يبدو لي دَمَ الأبجديةِ فخذوهُ واْشربوه فالجد خمرةُ الصحوِ وتستعرض " غادة " الواقعَ العربي المتردي بمرارة فتكتب: حدِّقْ جيدا في الظلام كما يُحدِّقُ البومً سترى أنَّ ولاّدةَ بِنْتَ المستكفي ما تزال تَعْمَلُ ساقِيَةً في حانة أبي عبد الله الصغير وعبدُ الرحمن الداخل يَبيع التذكارات للسُّيَّاح على أبواب مناراتِ العزِّ الغابرِ في غَرْناطةَ وإشبيليَّةَ زيادُ بْنُ أبيه يَشِيدُ قصرا في ريف "غَرْبستان " وصار يَحْضُرُ سباقَ "الإِسْكَوْتِ " بالقُبَّعةِ البَريطانيةِ. خالدُ بْنُ الوليدِ أَزال بعملية تجميلية أثارَ الطَّعَنَاتِ وجِراحِ السيوف عن بَشَرَتِهِ. المتنبي يَعْمَلُ أستاذ ا في مدرسة بالضاحية اللندنيةِ. سيفُ الدولة في رحلة سياحية جنسية إلى الشرق الأقصى يعاقرُ النسيانَ في كؤوس الرومِ ولكن خلِّ عينيك تَدْمَعَا. وفي قصيدة أخرى تصوِّرُ اْنحسار الحُلم العربيِّ وتَراجُعَهُ: كنا نطالبُ بتحريرِ كاملِ تُرابِ الوطنِ فصرنا نطالب بتحرير ضِفَّة. كنا نتحدثُ عن وَحدةٍ من المحيط إلى الخليج. صارت العبارةُ نُكْتَةً دامِعةً وصِرنا نحلُم بتوحيد الشرقية والغربية في بيروتَ قلْبا لا مَظْهَرا. وكنا نتحدث عن اْقتحام العالمِ وصرنا ننامُ ونصحو على هاجس اْقتحام بيت الجيرانِ يا حَسْرَتَنا على ما سيكون وما كان..! * وإذا كانت مضامينُ قصائد " الرقص مع البوم " تتَّسِمُ بالشجاعة والصراحة والصدق. فإن القالَبَ الرمزيَّ الذي اختارته، وهو التكلمُ بلسان البوم لم يُثِرْ التشاؤمَ في أنفسنا، فقد أصبحتْ تعريةُ الواقع العربيِّ والإنسانيِّ مَدَارَ الحديث على كل لسان. حتى البسطاءُ الذين لا يَفْقَهُون شيئا في واقع السياسة ونظرياته حيث يَقودهم حَدْسُهُمْ الفطريُّ ومعاناتُهم اليومية إلى حقائقها. فهذا النقدُ المتطرِّفُ للواقع المرير هو السبيل لتجاوز هذا الواقع والنفاذ مِنْهُ إلى تحرير الإنسان عامةً والمرأةِ خاصةً. وهو نَهْجٌ لا يتعارض وتطلُّعات الشعب العربيِّ في ثنائِيَّةٍ لا تقوِّضُ إلا أمنيةَ العرب الغاليةَ.فالخناجر موجودة في العيون حولنا،الرعب يتفجر من العلاقات الانسانية في كل دقيقة،ينزف من رحيل الاشياء الجميلة و ذ يول الفرح المعافى،العيون المقززة تطالعك في المقاهي و الشارع وفي المرآة وما أكثر ما أتطلع الى وجهي في المرآة ولا أرى أ حدا. وهنا لا بدَّ من التنويه إلى قصيدةِ النثر لدى الكاتبة والتي لا تتجاوز الأسطُرَ وقد تَمْتَدُّ إلى صفحة أو أقلَّ بقليل لكنها تتضمن الكثيرَ من الخيال المبدعِ وجِدَّةِ الفِكْر وطرافتهِ. ولا يتصدى لهذا اللون إلا الكاتبُ المبدعُ الذي يَنْهَلُ من ذاته وتأملاتِهِ وتجارِبِهِ الحياتيةِ المَعِيْشَةِ: من خواطرها: أنا تفاحةُ نيوتُنْ التي تمردت على قوانين السقوط وأ صَرَّتْ على السقوطِ إلى أعلى.. أنها تريد يدا تحنو عليها دون أن يعقب ذلك وضع اللجام والسرج وبقية القيود وربما خُتم ا سم صاحبها بالنار فوق جلدها كالمواشي وقولها: " في الغربة يا صديقي لستَ سوى مِقْعَدٍ في حديقة عامّةٍ سيََجْلِسون فوقَكَ ويستريحونَ ويَنْتَشُون ويَشْكُرونَكَ ويَمْضُونَ في الوطن أيضا" لستَ يا صديقي أكثرَ من مِقْعدٍ في حديقة السُّلْطانِ يَجْلِسُ فوقَكَ وَحْدَهْ ويستريحُ وينتشي / لكنَّهُ لا يشكُرُكَ ولا يَمْضي أبدا. وقولُها بلسان البوم مُفْصِحَةً عن ذاتها: سأروي لك قصةَ حياتي باْختصارٍ خَوفا عليكَ من الضجر: لقد اْقترفتُ أخطاءَ كثيرةً في حياتي هي التي أنْقَذَتْ حياتي. وأخيرا: ستظلُّ الكاتبةُ والروائيةُ المبدعة " غادةُ السمان " بريادتها عن جَدارةٍ للأدب النِّسْوِيِّ أقوى صوتٍ يَنْفُذُ إلى أعماقنا ومشاعرنا لأنها لم تَكْتُبْ احترافا للأدب بلْ كَتَبَتْ بدمِ القلب وحرارةِ التضحيةِ وشجاعةِ الإيمان برسالة الأدب.. ولا يَصِحُّ أن يُنْعَتَ أدبُها " تبويما" كما تسميهِ، إنه نشيد الحبِّ والحريةِ الخالدُ.. حيث يَبْعَثُ الفرحَ والتفاؤلَ.. ولو بدا أنَّهُ يتحدى المكتسَبَاتِ السلبِيَّةَ الموروثَةَ التي ألِفْناها ولم نُحاكِمْها أبدا أو نَمْلِكُ جرأةََ الثورةِ عليها. فالأدب وحدُهُ هو الذي أعْلَنَ هذه الثورةَ بكل شجاعة، وقد تسلَّمَتْ " غادة " القَلَمَ من " قاسم أمين " لِتتابعَ رسالةَ تحرير المرأةِ، والتغييرُ لا يكونُ طَفْرَةً. إنهُ ثمرةُ ظروفٍ موضوعيةٍ تَتِمُّ معالَجَتُهَا للوصول إلى ما نبغيه: كيف أتحول إلى رياح لا تَصْدَأُ إذا لم يَهُبَّ اْسمي من صدور مجانين الحرية؟ مرةً هدَّدَتْني جَدَّتي ـ بِلُقْمةِ الزُّقُّوم.. إذا كَذَبْتُ. ومن يومِها وأنا أقولُ الصدقَ في حضرةِ الورقةِ المقدسةِ. وحين حَاوَلَتْ عجائزُ الُأسْرة قَصَّ لساني وإطعامَهُ لِلقِطَّةِ كي أصيرَ " شاميةً " نموذجيةً، لَفَفْتُ صدقيَ حَوْلي كالكفنِ، وركضتُ في كتاب دمشقَ كغَلْطَةٍ مطبعيةٍ فاتَ أوانُ تصحيحِها أَوْ إعدامِها. ستظلين سيدةُ غادةُ الأثيرةَ عندنا لأنكِ لا تَحْيَيْنَ بازدواجية كما يحياها غيرُك.. احترامي كبيرٌ.. واسمُكِ لن يرتَدِيَ عباءةََََ الشيبِ وسيبقى حرفُكِ فوقَ ترتيلةِ النجومِ، وشَنْشَنْةُ حروفِكِ حَقْلَ ألحانٍ في فضاءات دمشق أ نحني أمامكِ كالَّلبْلابِ وأُقْفِلُ كلماتي بأقفال احترَام ووفاء.2005
|