SWO
 
اتصل بنا | من نحن | النشرة البريدية | مواقع مهمة | شارك معنا | ابحث في المرصد
حق المرأة السورية بمنح جنسيتها لأطفالها

الحملة الوطنية: أوقفوا قتل النساء! أوقفوا جرائم الشرف!

مرصد العنف
منتدى الحوار
منتدى نساء سورية
Cartoon

article thumbnail

لا للعنف ضد المرأة
قل لا للعنف ضد المرأة
إخلاء..

جميع الإعلانات المنشورة على "نساء سورية" مجانية، وتقع ضمن نطاق عمله التطوعي
خط الثقة

 انقر هنا..
أوقفوا جرائم الشرف
الوثيقة الوطنية
إدانات..
شركاء..
مقالات..
فهرس الأسماء الموقعة
أضف توقعيك
حق الجنسية
من أجل قانون جنسية عادل
Languges
English
Français
Deutsch

خدمة RSS


قراءة فنية في التجربة الإبداعية للقاص والمترجم عدنان محمد طباعة أخبر صديق
محمد سعيد حسين   
2006/ 04/ 30

خاص: "نساء سورية"

ثلاث مجموعات قصصية، هي الحصيلة الإبداعية الناجزة للقاص عدنان محمد، حتى الآن، بدأها بالسباق الصادرة عام 1994 فالثانية حقل من ريح عام 1997 ومن ثم ثالثته على مقام العشق عام2001
فيما يلي سأحاول تقديم قراءة فنية لهذه الأعمال الثلاثة، دون الاعتماد على منهج نقدي محدد، بل هي قراءة تذوقية بالدرجة الأولى، قد تخفي وراءها ذائقتي الإبداعية على مستوى التلقي، ومجمل تحصيلي الثقافي الأدبي والجمالي المؤثر في هذه الذائقة سلباً أو إيجاباً، بالإضافة إلى تجربتي الخاصة في الكتابة الإبداعية . وهنا أزعم أن عملية التذوق الجمالي لأي نص إبداعي، تحمل في طياتها نية مبيتة لإبداء رأي، هذا الرأي ـ الناتج عن تلك العملية ـ إن هو إلا شكل من أشكال النقد في مادته الخام ..
يحاول عدنان محمد تعرية القهر الاجتماعي، واستيضاح أسبابه عبر مجموعاته الثلاث، فنرى شخصياته القصصية مسكونة بالعلاقة مع القهر بجوانبه المتعددة ، بل واللانهائية، وعلى رأسها الفقر، كأحد أهم هذه الجوانب خطورة باعتباره الأب الشرعي للقهر الاجتماعي الإنساني ، وإن لم يسمّه صراحة ـ كمفردة ـ ولكنه يعرض لشتى أشكاله ونتائجه، في خمس من القصص الست التي تشكل مساحة المجموعة الأولى "السباق" هذه القصص هي (السباق، بلا عمل، صائد اللصوص، صديق قريتنا، أأنت أبي)، وتكاد تكون قصة استجواب هاربة من تلك المجموعة لتستقر في مجموعته الثانية حقل من ريح .
وحدها قصة "الميكروباص الذي نجا" تشذ في موضوعها عن تناول الفقر كأحد أهم جوانب القهر الإنساني، لتطرح قهراً من نوع آخر هو التّخلّف الذي يسبب المتخلف المقهور عبره، قهراً أكثر كيديةً ولؤماً على مقهور آخر، باعتبار أن الجميع ـ بما فيهم السارد ـ المتماهي هنا مع القاص عبر ضمير الأنا المتكلم، يستقلون الميكروباص من دمشق إلى حلب..
ولا يخفى على القارئ العادي، ما لذكر وسيلة النقل (الميكروباص) من دلالة توحي بمستوى مستقليها المادي و الاجتماعي ..
في مجموعته الأولى، تسيطر الفكرة على عدنان محمد، ما أفقد أغلب قصص هذه المجموعة حيويتها وإيقاعها، فنرى قصة السباق مثلاً، بالرغم من محمولها الإنساني الكثيف، مثقلة بالإطالة والشرح، الأمر الذي أوقعها في إرباك المباشرة لنقرأ مثلاً: (إنها هي، حبيبتي سابقاً، راعني وجودها كمتسابقة، فألفيتني أسألها: أراك بيننا، لم أكن أعلم أنك تضيفين هواية الجري إلى مجموع هواياتك الأخرى كالكذب وجمع الطوابع وجمع العشاق...) وجواب الحبيبة (لقد توفي والدي يا همام، فاضطررت للتسابق بدلاً عنه) ص8 .
وكذا في قصة صائد اللصوص حيث يثقل النص بمقولة تكاد تكون إيديولوجية متطرفة، عبر تجريده لسكان الحي الآخر "القصور" من كل القيم الإنسانية، وتصويرهم وحوشاً تفترس وحسب .
هذا التجريد المطلق ليس له ما يبرره فنياً، ولا واقعياً حتى.. فالمرض الذي يفتك بأهل "صبرون" (الجوع) يمكن أن لا يستدر شفقة سكان حي القصور وتعاطفهم، لكنه لن يكون بشكل من الأشكال سبباً لشماتتهم وتشفيهم..
بالإضافة إلى ما سبق، نقع في مجموعة السباق، على بعض التصدعات في التركيب اللغوي لبعض الجمل، مثل :"فكم تجاوزت من متسابقين، وكم تجاوزوني متسابقون" ص6
وتبدو لي قصة "أأنت أبي" أكثر قصص المجموعة توازناً، وتماسكاً؛ بل هي جميلة حقاً بأسلوبها الدافئ، وسردها الرشيق، وخاتمتها المنسجمة مع إنسانية الفكرة المطروحة: "هل الجثة التي عاينتها جثة والدك؟" ـ "لا، إنها جثة قاتل أمي." ص62
عدنان محمد في هذه المجموعة، حاضرٌ بوضوح في نصوصه، عبر تموقعه خلف مجموعة القيم التي أراد للنص أن يبثها، مسخراً من أجلها شخصياته والمواقف والأفكار والعواطف الناتجة عنها، ما يشكل "الأحداث"، التي تجري غالباً في أزمنة متخيلة، وأمكنة حقيقية "طرطوس مثلاً" وأخرى متخيلة "صبرون" القرية التي ابتليت بداء الجوع، وهي في الواقع ليست إلا آلاف المدن والقرى الممتدة على مساحة هذا الكون المتهالك .. شرّاً .

حرية الإبداع .. براعة التخييل في مجموعة "حقل من ريح
لاشك أن الحرية شرط أساسي للإبداع، وكل محاولة إبداعية تتضمن توق صاحبها إلى حرية ما ..
والحرية هنا بالتأكيد، ليست بمعناها الشائع "نقيض العبودية"، بل هي الحرية الإبداعية التي تتجلى في مقدرة
المبدع على تحرير أدواته الإبداعية من قيود العقل الصارمة، ورقابته اللصيقة، والانطلاق بها إلى أفق الخيال الخصبة والمضنية في آنٍ معاً .. هذه الحرية التي طالما ساعدت مبدعين كبار على كسر قيود الإبداع التي سنها أسلافهم، والخروج عليها في الشكل والمضمون، الشكل المتضمن"اللغة والأسلوب والفنيات الأخرى" والمضمون المتضمن "الحدث، الزمان، المكان، الشخصيات".
في مجموعة حقل من ريح، يحقق عدنان محمد قفزة نوعية على مستويي الشكل والمضمون، عبر تحريره لأغلب نصوصه من عبوديتها للعقل، فيمارس لعبة التخييل بمقدرة وموهبة تتجليان بوضوح في أغلب قصص المجموعة، حيث تتعدد ـ على صعيد الشكل ـ مستويات السرد لديه، وتتنوع تقنياته، كتقنية القطع الزمني في العودة إلى الزمن الماضي "فلاش باك" بلا فواصل أو تمهيد وبتمكن خبير، مما أدى إلى الارتقاء بمستوى أغلب القصص، وتحضر الذاكرة كمعطىً موضوعي في النص باعتبارها إحدى الرّكائز المهمة في العملية الإبداعية، حيث مكّنته من وصل لحظة الإدراك المباشر، باللحظات الماضية التي حملت إليه انطباعات مماثلة، على شكل تداعيات سردية أغنت النص، بمقاربته لمفارقات اجتماعية مؤلمة ومبكية "قصة السوق"، وأخرى مضحكة مبكية "قصتي استجواب وصبي"
وهذا الوصل بين الانطباعين "الراهن والماضي" عبر الذاكرة، مكّنه أن يخلق تأليفاً عبر الزمن المتنقل لحظة السرد بين "الماضي والحاضر.. الواقعي والمتخيل.. الحقيقي والممكن "قصص: استجواب، السوق، من يطرق بابي، الساعة العاشرة" مستفيداً بذلك من تقنية التقطيع السردي لبعض القصص "التيه" مثلاً، حيث يبدأ لعبته الذكية منذ بداية القصة ـ"لم تعذبني قصة، كالتي سأرويها لكم". ص28
انغلق المقطع الأول بمقولة الراوي الآخر للقصة، الذي اختبأ السارد خلفه، ليصبح هذا متلقًّ وراوٍ ثانٍ يسرد حكاية الرّاوي، فيفتتح بهذه "الأنا"، المقطع الثاني: "توقف الراوي قليلاً.. أجال بصره فينا ..."ص28
ثم تبدأ العلاقة بين الراويين "ابتسم لي وهو يمشط لحيته .. "لماذا خصني بنظرته الطويلة، وابتسامته المعبرة..." ص28 .
نلاحظ هنا هذا الربط المحكم، والمزج الجميل، والتماهي المتقن بين المتخيل والحقيقي، المتخيل الراوي بلحيته الدهرية وألوانها السبعة، والحقيقي: القاعة ـ الأنا الساردة ـ السميعة ـ الزوجة ...
ووحيد الزمان الضائع، المتخيل، والحقيقي في آن، السارد .. الأنا .. الأنت .. الإنسان القابع في عزلته الروحية والمادية "الجهل" التواق دوماً للانعتاق من هذه العزلة، بالسعي إلى المعرفة، التي يتحول بها من وحيد الزمان الضائع، إلى عارف... وهنا تقودني القراءة إلى الحديث عن المضمون .
