|
نجيب محفوظ 2004: الإبداع الهادئ في الثالثة والتسعين |
|
|
|
د. مصري عبد الحميد حنورة
|
|
2006-05-08 |
كانت الساعة السادسة مساء يوم الخمس السادس عشر من ديسمبر 2004 وعلى امتداد أربعة ساعات جمعتنى جلسة ثرية مع الكاتب المبدع نجيب محفوظ ومجموعة من الأصدقاء على شاطئ نيل القاهرة بمنيل الروضة بجوار كوبرى الجامعة.. كانت المناسبة هى عيد ميلاد نجيب محفوظ الثالث والتسعين، حيث يحتفل به أصدقاؤه المقربون، وكنت هذا العام واحدًا من الذين وجهت إليهم الدعوة ضمن ستة أفراد كان من أبرزهم الصديق الأستاذ الدكتور يحيى الرخاوى والدكتور زكى سالم الصديق المقرب من نجيب محفوظ. فى موعده تماماً حضر الرجل بوجهه الهادئ لم يتجاوز الموعد بل كان كالساعة تدق موعدها تماماً دون تقديم أو تأخير فيما يشبه الفيلسوف الالمانى عمانوئيل كانط الذى كان المشاة يضبطون ساعاتهم على موعد نزهته اليومية الخامسة من مساء كل يوم بالممشى القريب من غابات بولونيا.. هكذا كان نجيب محفوظ طوال حياته حتى فسحته اليومية الصباحية كانت منضبطة أشد الانضباط من منزله الشاطئ الغربى للنيل فى العجوزة إلى كوبرى قصر النيل أو أكتوبر فيما بعد ثم إلى ميدان التحرير، ثم إلى قهوة على بابا حيث يجلس فى كرسيه المعتاد يشرب قهوته وسيجارتيه ويقرأ الصحف ثم يتحرك راجعا من حيث أتى فى موعد ثابت لا يخلفه. حضر نجيب محفوظ فى موعده وحضر بعده الدكتور يحيى الرخاوى وكنت قد سبقتهم إلى المائدة التى اعتاد أن يجلس إليها نجيب محفوظ فى السادسة من مساء كل خميس مع تلك الجماعة الصغيرة من الأصدقاء. (وبالمناسبة يوزع نجيب محفوظ اماسى الأسبوع مجتمعا بحماعات مختلفة من أصدقائه فى عدد مختلف من المواقع لحكمة لا تخفى على مدارك اللبيب). كانت المناسبة كما ذكرت هى عيد ميلاد نجيب محفوظ الثالث والتسعين وكنت أريد أن انتهز المناسبة لإجرى معه حوارا عن موقفه الراهن من قضايا الساعة ومن عملية الإبداع فى هذا العمر بعد رحلة طويلة مع الزمن. كان سؤالى الأول له أن أخر حوار أجريته معك كان سنة 1991 وقد نشر فى كتاب مسيرة عبقرية: قراءة فى عقل نجيب محفوظ، وقد قسمنا فيه رحلتك إلى مراحل كل مرحلة من عشر سنوات، وها قد مضى أكثر من عشر سنوات منذ ذلك اللقاء، فما هو حصاد تلك السنوات منذ آخر حوار: قال بهدوء وبدون انزعاج أو شكوى فقط سمعى ضعف وبصرى كذلك، وأنت سيد العارفين ان السمع والبصر هى أهم أدوات المعرفة ومن دونهما لا يدخل إلى عقلك شئ ذو بال، وهو ما يؤثر إلى حد ما على الأداء الإبداعى. رد عليه الدكتور زكى سالم قائلا ولكنك رغم ذلك تبدع حتى الآن وتكتب الأحلام التى تنشرها لك مجلة نصف الدنيا وكل حلم منها عبارة عن عمل ابداعى متميز وعميق الدلالة. قال نعم نعم، وعقبت بأن المعرفة ليس بالضرورة أن تكون كلها معرفة حسية، فالمعرفة التأملية لها وزن كبير فى عملية الإبداع، وقد أشار كثير من المبدعين إلى أنهم اعتمدوا إلى حد كبير على عملية الإبداع من خلال ما يعرف باسم الادراك الثانوى Secondery perception. وما تقوم به الآن هو نوع من الاجترار الابداعى لمعارف حصلتها من قبل ويقوم العقل بتجهيزها ومعالجتها ثم افرازها.. هذا فضلا عما تحصل عليه من معارف من خلال الاطلاع على الصحف وما يعده لك مساعدوك من مواعد معلوماتية من شتى المصادر الأكثر حداثة.. كنت قد استمعت إلى عدد من أصدقاء نجيب محفوظ ومساعديه يقدمون إليه تقارير وافية عن كل ما يدور فى العالم من أحداث وأخبار وأفكار لحظة بلحظة حتى تصدرت أن نجيب محفوظ على الرغم مما يزعمه من أن قصور الحواس عنده سبب له مشكلة فى الحصول على المعرفة اللازمة لعملية الإبداع ان هو الا تواضع المبدعين يسوقه فى هدوء العباقرة، وامتدت الجلسة الثرية أربع ساعات متصلة كان فيها مبدعنا رغم الثلاثة والتسعين عاما هو الحاضر الحاضر ولم يكن غائبا أبداً فى أى لحظة من اللحظات على امتداد تلك الساعات. والأمر الشيق أن نجيب محفوظ خلال الساعات الأربعة التى قضيناها معه، لم يكن ليتوقف عن التطلع إلى وجوهنا جميعا فردا فردا، وكانما كان يريد أن يتواصل فرديا مع كل منا، أو لربما كان يريد أن يوزع اهتمامه على الجميع، دون أن يهمل أى فرد من أفراد الجماعة المشاركة فى الجلسة، حتى ليخيل إلى أى منا أنه هو الأثير إلى قلبه أو الأكثر اقترابا من مشاعره. اهتمامات نجيب محفوظ كانت ومازالت متنوعة، فهو مازال يتحدث فى الفلسفة وفى السياسة وفى الأدب، بل وفى الشئون اليومية العامة، وعن الشئون الشخصية التى يمكن أن يطرحها أى من الجالسين على الجماعة، كان حاضر البديهة أو ربما كان أكثرنا حضورا للبديهة، هذا فضلا عن قفشاته ونكاته اللامعة، وكأننى به قد عاد إلى ثلث قرن مضى (أو يزيد) عندما كنت أعمل معه وأنا لاعد لرسالة الماجستير فى الأسس النفسية للإبداع الفنى فى الرواية.. أقول كان ومازال هو نجيب محفوظ الحاضر دائما بيننا فيما مضى والآن وفيما هو قادم من أيام.
|