خاص: "نساء سورية"
مرة أخرى تثبت القاصة السيدة وفاء خرما قدميها في عالم السرد القصصي العجيب وهي تسبح في فضاءات متعددة يضمها في نسق واحد إحساس قاصة تمتلك القدرة الفائقة على خلق عوالم محسوسة لكنها لا تدرك واقعياً, مما يجعل من هذه العوالم وجوداً فنياً يتحدى الإمساك به أو القبض عليه كما هو. بل لا بد من الاستدراك على الواقع المحسوس وتأويله ليتسنى للمرء أن يتوغل في تلك العوالم التخيلية ويذوق متعتها دون أن يصاب بالخيبة. (واو في نيويورك) هو عنوان المجموعة القصصية الثالثة للسيدة وفاء خرما حيث تم فيها تطوير أساليب السرد, وتوسيع وتعميق فضاء الإبداع القصصي بخليط من المتناقضات ليتالف في النهاية كون غرائبي, عجائبي, لا ينتمي إلى الواقع اليومي الوثائقي, مع أنه يستند إليه كمرجعية تاريخية اجتماعية. لكنه مع ذلك كله كون سردي متقن بامتياز, مالك لكل مبرراته لكي تجعله صادقاً الى أبعد حدود الصدق, وواقعياً إلى أبعد حدود الواقعية, وهجاءً مراً وفجائعياً!! ليس مهما ماذا تعالج وفاء خرما من موضوعات في قصصها, وذلك لأننا إن قرأنا تلك القصص على مستوى الواقع المشخص فلن نظفر بشيء, إذ إن ما يجري في القصص أكبر وأخطر من أن يتوافر في الواقع المقنع بأقنعة شتى يكثفها جميعاً قناع (القمع والإرهاب) النفسي والروحي والعقلي. وإذا قرأنا القصص بفضاءاتها المقترحة سردياً لخرجنا بعوالم إبداعية اخترعها الخيال الفني الخصب لمجتمع خيالي. على أننا في كلا الحالين لن نظفر بمتعة ودهش مالم نقرأ الإبداع – إي إبداع _ من حيث هو خلق فني مستند إلى مرجعيات تم الإيهام بها فنياً. وهذه ميزة وفاء خرما منذ مجموعتها الأولى (الأجنحة المتكسرة س.. و ع..) مروراً بمجموعتها الثانية (البرج) لكن وفاء خرما هنا تبدو أكثر مغامرة ومخاطرة وإيغالاً في التجريب, حيث تنجز قصة مضادة لما هو نمطي تقليدي في مفاصل كثيرة سواء على مستوى المكان أم الزمان أم الشخصية أم الحدث. ولهذا يمكن ملاحظة أن مجموعة (واو في نيويورك) تعجن ذلك كله بخصوصيتها وأسلوبيتها لتفارق الأعم الغالب من القصص المنشورة. لا تركن وفاء خرما إلى تقنية وحيدة رئيسة, بل إنها لا توفر تقنيات الحذف والتلخيص والتكرار والتركيز والتكثيف والرمز والوصف وإغفال جغرافيا الأمكنة وتقاطع وتمازج وتفارق الأزمنة لصياغة قصصها رغم أنها قصيرة, مع أن القصة الواحدة تحتوي عل ى عدة عناصر من مكونات السرد, ولكنها موظفة بأسلوب مضاد, مما يكسب ا لقصة هنا توترا دائما تبدو علاقة الشخصية بالمكان لدى وفاء خرما علاقة تناحرية على الدوام, رغم إيهامنا باندغامهما, أو استتبا الشخصية للمكان والعكس صحيح ,لأنه كثيراًما تقصد وفاء خرما وضعاً انسانياً آخر وهي تطرح إشكاليات تتعلق بالوجود والكينونة والمصير الإنساني باعتبار أن الحياة الحرة الكريمة حق مقدس لكل إنسان. بتأمل مضامين قصص (واو في نيويورك)لا يخطئ المرء في تصنيف تلك المضامين في مضمون واحد في الأعم الأغلب هو (القهر الإنساني), خاصة قهر المرأة, لا فرق بين مجتمع شرقي أو غربي!! على أن تلك المضامين تنز على الدوام رعباً وألماً باهظين, ولكنها تفتح في