في هذه القصة أيضاً ـ كما في قصص"حقل من ريح، الاحتفال، أحلام، الغريب" أزعم أن عدنان محمد، برع في كتابة نص رمزي بامتياز، وسأحاول هنا قراءة بعض الرموز ودلالاتها، في قصة التيه:
الراوي بلحيته الدهرية وألوانها السبعة، اللحية دهرية بنسبتها إلى الدهر، والدهر ـ حسب محيط المحيط لبطرس البستاني ـ اسم لمدة العالم منذ بدء وجوده إلى انقضائه، ويقال: الدهر، الأبد، وقد يعد الدهر في الأسماء الحسنى، ومنه الحديث النبوي: لا تسبوا الدهر، فإن الدهر هو الله.. والدهر هو الآن الدائم، الذي هو امتداد الحضرة الإلهية، وهو باطن الزمان، وبه يتحد الأزل والأبد، وقيل أيضاً: الدهر والزمان واحد..
أراد السارد القول، أن الراوي هو الدهر.. وهو يرمز إلى الخلود، والفناء، و الحكمة الشاهدة والمشهودة.. والاستمرارية"الزمان" ـ ما مر ومن مر عبره ـ.. (قطعنا فيافي وعصوراً، والشيخ لا يغير مشيته الحثيثة) ص35 ( اعلم أن ليس لي بيت ، كل الأماكن بيتي) ص35 . والألوان السبعة، هي ألوان الطيف "قوس قزح" وهو في الموروث الميثيولوجي، دلالة على قدرة إلهية، وتسميته الشعبية في بعض المجتمعات "قوس القدرة" .
فاللحية الدهرية بألوانها السبعة، تشير إلى الدهر باعتباره امتداد للحضرة الإلهية، وهو الخلود الذي يتضمن الفناء، ـ خلوده، وفناء كل من وما يمر عبره ـ ماعدا المعرفة، أو الحكمة ، التي أشار إليها القاص على أنها ابنة الراوي، أي ابنة الدهر، ووصول وحيد الزمان الضائع إليها، وعشقه لها، واتحاده بها حوله إلى "عارف"، وأعطاه مشروعية الخلود، المستمدة من خلود الحكمة وأبيها الدهر؛ الذي قرر أنهما سيكونان قصته القادمة. أظن أن القاص، استخدم بذكاء، بعض المقولات والمفردات الرمزية، ذات الدلالات الفكرية، من الموروث الديني الصوفي، خصوصاً في مسألة اختياره لأسماء أشخاصه، ذات الدلالات الخاصة عند المتصوفة مثل:
ـ عارف: حسب محيط المحيط، عرف القوم عرافةً، دبّر أمرهم وقام بسياستهم، فهو عارف. والمتصوفة إذا أرادوا أن يسبغوا شيئاً من القدسية على أحد، وصفوه بالعارف العابد، وهو عندهم من توصل إلى جوهر المعرفة، في حقيقة الذات الإلهية..
ـ ليلى: الخمر نشوتها، وبدء سكرها، وترمز إلى ذات الإله، فهي اسم للذات على سبيل الترميز والإشارة، إلى معرفتهم بها، والخمرة، المعرفة، ونشوتها، وبدء سكرها، نشوة الوصول إلى معرفة الذات، والاتحاد بها..
وأزعم أنها في النص تحمل نفس الدلالة إذ يقول الشيخ الراوي في رسالته إلى وحيد الزمان الضائع "وقلت لك اشرب، فعببت قدحين، ثم نهضت مترنحاً، لم يكن ترنحك بفعل الخمرة وحدها.. خرجت دون أن تغلق الباب خلفك، أتراك نسيت أم تعمدت؟!" ص41 . أزعم أن القاص تعمد هذا السؤال، كي يوصل فكرته أن باب المعرفة لا يمكن أن ينغلق .
