|
صور من معاناة المرأة في التراث الساحلي الريف |
|
|
|
فريال سليمة
|
|
2006-04-30 |
|
صفحة 1 من 2
خاص: "نساء سورية"
محاضرة ألقيت في المركز الثقافي العربي بالعدوي- دمشق- 10/1/2005 التراثُ كتابُ الأجيالِ التي مضتْ، وذاكرة الأيّامِ التي انقضتْ، وصوتُ اللحظات التي توارتْ، وبعدتْ، وصورةٌ لكل إِنسانِ بيدِ الزمانِ رُسمت، وعلى جذوعِ شجرة الماضي شاخت وكبرتْ. في التراث أخبارُ الآباءِ والأجدادِ، وأخبارُ الرجالِ والنساءِ، فيه قصصُ الحبِ والمعاناةِ، والحروبِ، والفقرِ، والأَمراضِ، فيه وصفٌ لأحوالِ الطقسِ، ولما دَرجَ الناس عليَه من عاداتٍ، إلى جانبِ القصصِ، والحكاياتِ البسيطة بكلماتها، الكبيرةِ بمغزاها، ومعناها، والتي تمجدُ الأخلاقَ، وتدعو إلى السموِ، والقناعِة، والجد، والرضا بالمقسومِ. نجد في التراث الأغنية بلحنِها: الشجيِّ القديمِ الذي يؤرخُ للحظةِ سعادةٍ، كما نجدُها بلحنها الحزينِ، تعبرُ عن حالةِ حُزن وشقاءِ كالموتِ، والمرضِ، والضيقِ من الفقرِ المستغلِ، والمستعمِر، والجَهل، والحروبَ. مقطوعات لا حصرَ لها، بألحانَها الرائعة، تحكي معاناة الإنسان، وتدون الصبر على البلوى والتعايش مع الزمان في تقلبات أحواله. في (الفولكلور) الشعبي أو التراث، وصفٌ لمراحلِ حياةِ الإنسان منذ مولدِه حتى لحظةِ مماتِه، وصفٌ حرٌ، غنيٌّ، صادقٌ، يشمل الأفراد غنيهُمْ وفقيَرهُم، حاكمهُمْ، ومحرومَهم، وذلك إما على شكلِ أغنيةِ، أو مقولةِ، أو قصةِ، أو مثل. في التراث وصف للحمال بأشكاله، روحاً، وجسداً، وخَلقاً، كما وصفت الطبيعة وما حوته من حيوانات عايشتْ ذَاك الإنسانَ، وكانت جزءاً من حياته، وبذا حفظ التراث تطورَ مسيرةِ الإنسان من الضَياعِ، وسجَلها بعفويةٍ، وعلى مهلٍ، لم يترك كبيرة ولا صغيرة إلا أتَى على ذكِرها، ودوَنها في ذاكرةِ الناسِ، يتناقلونها، جيلاً بعد جيل: دونَ التراث تفوقَ الرجلِ على المرأةِ في السِّلَّم الاجتماعي، وإصراره على التمييز وحيازة الأولوية بلا منازعٍ. كما دوَّنَ معاناةَ المرأةِ وتهميشَها، وسيرها البطيء جداً نحو أهدافَهِا، تلك الأهدافُ المرجوة الصعبةُ المنالِ، وسجلَ النكساتِ المتكررةِ في حياتنا وتركِ لنا صوتها يبوحُ بالشكوى والخذُلان، والأسئلةِ تتابع وتقول: لماذا يكون الحق دائماً إلى جانب الرجل؟ ذكر التراث المرأة مظلومة، محكومة، مقصومة الجناح، تذرف حروف أغانيها الدموع، كما ذكرها محبوبةً، جميلةً، ساحرةً، لا يُستغني عنها، ولمَ لا؟ أما منْ حنانِ قلبها ينبعُ الحبْ، الذي تتفتحُ زهورُ الإنسانية في حدائقه، وفي تربته المقدسة تحفظُ بذور البقاء. وحتى الستينيات من القرن الماضي التي اعتبرتها نهاية ذاك العهدِ، وبداية عهد جديد مختلف ذكرت المرأةُ على أنّها الفردُ الأهمُ في المجتمع الريفي بشكلٍّ خاصٍ، نظراً لما تقومُ به من أعمالٍ لا تحصى، لا يؤديها سواها، ورغبوا أن تكون عند الزواج متينة البنية، ممتلئةً، تقوم وحدها (بصمد بقر) نظراً