|
بوريس باسترناك: الكاتب والشاعر- الفيلسوف |
|
|
|
د. إبراهيم استنبولي
|
|
2006-05-08 |
كتبت الشاعرة الروسية الرائعة مارينا تسفيتاييفا: ".. تأثير باسترناك يعادل تأثير النوم. نحن لا نفهمه. نحن نسقط فيه. نقع تحت تأثيره. نغرق فيه... نحن نفهم باسترناك كما تفهمنا الحيوانات.." منذ بعض الوقت جرى في موسكو حفل تسليم جائزة باسترناك وذلك بمناسبة يوبيل الشاعر والذي صادف في 10 شباط المنصرم. وقد قام الشاعر الروسي المعروف فوزنيسينسكي للمرة الخامسة بتسليم الجائزة للفائزين. حيث نال جائزة باسترناك الشاعر اوليغ تشوخانتسِف، كاتب السيناريو يوري أبراموف (الذي كتب سيناريو للمسلسل "دكتور جيفاغو"، وحيث سيلعب البطولة الممثل السوفييتي الروسي المحبوب اوليغ مينشيكوف)، كما فازت بالجائزة الشاعرة الشابة ماريا ستيبانوفا. ومن بين الذين فازوا بالجائزة كارلو فيلترينيلي، الذي وضع كتاباً عن والده – الناشر الإيطالي، الذي قام بنشر أول طبعة من "دكتور جيفاغو". لقد انعكست في إبداع باسترناك أحداث مختلفة من القرن العشرين. كان مصيره صعباً للغاية، كما مصير الكثير من شعراء ذلك الجيل. لقد عاش فترات من النهوض وأخرى من السقوط والإحباط، من الانكسارات والانتصارات.. لذلك ربما كان الإبداع بالنسبة لباسترناك بمثابة المخرج والسبيل إلى النجاة، بل وربما طريقاً للهروب من الحقيقة السوفييتية المحيطة به. لقد كان يؤكد باستمرار على أهمية العمل المتواصل للقلب والعقل عند الأديب والفنان: لا تنمْ، لا تنمْ، اشتغل، لا تتوقف عن العمل، لا تنم، حارب النعاس، كما النجمة، كما الطيار. لا تنم، لا تنم، أيها الفنان، لا تستسلم للنوم. أنت – رهينة الزمن، أنت عند الخلود- أسير. ولد بوريس ليونيدوفيتش باسترناك – الشاعر والكاتب والمترجم، في 10 شباط من عام 1890 في موسكو في عائلة عضو أكاديمية الفنون ليونيد باسترناك. لذلك كان محاطا منذ طفولته بالموسيقى، بالفنانين وبالأدباء. وقد كانت الموسيقى من أولى اهتماماته حيث شغف بها جداَ... إذ أنه بسبب تأثير الموسيقار الروسي الكبير سكريابين راح يدرس الموسيقى منذ سن الثالثة عشرة... ولكن بعد ست سنوات من الدروس المضنية هجر الموسيقى إلى غير رجعة. بعد تخرجه من الثانوية في موسكو في عام 1909 انتسب إلى كلية الآداب والتاريخ في جامعة موسكو، حيث بدأ لديه اهتمام كبير بالفلسفة.. ومن اجل تطوير وزيادة معارفه الفلسفية سافر في عام 1912 إلى ألمانيا، حيث تلقى دروساً في الفلسفة خلال فصل كامل وذلك في جامعة ماربورغ. ومن هناك قام برحلة إلى سويسرا وإيطاليا. ثم عاد إلى موسكو وأنهى دراسته الجامعية في عام 1913. بعد أن برد اهتمامه بالفلسفة، انغمس بالكامل في فن الشعر، الذي سيشكل لاحقاً المضمون الوحيد لكل حياته. اصدر أولى مجموعاته الشعرية "توأم في الغيوم" 1914، "من فوق الحواجز" 1917.. وقد لوحظ التأثير الكبير لتيار الرمزية والمستقبلية Futurism (في ذلك الحين كان يحسب على جماعة أدبية تطلق على اسمها "المُثفِّلة Centrifuge"). كان باسترناك يقدِّر عالياً إبداع وموهبة بلوك الشعرية، إذ كان يرى في منظومته الشعرية " تلك الحرية في التعامل والتعاطي مع الحياة ومع الأشياء في هذه الدنيا، التي بدونها، أي الحرية، لا يمكن أن يكون هناك أي إبداع حقيقي وكبير ". في عام 1922 أصدر مجموعته الشعرية "أختي - أيتها الحياة"، التي وضعت الشاعر باسترناك على الفور في مصاف أساتذة الكلمة الشعرية المعاصرة. ومن هذه المجموعة انطلق باسترناك كظاهرة فريدة في عالم الشعر. في العشرينيات من القرن الماضي اقترب باسترناك من التجمع الأدبي "Lef" (الجبهة اليسارية للفن)، الذي أسسه ف. مايكوفسكي بالاشتراك مع ن. آسييف وأ. بريك وغيرهم. وقد كانت علاقته مع هذا الاتحاد الأدبي نتيجة الصداقة التي كانت تربطه مع مايكوفسكي.. وقد انتهت علاقته بالتجمع في عام 1927. خلال تلك الفترة صدرت مجموعته الشعرية "مواضيع ومتغيرات" ( 1923 ) وبدأ بكتابة رواية شعرية تدور حول حياته الشخصية وأنجزها في عام 1925. ثم كتب سلسلة