وذلك الذي كان "وحيد الزمان الضائع" قبل العثور على ليلاه، تحول إلى عارف، عندما وجدها "وجدتها .. وجدتها.. وجدت رفيقتي، إنها مستعدة الآن أن تمشي معي على كل الدروب، وتقطع كل المسافات" ص43 .
ونقرأ حكمة الدهر في مقولتيه: "يجب أن لا تألف عيناك الظلام .ص35 . "يا عدو قلبك.. اعتق هذا الأسير بين جنبيك" ص42ـ43 وما بين الجنبين هنا ، الفؤاد، والفؤاد هو العقل كقوله تعالى: (ولا تقفُ ما ليس لك به علمٌ إن السمع والبصر والفؤاد، كل أولئك كان عنه مسئولا) "
"اخرج إلى الأرض، ابحث عني.. كلما اقتربتَ مني، كلما ابتعدتَ عن فنائك" ص44 . حيث تتلخص هنا، مقولة القصة .
في قصة حقل من ريح، يستخدم القاص نفس التقنيات الفنية على مستوى السرد، والأدوات، ليوصل مقولة مفادها أن "تخلص من زيفك أيها الإنسان، عد إلى فطرتك الأولى "افتح للحياة مسامك.. ارو سعادتك لتنبت"، وكأني به يهيء إنسانه المنشود، يخلصه من أقنعته وأدرانه، ليدخله بعدها في حقل "التيه"، باحثاً عن الحقيقة.
وسأكتفي بالإشارة سريعاً، إلى قصة "السوق" الجميلة فعلاً، والتي تدل على كاتب متمكن من أدواته، يستطيع المحافظة على بنية نصه، رغم قفزه المتكرر عبر الزمن بين الماضي والراهن، دون أن تفلت من يديه خيوط النص، فيبقى قوياً متماسكاً، لا يعتوره الوهن .
وقصة "من يطرق بابي" الهاربة إلى الخلف، من مجموعة "على مقام العشق"، فهي تشبه ـ في أجوائها وموضوعها، ولغتها، أغلب قصص تلك المجموعة، التي سيأتي الحديث عنها بعد لحظات .
وقصة "الساعة العاشرة" الحميمية الدافئة، والتي تنتمي ـ كسابقتها ـ إلى عالم "على مقام العشق".
بقيت الإشارةـ في هذه المجموعة ـ إلى بعض الارباكات التقنية، لبعض القصص التي تعاني أحياناً من بطئ في الإيقاع، ورتابة في سردها المثقل بالمترادفات اللفظية و اللغوية، ذات الدلالات التعبيرية المتشابهة والمتطابقة أحياناً، "في داخلي شيء يتمدد ، يتمرد، ينتفض بتثاقل، مارد سيحطم قمقمه الصدئ .... المارد يتململ ... يحاول النهوض ..." ص68
"الثواني تتكور، تتثاءب، تتمطى، تغفو طويلاً في رأسي" ص86 .
ولنقرأ في قصة "استجواب": السيد المدير يقف بالباب عابساً، صارماً بنظارته السوداء السميكة، يقرر بكل قسوة: "أنت معلم فاشل ... أصوات طلابك تسمع في آخر الحي"
لو حذفنا بعض المفردات ما يسمى بـ (اللغة الشارحة)، باعتبار أن النص أصبح ملكنا ، ولنا حرية قراءته كما نشتهي، تصبح الجملة على الشكل التالي: ـ "المدير يقف بالباب عابساً.. صارماً يقرر: أنت معلم فاشل... " وكذا : ـ الحذّاء يهز رأسه آسفاً ويقول:"لا أمل في الإصلاح، يجب أن تشتري حذاءً جديداً"..." تصبح ـ الحذّاء يقول آسفاً: تحتاج لحذاءٍ جديد يا سيدي ..
وتبقى ـ رغم ذلك ـ مجموعة حقل من ريح، من الأعمال اللافتة التي لم تأخذ حقها من القراءة على ما أظن.

