|
الفنان نمر سلمون: مازلت أعيش من المسرح.. ومن المسرح فقط.. |
|
|
|
ماهر منصور
|
|
2006/ 05/ 08 |
يرى أن السياسيين يكذبون بحمق، أما الحكواتي فيكذب بذكاء تبدأ المفارقة في حياة نمر سلمون من اسمه وقد اختار قدر النمر الذي أراد من شراسته أن يقول الحقيقة كما هي لا كما يريدها الآخرون، فضلا عن قدر السلمون في تنقلاته بحثاً عن معنى آخر للحياة، ولا تنتهي عند سؤال معتاد يثير استغرابه : (ماذا تعمل) رغم عشرين عاماً من العمل الفني. المفكر هو اللقب الأكثر لياقة بنمر سلمون، وهذه قناعة يتفق عليها الجميع، فهو في حكاياته (يخرمشنا)، يدفعنا نحو عوالم فينا لم نكتشفها بعد، وهو الأمر الذي فعله مجدداً على خشبة المركز الثقافي الفرنسي ضمن فعاليات مهرجان الحكاية حيث التقيته، فكان الحوار التالي: + ما زالت الحكاية دون كل الفنون الأخرى تمتلك القدرة على جذبنا، مهما اختلفت أعمارنا ومشاربنا الثقافية. أين يكمن سحر الحكاية في الفكرة أم الرواة، أم في بقايا طفولتنا التي (تتعمشق) على أحداثها ؟ ++ لا أعرف بالضبط، فلكل منا أسبابه الخاصة للاستماع إليها، الحكايات تصل إلى الجميع، وقد أخطأنا في فترة من الفترات حين اعتقدنا أن الفن لا يفهمه الجميع، وأنه لفئة من الناس، نخبة تقرأ وتكتب، غاصت في تاريخ الفن والمسرح، فصرنا نقدم أعمالنا لهؤلاء. أنا ضد النخبة في هذه المسألة، النخبة هي الشعب من أصغر الناس فكرياً إلى أكبرهم. في أي حكاية تلاحظ تشويقاً على نحو ما. نحن، مثلاً، لا نصبر على المسلسلات التلفزيونية إلا من أجل الحكاية، نريد أن نعرف ما حدث للشخصية وكيف تطورت، وبالتالي انجذابنا إليها مصدره التشويق في حكايتها، والتي تتسم غالباً بفلسفتها الخاصة البسيطة التي تصل إلى الجميع. + لنتوقف هنا عند قضية الفلسفة الخاصة بالحكاية، فأنا أجدك دائما تحمِّل حكاياتك قضايا كبرى وتسوقها وفق بعد فلسفي، ألا تعتقد أنها مغامرة وأنت تتجه بها نحو فئات مختلفة، عمرياً وثقافياً؟ ++ مسألة مهمة أن يكون للعمل المسرحي أو الأدبي فلسفته الخاصة، ولا أعني هنا التعقيد، وإنما أن يكون فيه فكره الخاص الذي يميزه عن الحكاية الأخرى، حتى الحكايات التي هدفها الضحك، إن لم يكن الضحك فيها تهريجاً، فهو فلسفة بحد ذاتها...وبالتالي فمسألة إعطاء الحكاية بعداً فلسفياً شيء مهم جداً. + في هذا السياق، قلت لي إنك لا تثق بالجمهور على نحو ما؟ ++ أنا لا أثق بالجمهور، مع احترامي له، رغم أني أدعو إلى الثقة به عندما أقدم له العرض، لماذا لا أثق بالجمهور...؟ لأن هذا الجمهور الذي يأتي لحضور عرض لكافكا هو نفسه الذي يحضر عرضاً أخر مُسفَّاً جداً، ويعجب بالعرضين، ولكن إن تناولنا الموضوع من ناحية أخرى نجد أن هذا الجمهور هو جمهور متكامل لأنه يجمع كل المتناقضات، وبالتالي أثق به ولا أثق . إنه يحب الشيء ونقيضه وأعتقد أن الإنسان متكامل بهاتين الصفتين. + أيضاً ثمة مغامرة في أدوات الحكاية التي يعتمدها الراوي (اللغة، وأسلوب الوعظ، والحكمة) ألا تعتقد أن السياسيين قد أفرغوا هذه الأدوات من محتواها بعد أعوام من الهزيمة وثرثرة المنابر. ++ هناك فرق بسيط جداً أن السياسيين يكذبون بحمق، ونحن نكذب بذكاء، وهذا هو الفرق. + هل ثمة كاريزما معينة للحكواتي ليستطيع جذب الناس؟ أعتقد أنه ليس بمقدور أي واحد فينا أن يقص حكاية؟ ++ هذه أمور إلهية... وعلى كل حال مسألة الحضور من الله، فالموهبة ليست اكتساباً، إنها تلد معك، والفضل لك فيها إذا اكتشفتها واستطعت استخدامها على نحو جيد. + وإلى أي حد يلعب الجمهور دوراً في إيصال الحكاية والتفاعل معها؟ ++ الجمهور أيضاً يجب أن يكون موهوباً بالتلقي، وليس كل الناس يستطيعون التلقي على نحو صحيح، هناك من يشرد، هناك من يفكر بشيء آخر وهو يراك، هناك من يتحدث بالهاتف النقال، وبالتالي هذا الجمهور لا علاقة له بما يرى، هو موجود هنا بالمصادفة، هناك جمهور يلتهمك بعبينيه وبأذنيه وبكل حواسه، وهذا الجمهور الذي تبحث عنه أنت، إذا وجدت جمهوراً صامتاً ولكن ذاك الصمت التأملي الذي يتواصل به معك، فهو جمهور متحرك حتى لو لم يتحرك، هناك فرق بين أن يتحرك الجمهور من تلقاء نفسه، وبين أن نحركه بمعرفتنا وعملنا وموهبتنا. + وماذا عن جمهورك أنت؟ ++ جمهوري دائماً متحرك، رغم أني حين أكتب القصص لا أفكر به لأنني أكتبها لذاتي، فيما بعد لا أحفظ الحكاية، أقرؤها مرة أو مرتين، ثم ألقي على الجمهور ما فهمته أنا بوصفي شخصاً عادياً، وبالتالي تصل الحكاية إلى العاديين لأن من رواها عادي، هو ليس مثقفاً أو أديباً ولا ينتمي إلى فئة من الناس إلا إلى هؤلاء جميعاً من المثقفين وغير المثقفين. + لا أريد أن أسألك عن سر الخيزرانة التي لا تفارقك، تحدث أنت عنها هكذا دون سؤال ++ (ضاحكا)أتعكز عليها، أحس أن العصا هي مستقبلنا، وبالتالي أنت يجب أن تحمل مستقبلك بيديك. + نمر سلمون إحكِ لي عن نمر... سلمون ++ نمر سلمون هذا الحيوان المركب:نمر وسلمون، وهو آت من حي اسمه باب السباع، فيّ حيوان أليف وآخر شرس، حيواني الشرس منع عني فرصاً كثيرة خاصة في عالم الفن، لأن عالم الفن كان أشرس من حيواني الشرس، ربما لأني أشعر فيه بالمواجهات، وأقصد بالمواجهات طرح الحقائق، وأقصد بالحقائق أن تقول ضميرك، وأقصد بالضمير ما تبقى لنا. كنت أظن أنك بهذه المعادلة تستطيع أن تصل إلى حقك، ولكن يبدو أن الحقيقة هي ما يريده الآخرون منك لا ما تفكر به أنت، وبالتالي اعتقدوا أني شرس كحيوان، واعتقادهم هذا أثر بي كثيراً فصرت أرى نفسي شرساً، وصرت أكره نفسي. فيما بعد اكتشف بعضهم أني حيوان أليف، فداعب القط الذي فيّ، وشعر بأنه يستطيع أن يخرج إنتاجاً أكثر من القط مما يفعلونه هم مع النمر الشرس، والحقيقة أن هذا النمر الشرس هو ذاته القط الوديع. وبالتالي اكتشفوا أن النمر وديع واستطاعوا أن يخرجوا مني شيئاً له علاقة بالإبداع وبالتواصل مع الآخر، وهو الأمر الذي لم نقدر عمله هنا في سورية مع زملائي في الوسط، فابتعدت رغماً عني، ربما أكون مخطئاً وربما يكونون هم المخطئين ولكنني هنا أعترف بالخطأ وهم لا يعترفون، وهذا خطأ آخر. هل صحيح أني لا أمتلك الموهبة؟ حسناً، ولكنني أمتلك الصنعة والمهارة، وأعتقد أنني أستطيع أن أقدم أدواري على نحو أفضل من كثيرين جاؤوا لأن آباءهم كانوا فنانين، أو ربما لأنهم كانوا يعملون في بوفيه نقابة الفنانين، أو مديرية المسارح...الحقيقة مخيفة وأنا هنا لا أريد أن انتقد، ولكن النمر الشرس خرج من هذا السؤال وأجاب، الآن القط الوديع الذي فيّ سيقول لك إني أحب الجميع، على أن لا يخرمشني أحد. وأريد هنا أن أثير حسد الجميع ما زلت أعيش من المسرح والمسرح فقط، هم راهنوا على المسرح بطريقتهم الخاصة، وكانت غالباً مادية وأنا راهنت على المسرح وأعيش من المسرح ولكن لا كما هم يعيشون، المسرح ليس للباذخين، المسرح للذين يريدون أن يعملوا وأن يعرقوا فيه، هذه مسألة مهمة جداً. + هل يسرك أن تلقب بـ(المفكر الحمصي)؟ ++ حتى لقب الأجدب يسرني (ضاحكاً)...المفكر الحمصي، المهرج المتأمل أو الحمار الحكيم، و كلها عناوين لعروضي، تسرني ما دامت تجد من يراها، أما أن أكون حكيماً متفكراً أو حمصياً مفكراً مهرجاً متأملاً ومنزوياً في منزلي فاللقب لا يليق، أنت تكتسب اللقب وقيمة اللقب ممن يناديك به. 16/3/2005 جريدة النور
|