شعرية بعنوان "المرض السامي"، روايات "عام 1905" و"الملازم شميدْت". في عام 1928 ظهرت لديه فكرة العمل على موضوع نثري "صك الأمان" والذي أنهاه خلال عامين. وقد اعتبر باسترناك عمله هذا ".. عبارة عن مقتطفات من حياته بخصوص آرائه في الفن وما هي جذورها..". في عام 1931 غادر إلى القفقاس، إلى جورجيا: وقد وجدت انطباعاته الجورجية انعكاساً لها في سلسلة من الأشعار باسم "الأمواج". هذه الأشعار صارت فيما بعد جزءاً من المجموعة الشعرية "الولادة الثانية"، وفيها يتوصل الشاعر إلى امتلاك البساطة الكلاسيكية للكلمة الشعرية. في أعوام الثلاثينيات قلّ إنتاج الشاعر للأعمال المميزة .. لكنه أعطى اهتماما كبيراً للترجمة، التي تصبح ابتداء من عام 1934 منتظمة ومتواصلة لتستمر حتى نهاية حياته (قام الشاعر بترجمة أعمال لشعراء من جورجيا، شكسبير، غوته، شيلر، ريلكه، فيرلين وغيرهم..). قبل بداية الحرب الوطنية العظمى، في بداية عام 1941، يتغلب الشاعر على الأزمة الإبداعية وتبدأ لديه مرحلة جديدة من الصعود: كتب سلسلة أشعار "بيريديلكينو*".. قام في عام 1943 بجولة على الجبهة نتج عنها نبذة "في الجيش"، وأشعار "مقتل قناص"، "اللوحة المنبعثة "، "الربيع"... وهذه الأشعار دخلت فيما بعد في كتاب "في القطارات المبكرة" – عبارة عن سلسلة أشعار كما هو الحال في "بيريديلكينو". لقد استغرق باسترناك في كتابة رواية "دكتور جيفاغو" سنوات طويلة وانتهى من كتابتها في نهاية الخمسينيات. تم نشر الرواية خارج الاتحاد السوفييتي السابق في عام 1958 ونال على الرواية جائزة نوبل للآداب. وقد سبب ذلك هجوماً حادا وعنيفاً من الجهات الرسمية ضد الرواية وضد الكاتب.. وتم طرد باسترناك من اتحاد كتاب الاتحاد السوفييتي. ونتيجة للحملات المسعورة ضده فقد اضطر الكاتب إلى رفض الجائزة. وقد كان لهذه القصة اثر سلبي كبير على الشاعر والكاتب.. وساعدت على تقليص سنوات عمره: لقد ضعتُ، كما الوحش في زريبة. في مكان ما - بشر، ضوء وقرار، من خلفي صخب المطاردة، وليس من طريق أمامي للخروج. لكنني، وعند حافة القبر، واثق أنه سيأتي زمن – تتغلب فيه روح الخير على قوة الشر والرذيلة. أعيد الاعتبار للشاعر والكاتب في عام 1987.. وتمت طباعة الرواية في روسيا في عام 1988 في مجلة "العالم الجديد". إن الأبيات التي ينطق بها البطل يوري جيفاغو في نهاية الرواية تؤكد على الحماس الأخلاقي – الفلسفي لمؤلف الرواية. إذ أن الرواية تحكي عن أحداث الثورة والحرب الأهلية، عن مصير أولئك الناس، الذين قُذِفَ بهم إلى خضم العنف والقسوة الثورية وباسم الثورة والدفاع عنها. في عام 1956- 1959 ظهرت المجموعة الأخيرة من أشعار باسترناك "عندما يطيب اللهو". في عام 1960 توفي الشاعر بعد معاناة طويلة مع المرض (سرطان الرئة) وذلك في 30 أيار من عام 1960. من قصيدة "تعريف الشعر": هو – صفيرٌ حادٌ يملأ المكان، هو – خشخشةٌ لقِطع ِ جليدٍ تتكسرْ ، هو - ليل يُجمِّدُ الورقَ الأخضرْ، هو – مبارزةٌ بين بُلْبليَن. هاملت (من كتاب "دكتور جيفاغو") همَدَ الدويُّ. خرجتُ إلى المنصة. مستنداً إلى قائمة الباب، رحت التقط بعيداً في الصدى، ما سوف يحدث في عصري . عتمةُ الليلِّ مصوَّبةٌ عليَّ بقوةِ ألفِ مكبّرٍ في المحور. إذا كان بإمكانك، Avva Otche ، فاعفني من هذه الكأس. أنا أحبُّ قصدْكَ الجموح، وموافق أن العب الدور. لكن دراما أخرى تجري الآن، لذلك اطردني هذه المرة. غير أن ترتيب الفصول مُقررٌ، ونهايةُ الدربِ حتمية. أنا وحيدٌ، كلُّ شيءٍ يغرقُ في الرياء. أن تعيشَ الحياة – ليس كما أن تعبرَ الدرب. * بيريديلكينو - منطقة في ضواحي موسكو .. عبارة عن بلدة مؤلفة من عدد من البيوت – نظام فيلات .. حيث يوجد بيت الإبداع لاتحاد كتاب الاتحاد السوفييتي سابقاً وحالياً هناك تقع متاحف عدد من الأدباء والفنانين بمن فيهم بوريس باسترناك . ومن بين الأدباء السوفييت والروس المعروفين الذين عاشوا هناك نذكر إلفEilf وبتروف ، بابل وباختين ، سيمونوف ويفتوشينكو ، اكودجافا واخمادولينا – المترجم . |