"على مقام العشق".. عزفٌ منفردٌ على أوتار الأنوثة في رحلة البحث عن "أناها"
لإن اختار الكاتب، المرأة ومعاناتها، عنواناً عريضاً، لموضوعات قصصه في هذه المجموعة، فإنّه يقدّم في قصصها الخمس الأولى، عزفاً منفرداً على أوتار الأنوثة في رحلة البحث عن (أناها) الأنوثة المتمرّدة على واقعها وذاتها، الطامحة إلى تحقيق مكانةٍ أسمى، وحضورٍ أكثف، أكبر من كونه حضور تكميلٍ وترميم، بل هو ذلك الحضور الفاعل والمؤسِّس، الّذي تنشده الأنثى، من خلال انعتاقها إلى تحقيق ما تصبو إليه نفسها الإنسانية الموازية لنفس الرّجل، لا المكمّلة له، ولا المتفوّقة عليه، فهو عندما يدع "بطلته" تخطئ، نراه يتعاطف معها، ويبرّر لها، أو يتركها تبرّر لنفسها عبر ضمير المتكلّم المؤنّث، الّذي أتقن استخدامه، وتوظيفه في القصّتين الأوليتين، كما في قصة "من يطرق بابي ـ مجموعة حقل من ريح"، متّبعاً ـ في أغلب قصصه ـ أسلوبا ًسردياً شيّقاً، ولغةً سهلةً بعيدة عن التعقيد الاستعراضيّ، فجاءت لغته بسيطةً ودافئة ، وواقعيّةً في معظمها، دون الوقوع في مطبّ المباشرة، وهذا إن دلَّ، فإنّما يدلٌّ على تعاظم خبرة الكاتب، عبر تمرّسه في هذا النّمط من الكتابة، حيث تتّضح مقدرته على شدّ القارئ لمتابعة القراءة، دون تململ، حتّى النهاية .
في قصّته الأولى (سفر الخروج) نلحظ إتقان الكاتب في تقمّصه شخصية المرأة، وبراعته في رصد مشاعرها وانفعالاتها، عبر الولوج إلى العوالم الدّاخلية لامرأةٍ متمرّدة على جميع /التّابوهات/ الّتي فرضها عليها المجتمع "... منذ صغري وأنا أخطف الكرات لإخوتي، وأثقبها، لأرى ما سيخرج منها ..."(ص 10) .
ثمّ تتابع "... صرت في الخامسة والعشرين، ولم تفارقني هذه العادة، طرأ تطوّرٌ وحيد، هو أنّ الكرات صارت من لحمٍ ودم... و تابَعْتُ الثّقب؛ ولكن بدلاً من الهواء، راح يخرج الصّديد.. أو العَدَمْ "(ص10)
وقبل أن تتشوّه صورة هذه المرأة في ذهن القارئ (الرّجل ) تسارع للإعلان عن تحقيق الذّات ـ ذاتها ـ بعثورها على الكرة المثالية (حيّان) ولإن بقي تشبيهه بالكرة /الّتي توحي بالّلعب/ مخلّفاً حنقاً /رجوليّاً/ عليها، إلاّ أنّها تفرض شكلاّ من أشكال الاحترام، والتعاطف، عبر مكاشفةٍ ومصارحةٍ ربّما لم يعتد عليها الرّجل: "...دفعني الجنون عينه إلى الإجابة بكلّ صراحةٍ، على أسئلته عن دراستي، وماضيّ، عن خطيبي الأوّل، والثّاني، ولمَ فسختُ خطوبتهما..." (ص11) وهنا تُبْرِز أكثر فأكثر تمرّدها على السّائد، بإعلان عشقها للرّجل الّذي اختاره جنونها /متزوجٌ وله أولاد/ .
وتتضح أكثر مقدرة الكاتب على تمثّل المرأة، وتقمص عقلها، بعرضه لسيناريوهي لقائها بزوجة حبيبها /السيناريوهان المتخيّلان/ وتجلّي المفارقة في لحظة الّلقاء الحقيقيّ، بين ما هو متخيّل، وما هو واقعيّ في مواجهةٍ مرسومةٍ بإتقان، بين امرأتين بمشاعر متشابهة، ومتناقضةٍ في آنٍ معاً، لدرجةٍ يجد القارئ نفسه فيها متعاطفاً مع الاثنتين، دون أن يفقد احترامه للحبيبة عندما تعلو صرختها الباكية "أحبّك يا حيّان.. أحبّك" (ص20) في إعلانٍ واضحٍ عن هزيمةٍ مقنّعةٍ، على المستوى الإنسانيّ .