النهاية نافذة ضئيلة لأمل معقود على المستقبل, وقد خالطه حنان وحنين وعاطفة ومشاعر طاهرة, بريئة, جياشة تجاه الأمل بهدف تغير الواقع ولهذا تكتسب قصص وفاء خرما في قصدها الفني والفكري نقدا ًللواقع بل هجاء له كل ذلك يتم عبر (راو – سارد) عالم بكل شيء, لا تفوته واردة ولا شاردة, وهو يسيطر على السرد وعلى الحكي. ويسيطر – حتى – على عوالم الشخصية الداخلية. لكنه (راو) ضنين, بخيل, لأنه لا يمنحنا واقعاً وأحداثاً كاملة واضحة, ولا يقدم لنا أمكنته وأزمنته إلا بأوصاف ونعوت –تكاد تكون رموزاً – بما فيها من شجر وأزهار وقبور وبيوت تعسة – أو ضجيج وزحام, أو موصوفة بالرياح الهوجاء والبرد القارس. لكن المكان لا يقدم إلا باختزال شديد.. (مقبرة – شارع – منزل... الخ). والزمان لا يحدد بالقول: في زمن ما, في ساعة ما.. الخ, بل يوصف بما يجري فيه (نسيم – رياح- مطر ثلج – برد – شمس ساطعة – قمر ونجوم). وهذا كله يساعد على تعميق خلق فضاءات مركزة من أمكنة وأزمنة وشخصيات لا يمكن فصل أحدها عن الآخر. غير أن وفاء خرما توفر – على الدوام لقصصها حدثاًما, حدثاً مكثفاً متوتراً منذ البداية. وحين يمضي الحدث إلى الأمام متطوراً بقفزات حادة سريعة خلال أزمنة متناقضة ومتقاطعة فإنه سرعان ما يرتد إلى الوراء أو ينحرف في اتجاه ما... ليزيد من توتره, ويناور في تشويقه, ويعزز إيقاعه الدرامي الفجائعي الغرائبي, مما يكسبه حداثة معتبرة!!ولهذا يمكن الإدعاء أن وفاء خرما تجتهد باقتدار لبناء سرد فني رشيق بكلمات قليلة رغم سوداويته, ورغم كثافته قائم على التخطيط التالي الذي تم استنتاجه من معظم قصص المجموعات الثلاث المذكورة سالفاً, وبخاصة مجموعة (واو في نيويورك), حيث يتكون التخطيط الموصوف من العناصر التالية: الصدمة: الحاصلة من حدث مركز ومكثف ومتوتر منذ البداية, سواء تم كفعل مادي, أم تجلى عبر شخصية تعاني - تفعل - الآن!! الإدهاش: الناجم عن الصدمة الأولى لعجيبة من عجائب الأحداث كما في قصة (زواج) التي يتحول فيها العريس الذي يشبه عروسه إنسانيا منذ الليلة الأولى ليصير أقصر قامة, وفي الثانية أثخن جسداً, وفي الثالثة أشبه بالمربع وفي الرابعة صار ذا وجه قرد وفي الخامسة صار وحشاً ويلاحظ المدقق في هذه القصص أن التحولات من شكل آدمي إلى شكل حيواني أو كائن غريب تشكل بنية ثابتة في الأعم الأغلب, ناجمة عن سيطرة بنية القهر الإنساني المركزية في قصص وفاء خرما لا يتم ا لسرد لدى وفاء خرما دون صورة, لأنها بارعة في ذلك. إن سردها صورة ناصعة, متقنة على الدوام, ترسمها ببراعة الكاميرا السينمائية غير الواقعية أو التسجيلية, أعني أنها تنحرف نحو التخييل الفانتازي. أو لنقل نحو واقعية مضمرة أو مكبوتة عمداً هي الواقع الحقيقي الذي تراه (وفا ء خرما) لأن الواقع المعاش مزيف ومزور ولهذا تكتسب واقعية وفاء خرما المضمرة مصداقيتها عن رؤيتها النقدية المعجونة برومانسية شفافة تكشف عن توق أبدي لحرية منتزعة ومغتصبة منذ أمد بعيد. ولهذا يتجلى موضوع الحب والموت كفارسين يحتلان – على الدوام – الكرسي الوحيد في الصف الأول فوق المنصة وليس بين الجمهور المتشابه. إن