|
محاولة في قراءة بعض نصوص ديوان "مثل الماء لا يمكن كسرها" للشاعرة السورية فرات إسبر |
|
|
|
د. عبد الله دمومات
|
|
2006-05-08 |
|
صفحة 2 من 2 إن الحوارية التي تطبع المقاطع كافية للقول بان القصيدة مسكونة بالقلق الأنثوي في تلا وينه المتعددة والمتباينة الفضاءات المفعمة بسؤال المفارقات التي لم يتم بعد تفكيك وفك شفرات الغموض الذي يتلبس الأنثى في هدا الكون. إنها كما تقول الشاعرة " المرأة المجنونة لم تكن محفورةً في كتاب / كانت تمر في بُحةِ الحلم/ تشهد الأحلام أني كنتُ توأمها / وأنني انقطعتُ كما ينقطعُ القمرُ عن الشمس / الظل عن الجسد" لنقرا كذلك هده المقاطع المكونة للقصيدة للقبض على قدسية السؤال الذي يؤرق الشاعرة. من وراءِ عين القلب نظرتْ المرأة إلى كلِّ هذا السواد قالت: ماذا أفعل بهذا الأبيض الشاسع بأي عصا أرمي ذلك الشبحَ الذي تحوم حوله الغربان هكذا لم يكن من عادةِ المرأة التي تلمع من بعيد على امتدادِ أحلامها المبتورة كانت تلبس أساورَ الخيبةِ بيديها المتعبتين كانت تخفي يديها لأنَّ لا بياضَ ناصعاً بهما / خرائط بلا حدود / وحدها الأحلام كانت تركض يا هذه المرأة الملونة / لوحة برية أنتِ معجونة بطيب الوقت / بماءِ الرغبة الرغبة التي تفتح أبواب الجحيم أساورُ الخيبة تلفُّ القلب المتعب خفقانه النهر الجاري في الأبدية المزدحمة / معصوم الخطيئة متقن فن الأسئلة مجاوراً أنهراً مبتلة الضفاف / ندية شتلة القلب نبتتْ في عروق الدم الغامق من وراء شباك المدينة الغائمة نظرت المرأة / في المدينة الغائمة مطر يتساقط حزيناً دروبٌ واسعة تنتظر / هي التي اختارت تغيير الأماكن ربما كان قدرها مع تلك العابرة / قارئة الكف الأزلية / في هذه المدينة الغائمة حبٌ وأمطارٌ وجنون/ وامرأة تعشق الضوء كالفراشات سقطت / عاشق الليل انطفأ / ما عادت قناديله تضيء / في الظلمات في سترةِ الليل يختبئ يهمس للقمر السكران كامرأةٍ تركض في العراء / حبُّه خيوط الأبدية / المرأة التي لم يقرأها أحد / المرأة التي كُتبت بكل الأحوال / أي تعبٍ تحمل يا قلبَ المرأة / موزعة عروقك / تنوء تحت الخفقات / أنت المجنون بين الأضلاع / يذوي بك الحنين /
لا الشمس تصلك يا قلب / والصمت لا يزينه الكلام تقول المرأة: يدلفُ الحزن من سقف القلب / يدلفُ من العتبات / تعبُ القلب الراكض / أغرقُ في عتمة صمتك / أعدُّ الأطياف / بعيدة المسافة التي تفصل قلبي عن ساكنيه / أيتها العرافة اتركي أصابع اليد تغتال الحلم ودعي وَدعكِ الملعون يرسمنا تقول المرأة: وداعاً لهذه المدينة / لطرقاتها / لشرفاتها التي تطلُ على الروح سأذهب إلى إيقاع أقل صخباً / أنا المجنونة بالسؤال المتدثرة بالتضاد/ أنا مَنْ ولدت مِن جميع الرغبات وجاءت إلى العالم مِن طريقين / ومع ذلك لا أستطيع أن أعتق آخرَ رغبةٍ في حياتي / دخلت المرأة في طقس الغرابة / المرأة المجنونة لم تكن محفورةً في كتاب / كانت تمر في بُحةِ الحلم/ تشهد الأحلام أني كنتُ توأمها / وأنني انقطعتُ كما ينقطعُ القمرُ عن الشمس / الظل عن الجسد تعِبَ القلبُ الراكضُ وراء العمر / وراء الماضي القلبُ الراكضُ إلى المستقبل ماذا ستجني ؟ كلمات أهمسها.. ألا تصغي إليَّ أيها المتعب ؟ النص الآخر الموسوم مثل "الماء لا يمكن كسرها " عنوان الديوان يتداخل فيه النثري والشعري ويمكن القول إن هدا النص هو مبتدأ ديوان الشاعرة فرات وخبره ويتبدى من مطالع النص أن الأنثى الصديقة للشاعرة متميزة بل تكشف للقارئ عن خصوصية وتميزية هده الهوية الأنثوية التي لا تشبه أحدا لها لونها وطبيعتها وخصيصتها الإنسانية الكونية. انه التماهي الجواني الصوفي بين الدات الشاعرة ونفسها في قلقها الانطلوجي وفي وعيها الحاد بأنوثتها المتفردة وفي انفعالها. إن الشاعرة عبر هده الأنثى/ الإنسان تنفد إلى كل الفضاءات والمسافات لتختبر الحقيقة والطبيعة وتخترق كليشيهات الحياة والسائد فقد جربت كل ماجريات وطقوس الحياة. وفي هدا النص تتوسل الشاعرة بلغة بسيطة للتعبير عن القلق الأنثوي الذي يسكنها. لدلك يمكن القول إن هدا النص تسعى من خلاله الشاعرة فرات الى التاريخ لذاتيتها الهوياتية الأنثوية المغايرة. ولنقرا هده المقاطع التي تنبجس وتتفجر عبرها ينابيع الحزن الأنثوي للشاعرة لاستشراف أبعاد وآفاق المسكوت عنه في النص. صديقتي التي ماتت لا تشبه النساء، مخلوقة عجيبة، لا تشبه أحداً إلا أنا، قادمة من البرية، يداها قاسيتان وبشرتها جافة تشبه الغبار، إنها غبارية اللون، لا تحب العطور، ذات يوم حلمت بأنها تسبح في بحيرةِ الورد ولكنها استيقظت فجـأة لترى نفسها في كومة من الغبار. صديقتي تشبهني فقط، هي لا تحب أحداً ولا تكره أحداًَ، ولكنها تحاول دائماً أنْ تمسك بالمسافة التي تفصلها عني، حَاوَلتْ مراتٍ ومرات أنْ تقتربَ مني ولكنها كلما اقتربت مني أبتعد أنا، ولكن للحقيقة، الحقيقة هي تشبهني تماماً. في البرية كانت تنام، تحت الشجر كانت تتعرى، يمر الهواء بقربها، يرطبُ جسدها ولكنها لم تنجب يوماً منه. صديقتي التي تشبهني مثلَ الماءِ لا يمكن كسرها، هي تشبه الينابيع، كانت تحلم ببنتٍ وصبي ولكنها أنجبت لا شئ. صديقتي التي تشبهني لم تعرف الحكايات الرومانسية، كانت تغني مع الذئاب في البرية، البرية التي ولدت فيها، صديقتي كانت تشبه القهوة التي أنا أحبها، كانت مثلي مدمنةً على الحزن والقهوة. ذات يوم جَرَّبت عطرَ النساء، لكنها لم تحبه، رفضته وألقت بالزجاجةِ بعيداً، زجاجة العطر حزنت من صديقتي التي تشبهني لأنها مثلي لا تحب العطور، هي في كومة الغبار ولدت، ظهرها تقوَّس من التعب، أسمتها البرية (سيدة التعب) أعجبها هذا الاسم، هي تشبهها فعلاً، تجاعيدها، يداها، انحناءة ظهرها تشبه البرية. ذات مرة وهي كانت تتمشى بجانب الشجر والحجر صادفها حلمٌ عطشان، قتلته ومات إلى الأبد. صديقتي البرية التي تشبهني وأنا لست مثلها، تجيء كل يوم من البرية محملةً بعطر الغبار، ذات يوم ماتت بين يديّ، حملتها ورميتها فوق ظهري، كانت وصيتها، عندما رميتها، أنْ أرمي بنفسي، صديقتي التي ماتت كانت أنا، ومنذ ذلك اليوم لم ألتقِ نفسي وقررتُ أنْ أغيبَ في الغبار. النص الآخر المعنون" بنساء" تستلهم فيه الشاعرة فرات العلامة الصوفي الفلسفي العرفاني" ابن عربي" لإثارة السؤال الأنثوي بطريقة صوفية . ولعل استلهام ابن عربي في هدا النص له ما يسوغه بالنظر إلى الطروحات الفلسفية الصوفية التي طرحها ابن عربي بعيدا عن النظرة الثنائية الساذجة والسطحية للتجربة الروحية الإنسانية. إن هدا الاستلهام الذي توسلت إليه الشاعرة في حد ذاته هو رغبة لإعادة تشكيل كل التراث الإنساني في مشكلية الأنثى في أبعادها الوجودية والسوسيولوجية والا نتربلوجية بهد النص ترتاد الشاعرة فرات جملة من الآفاق الفلسفية والكونية تنفد من خلالها إلى جوهر الإشكالية الفلسفية للأنثى في أبعادها النسائية والامومية والانطلوجية لنقرا هده المقاطع من القصيدة "نساء" سلامٌ.. ابن عربي نحن نساءُ الأنوثة في الطبيعة / في عري الكلام / وإشاراتِ التأويل نحييك بتاءِ التأنيث ونون النسوة...... عانس: دخلَ عليها الشجرُ والنهرُ والوردُ والندى قالوا لها: جئنا لكِ لننام في سريرك / لنعلن الولاءَ لكِ، وأقسمنا جميعاً أمام الطبيعة أنْ يكون ماؤنا إليكِ هاتِ جسدكِ / ها هو ماؤنا / لنعلن البداية / ونكتب جسدَ الأرض من جديد / غنـَّت لها الأقمارُ / الطيورُ هاجرت إليها / الجبالُ ركعت عند قدميها وهتفوا لها برئٌ رحمك / لم يمسسه الرجال. عاقـر: خرجت البذورُ جميعاً من بطن الأرض، وأعْلِنَ الحدادُ في جميع الفصول، وكل أنثى من الطير والوردِ والشوكِ والحجر / وكل أنثى من النباتِ والجمادِ / وكل أنثى الحيوان، جميعُها خلعت أثوابها وأقسمت أنْ لا تعود إلى الخضرةِ ثانيةً وعاهدها النهرُ بأنْ لا يقرب أنثاه وأنْ لا يجري في رحمها بعد، وبكى الجميعُ في حضرتها. مُطلـَّقة: وقالت الراوية: وحين سألوها عنه قالت: كنتُ أنسه وجنه كنت عبده وهواه / كنتُ بيته وسقفه أشعلُ النارَ وأحترق. أرملـة: جاءت إليها امرأة اللغة وفي بلاغةٍ وفصاحةٍ وحكمة، قالت: لا تحزني / لن يعيد إليكِ العطورَ التي سرقها منكِ ، والتجاعيد التي في جسدك هو الذي أسس لها / والطفولة التي هربت إلى غير رجعة ، وجاءوا إليها وقالوا: لم تعودِ متاعنا / مات بعلك / أخرجوها من الميراث / وشحذوا السكاكين وصرخوا بها عودي من حيث جئتِ، أنت فألُ شرٍ علينا / عندها هبطت الريح إليها وركعت وأعلنت ولاءَها وقالت: سأضربُ بجنوني الشجر / ولما رجعت الريح والشجر أصبح عارياً / فرحت الأرملة يكفيني هذا، إنها الطبيعة مثلي عارية. أمومة: وحين جاءها المخاض وقفت الملائكة عند بابها والنجوم هبطت إليها وانحنت لها / وما من شئ إلا خرج من بطن الأرض / الأنهار عادت مياهها / والورق عاد إلى بيتهِ الشجر / واخضَرَ وجه الأرض من جديد / اجتمعت نساء الطبيعة إليها / جاءت إليها العانسُ والعاقرُ والمطلقة والأرملة واتخذنَ مكاناً في حضنها وهتفّن منكِ خرجنا واليكِ نعود أيتها الأمومة عندها نهضت الأمومة بجبروتها وصرخت: أولادي خرجوا من رحمي شربوا من دمي إنني أراهم يتخبطون لا أنا منهم ولا هم مني امرأةٌ من بعدها قالت: قديماً كان الإنسان وقبله كان الإله وقبلهما كانت المرأة ولأنَّ الجميعَ خرجَ من رحمها لذلك يرجمونها بالح ملخص القول إن بعض هده النصوص الإبداعية للديوان يمكن توصيفها بالنصوص المفتوحة فهي تتعالق مع الدات الشاعرة وعناوينها كافية للدلالة على هوية الشاعرة فرات وكدا القضية التي تروم تبليغها بلغتها الشعرية الشدرية. فالشاعرة تقبض على السؤال الأنثوي لتتماهى معه ولتفجر المسكوت عنه عبر الزمان والمكان لتخترق المألوف والسائد وتلامس بالتالي مجموعة من القضايا ترتبط بالمراة وباللغة والجسد والكون والطبيعة في ثنائيتها ومفارقاتها. ومن المؤكد أن هدا الديوان يمكن أن يفيد ليس فقط الشعراء بل كل المهتمين بالراهن الأنثوي في العالم العربي وكذلك الباحثين في مجال سوسيولوجيا المراة وفي الشأن النسائي لوضع اليد على عمق وجدر الاختلال في كل أسبابه التاريخية والانتربلوجية والدينية والإنسانية. من دون شك كذلك أن الناقد الراغب في مقاربة نصوص الديوان لا منا ص له من التوسل إلى كل مرجعياته المعرفية من اطر نظرية أدبية رمزية وبنيوية وسميائية وتفكيكية وتجريبية وحداثية وصوفية لسبر أغوار دلالات هده النصوص التي تتكىء على نوع من الشعرية العرفانية الفلسفية النسائية المتميزة. عبدالله دمومات: دكتور دولة في القانون العام- كلية الحقوق بالدار البيضاء- المغرب 19/3/2005
|