وفي قصّة (الّلعبة) تأكيد لزعمي باختلاف وتنوّع شخصية المرأة عند الكاتب، فهي هنا قويّة، مثقّفة، متحرّرة من الدّاخل، في توقها الدّائم إلى تحصين قناعاتها بالمناقشة العقليّة المنطقيّة، والّتي تخرج في مونولوج داخليّ، يجعل القارئ يتعاطف معها، حيث كان يجب أن يستنكر تصرّفاتها، بمقارنة هذه التصرّفات مع قيمٍ اجتماعية معينة .
في القصّة الثالثة (الأحمر والأصفر) نطالع شكلاً مختلفاً، من أشكال معاناة المرأة، الّتي أحبّت، وجاء الزواج كثمرة طبيعية لهذا الحب، ولا يفوت الكاتب أن يضعنا في جوّ الانسجام الاجتماعي، والإنساني و الفكري بين الزوجين، في فصول حياتهما الأولى، ثمّ هذا التحوّل الغريب للزّوج من حال التّحرّر إلى حالة من التّزمت الدّيني الأصوليّ، والّذي ينظر إلى المرأة، على أنها ناقصة عقلٍ ودين، علماً أنّه لم يقدّم مبرّراً فنّياً واضحاّ لتحوّل الزوج عبر تسلسلٍ زمنيّ وحدثيّ ما، إنّما تكفي إشارته إلى خلوات الزّوج المتكرّرة، واعتزاله النّاس خارج البيت وداخله، تكفي ـ على ما أزعم ـ لتخيّل أسباب هذا التّحوّل، وهنا محاولة الكاتب، عدم إغلاق نصه، ليفسح المجال للمتلقي أن يشاركه في عملية الإبداع ، وأظنّه نجح في هذا أيضاً .
في قصّته الرّابعة (على مقام العشق) الّتي حملت المجموعة اسمها، يبدؤها بالعزف على مقام اليأس والألم والخيبة، فـ "في النّفق تنام المدينة... وأهلها مستسلمون لأحلام سوداء، يتفاسدون، ويتسافدون، ثمّ يخلدون لنومٍ أبديّ، لذّة النّوم عندهم، غلبت كلّ لذّة، أيّ قطارٍ قذفهم من دبره؟ متى؟" (ص51) . يحاول بطله أن يغنّي القطار القادم، ولكنّه الصّوت لم يخرج، فيسكب النّصف الباقي من زّجاجته على ركام ذكرياته، ويحرقها " (ص51). ليتحوّل الغناء شيئاً فشيئاً، على مقام الأمل والحذر عبر السّؤال: ـ" من أنت؟ هل نبتتّ في هذه المدينة؟ اخضرار عينيك، ودفء يديك يقولان لا..."(ص52) .
إنّها المرأة.. المرأة التي تأخذ دوراً آخر من أدوارها في الحياة، جسّده القاص بفنّية عالية، وهو دور الأمل البارق في سماء الخيبة، المرأة الّتي تمنح الحبّ.. والحبّ وحده الّذي يستطيع التّغيير في طبيعة الأشياء، العشق.. والعشق فقط، يمنح الرّوح صفاءها، والعزيمة إصرارها، والحياة اخضرارها:
"تقول: آه لو نستطيع أن نغيّر لون أحلامهم!!
يقول باندفاعً لم يعهده من قبل: لنغنّ.. لم يبق لنا غير الغناء..." (ص58) ليبدآ معاً الغناء من جديد، على مقام العشق والأمل والاشتهاء ـ اشتهاء الحياة ـ حيث: "... يتردّد رجع غنائهما في الشّوارع، فيطرد منها العواء والخوف، تنفتح له النّوافذ والقلوب الموصدة منذ حيواتٍ وحيوات، تعانق صوتيهما أصواتٌ خجولة منبعثة من كافة الأرجاء، ثمّ تعلو.. وتعلو.. لتعانق السّماء." (ص59)
وكأنّما استيقظت المدينة النائمة، على إيقاعٍ لم تألفه من قبل.. إيقاع من صنع الكاتب نفسه.. هي دعوةٌ صريحة للحبّ.. والحبّ فقط، ولا أظنّه إلاّ صادقاً، عندما قال في مكانٍ آخر:" العشق ديننا وديدننا، فهل ثمّة شيءٍ أسمى منه؟" .
وفي قصّة (إعدام) يتابع رصد المرأة في حالةٍ جديدةٍ من حالاتها الإنسانية المتنوّعة.. حالتها عندما تثور لأنوثتها المطعونة في الصّميم، فتقرّر الانتقام من رجلها على طريقتها، انتقام أشدّ من القتل أو(الإعدام) .