وفاء خرما كاتبة (سيناريو) ممتازة حيث كل جملة لديها لوحة متكاملة العناصر, موصوفة بدقة واختزال كما في قصة (المرأة النيلية), وكما في قصة (الوردة) المدهشة بعوالمها الغرائبية. ومفارقاتها تشتغل وفاء خرما في (سيناريوهاتها) على المونتاج البوليسي المستند إلى التعمية والغموض والإبهام, مما يثير لدى القارئ أسئلة شتى عن الحقيقة وبذلك يتم تحقيق الركيزة الثالثة من التخطيط الموصوف سالفاً وهو: التشويق: الذي يسمح لنا في التفكير في نتائج ما, ونهاية محتملة, الأمر الذي يقودنا إلى المكون الرابع وهو: التوقع: حيث تتم استثارتنا نفسياً وعقلياً وعصبياً وعضلياً لإدراك النهايات المفاجئة لنا في كثير من الأحيان, لكننا لا ندركها إلا بعد أن تصفعنا القصة بنهاية غريبة. لكن ما هو هام هو أن القصة تنتهي بالمكون الأخير. المفاجأة: الناجمة عن التسلسل الفني السابق. وهي مفاجأة صادمة كما هي حال الصدمة الأولى الأمر الذي يسمح لنا بإدعاء أن القصة لدى وفاء خرما في عمومها ذات طبيعة التفافية, أو انغلاق فني, يبدأ من الصدمة وينتهي بصدمة المفاجأة الختامية للنهاية القصصية ويلاحظ المتأمل الجاد أيضاً أن (المونتاج) هنا يتركب من صور سريعة قصيرة من حيث أزمنتها تترى خلف بعضها بعضاً وفق نظام محكم: 1- الحبكة 2- مركزية العقد 3- طبيعة الصراع ووظيفته لتوفير فضاءات متقاطعة, وبذلك ينشأ لدينا التخطيط السابق وصفه جليلاً متماسكاً, على الرغم من أن وفاء خرما لا تقدم لنا قصة تقليدية تقوم على حكاية نمطية. إن قصة وفاء خرما تقدم لنا ووضعاً بشرياً إنسانياً في لحظة محددة يجلوه مجهر الروح والنفس ولهذا تم استبعاد صفة القص التقليدي القائم على (بداية ووسط ونهاية). بل لقد عمات وفاء خرما على أساليب شتى متداولة متنوعة ومتعددة, ربما بدأت بالوسط أو بالنهاية, أو بالفلاش باك, وربما بالتداعي, وهذا كثير في قصصها. بحيث يمكن توصيفها بأنها قصص تنتمي إلى تيار الوعي المعني بالظاهريات وبتحكم قوي الذهن والعقل في مجرياتها, لكن دون حواجز أو موانع حيث تدرك وفاء خرما ما تريد أن تقوله لنا نحن القراء. أن قصة (الوردة) نموذج باهر لما نذهب إليه من (مونتاجية) عالية المستوى تتقاطع فيها الأمكنة والأزمنة, وتزخر بروح الأساطير مثل (هبوط أورفيوس إلى العالم السفلي) حيث كل شيء بارد متحجر, ومثل أسطورة (ميدوزا) حيث يتحول الإنسان فيها إلى حجر بمجرد لمس شيء ما فيه قوة سحرية خارقة. ولعل ولع وفاء خرما بتقنية التحولات (الكافكوية) الدائمة لكائن بشري ما يفصح عن الإلحاح الباهظ على تصوير مرئي من وجهة نظر محددة وموصوفة ومن زاوية قصد إليها الراوي عن سابق إصرار وتصميم, كما في قصة (التابوت ص 35) و (دودة ص 27) و (زواج ص 7) و(طباعة ص 49) و (الوردة ص 17) أما قصص وفاء خرما القصيرة جداً والتي تبدأ من ص 97 وتضم قصصاً من نيويورك فإنها أشبه بلقطات أحادية للحظة تم تجميدها لصالح حسن المفارقة الساخرة السوداء كما في (رؤساء الجمهورية – حفلة – مآندونالد) وفاء خرما كاتبة قصة قصيرة مجيدة, تعرف أصول صنعة إبداعها وتتقن فن السرد اللماح وتحقيق المتعة الضافية 14/2/2005
|