ويبقى القسم الأخير من المجموعة (هذه الرّائحة) و (مظاهرة) و (سؤالات) مجموعة من القصص، تراوحت بين القصيرة والقصيرة جدّاً, يحاول الكاتب في خلالها ليس رصد بعض المظاهر، والظواهر الاجتماعية، فحسب، وإنّما رصد المرأة ودورها فيها (البغاء ـ التّسول ـ تعدّد الزوجات ـ الأمّ ـ الزّوجة المكافحة...)
يستطيع القارئ أن يلحظ تبايناً بين قصةٍ وأخرى، إن على مستوى البناء الفنّي، أم على مستوى الدّلالات، مثال، قصة (مظاهرة) الّتي لم ترتقِ إلى مستوى أغلب قصص المجموعة، علماً أنّ الفكرة جريئة، ولكنّ معالجتها بدت /مسلوقةّ/ كما بدا لي، ويخيّل إليّ بأنّه لو قدِّر للكاتب إعادة كتابتها، لتعمّق فيها أكثر، وخصّها بمساحةٍ أوسع، وهذا لا يعني أنّ اعتراضي يخصّ الحجم فقط، فلدى الكاتب أكثر من قصّة قصيرة جدّاً، لايعوزها التكثيف، ولا الفنّيّة العالية مثال (هذه الرّائحة) والمقطع رقم(6) ضمن سلسلة (سؤالات)
ولست أدري لِمَ لم تكن القصّة المعنونة بالرّقم (7) من العناوين البارزة في المجموعة، فهي ـ على ما أزعم ـ من القصص الجميلة فيها
ختاماً: لا يستطيع أحد أن يتجاهل أهمية القارئ، كأحد أهم جوانب عملية البناء الفني للنص الإبداعي، التي تحضر في مخيلة الكاتب، قبل وأثناء عملية الكتابة، ومن هنا انطلق البعض في الحديث عن المتلقي الإيجابي الذي يسهم في إبداع النص، عبر إعادة إنتاجه معرفياً ودلالياً، وفق رؤاه وثقافته، كفاعلٍ ومنفعلٍ آخر في النص، بعد صاحبه. من هنا كانت العناية بالمقولة المراد إيصالها، والصيغة المناسبة لهذا الأمر،هي جسر التواصل بين الكاتب وقارئه، وهذا ما حاول "توما تشوفسكي" أحد أهم الشكلانيين الروس، إثباته بالقول: "إن اختيار الغرض، هو أمر وثيق الصلة بالقبول الذي يجده لدى القارئ، ويكون الكاتب نفسه، في أغلب الأحوال، على غير معرفة دقيقة بها. إن صورة القارئ تكون حاضرة باستمرار في وعي الكاتب، حتى ولو كانت مجردة، أو تطلبت من الكاتب أن يفرض على نفسه أن يكون قارئ عمله"
من هنا أظن أن عدنان لم يغفل عن هذا، وكان اختياره لموضوعاته، متصلاً ـ إلى حدًّ كبير ـ بالقارئ المتخيل، فعنى عنايةً كبيرةً بالهم اليومي الإنساني العام، وابتعد عن المحفزات المتصلة بالمناسبة، إذ سرعان ما تنقضي هذه بانقضاء المناسبة وزوال الاهتمام بها.
فالإنسان ـ على اختلاف مستوياته ـ هو غاية عدنان محمد، وهو هدفه النبيل، لذلك جاءت قصصه ملتصقةً به، متناولاً في خلالها، أدق التفاصيل المتعلقة باليومي والمعاش، على جميع الأصعدة المادية والاجتماعية والفكرية والنفسية والروحية... إلخ . معتمداً غالباً على طريقة السرد بضمير المتكلم، الذي تجلت مهارته باستخدامه، في عدم تفسيره للأحداث، قبل أن تصل الشخصيات ذاتها إلى هذا التفسير، مشاركاً في صياغة الحدث كأحد شخصيات القصة، المعايشة والمتعايشة سلباً أو إيجاباً مع باقي الشخصيات، المؤثرة والمتأثرة فيها وبها، وأحياناً يعتمد على تقنية الراوي الشاهد، الذي يرى الأحداث وينقلها حسب ما شاهد وما سمع، دون تدخل في تحليل ما يرى ويسمع، وهي تقنية تتطلب مهارة عالية، حتى يستطيع الكاتب تحويل ما هو منظور ومسموع، إلى مقولة موحى بها "أي دون قائل"، وهذا ما حققه الكاتب في بعض قصصه القصيرة جداً، وفي قصتيّ "الأحمر والأصفر، و إعدام" من مجموعة على مقام العشق .

في النهاية، لا أستطيع ادّعاء الإحاطة بكافّة الجوانب الّتي يمكن الحديث عنها في أعمال الكاتب عدنان محمد، هي قراءةٌ سريعة، ربّما يختلف معي كثيرون فيما ورد فيها من رؤى، وحسبي أنني قلت ما خلته يعبّر عن رأيي الحقيقي، وللقارئ أن يوافقني الرّأي، أو يخالفني في كلّه، أو بعضه على الأقلّ .

بقي التنويه بأن عدنان محمد ترجم العديد من الكتب النقدية والإبداعية عن اللغة الفرنسية.

2/2005


  

 
أهلا بك..   

*- جميع التعليقات تخضع لالتزامات "مرصد نساء سورية".. للمزيد يمكن مراجعة: من نحن

    *- هذا النظام للتعليق فقط. إذا رغبت بالنقاش، يمكنك المشاركة في منتدى نساء سورية
*- الحد الأقصى للمشاركة 1000 محرف (150 كلمة تقريبا)
 
أضف جديد
أضف تعليقك
الاسم:
البريد الالكتروني:
 
عنوان التعليق:
 
رجاء ضع الكود الموجود في الصورة الجانبية

3.26 Copyright (C) 2008 Compojoom.com / Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved."

 
< سابق   تال >

مدخل
الصفحة الرئيسية
الافتتاحية
مرصد العنف
مجالات المرصد
قضايا المرأة
العنف ضد المرأة
قضايا الطفولة
العنف ضد الأطفال
قضايا الأسرة
قضايا الرجل
قضايا المعوقين
المراهقة والشباب
حياتنا الجنسية
قضايا الإيدز
التدخين والمخدرات
قضايا صحية
تربية وتعليم
سكان، تنمية، بيئة
مجتمعيات
فلسفة ورأي
حوار مفتوح
فن وثقافة
إبداعات حرة
كتابك المجاني
كتب وإصدارات
دراسات قانونية
قوانين واتفاقيات
تقارير ووثائق
سؤال وجواب
نشاطات
قضايا الجمعيات
مرصد الإعلام
أدلة وتدريبات
تعاريف ومصطلحات
الاتجار بالبشر
زوايا نساء سورية
سكر نساء
بين السطور
همسات صارخة
شغفي..
فصول مزهرة
مواطنيات..
علم نفس واجتماع
مقالات ودراسات
رسائل وحلقات بحث جامعية
مراجع باللغة العربية
مراجع باللغة الانكليزية
سير ذاتية
دورات، محاضرات، نشاطات
صفحات أساسية
سيرة ذاتية للكتاب
كاريكاتير
صفحات خاصة بالجمعيات
رابطة النساء السوريات
مركز البحوث والدراسات
المركز الإنجيلي لرعاية المسنين
نادي دوحة الميماس
إحصائيات المرصد
عدد المقالات: 6287
عدد القراء: 5342917



© 2009 SWO
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.