لصلاحيتها للعمل الزراعي الشاق قبل كل شيء. وكلمةُ صمد، تعني المحراثُ القديم، أما صمد البقر فهو المساحةُ من الأرض التي توكل إلى ثورين قويين لحراثتِها، ويشير الموال التالي إلى شكلِ الفتاةِ التي كانت مرغوبةً. من زحله لمرجعيون يوميَن وعا صدرا يلعب الخيال يومين عاشرنا سنه وتقول يومين وعشرة يوم ما تربي صحاب وهكذا كان يؤخذ بعين الاعتبار شكلُ الفتاة القادرة على العملِ في الأرضِ والإنتاجِ الزراعي، وكانت هي المرغوبة، في حين تقلُّ قيمةُ الفتاةِ المدللةِ مثلاً، أو التي لا تمارس العمل الزراعي، فيضربُ المثلُ: (لا ناخد بنت العاطولي، ولا تسّتري حمار الفاخوري) ذلك أن بنت الشخص العاطل عن العمل لا تصلح هنا، لأنها لم تألف التعب، كما أن الحمارَ الذي يحملُ الفخارَ ويمشي الهوينا حفَظاً للفخارَ، أيضاً لا يفيد في غير هذا العمل، وأنا يؤسفني أن يُقترن اسمُ المرأةِ مع اسمِ الحمارِ في مجال الحاجةِ لكل منهما، ودون تفريق. ذكرت الأمثال الشعبية المرأة التي تلد بنتاً على أنها (مكروها وجابت نوها) فالمرأةُ بحدّ ذاتِها غير مرِحبٍ بها، وتأتي بعد الرجل بدرجاتٍ، وبعد هذا الرفض تخض وتركب جريمة، وتلد بنتاً! إنه شيءٌ لا يحتمل في نظر المجتمع الذي يرحب بالذكر. كما أشار المثل إلى قبول البنت على مضض وقلل من شأنها استهجاناً فقالوا (بنات ولا حايلات) بمعنى أن ترزق المرأةُ الحاملُ بنتاً، أفضل من أن يمرَ عليها الحول دون أن تثبت قدرتها على الإنجاب، فهي في هذه الحالة مسامحةٌ بجلبِ هذه البضاعة الردية التي تُستقبل على مضضٍ، ذلك أن البنت في نظر ذاك المجتمع كما يطلقون عليها: (البنت ما نها خلفه، ولا بترد وارث). فصبيّ واحد يستطيع أن ينتزع حقه في الميزان من أفواه قبيلة، في حين تعجز دزينة فتيات عن المطالبة بحقوقهن. إذا كانت الأمثال تحمل ما توازن الناس وآمنوا به، فقد كانت الأفعالُ التي ترفضُ قدومَ البنت، تتجلى أولاً بأول حين كانت تراكب العروس على الفرسَ، متجهة إلى بيت زوجها، حيث يحرصُ الأهلُ على ركوب طفلٍ ذكر أمامها، تيمناً، وأملاً بأن تبكر بصبي فحتى الأماني المقبلةُ، الجميلةُ كانت الفتاة تقصى عنها، ويزالُ اسمها من صفحاتها. ذكر التراثُ المرأة صابرة، وفية، راضية، ولكنها لم يكافئها، كما يستحقُ الصابرُ الوفي في معظم الأحيان، بل ذكرَ سهولة الاستغناء عنها، وأبرز صكَّ مشروعية استبدالها بأخرى، وتذرع بالدين دائماً وما شرّعَ. ليخفي الأسباب غير المقنعة. ومن محاسن التراث أنه لا يفرقُ فيما اختزنهُ بين جنس وآخر، فالتراثُ كتابٌ عدد صفحاته بعدد أيام الزمان، لا نعرفُ بدايتها، ولكننا نعرفُ أننا آخرُ سطرٍ فيها، فالتراث لا يعترف أن للذكرِ مثلُ حظِ الأنثيين. لأن كلّ إنسانِ حفظه حسبَ مقدرتِه الفكريةِ، وما يوحيه وضعُه الاجتماعي، ولحظاتُ حياتهِ من فرحٍ أو شجن، أو تغير أحوال. ومن خلال تجربتي التي دامتْ أحدَ عشرَ عاماً لجمعِ التراثِ من أفواهِ الناسَ أصبحتُ على ثقةِ كبيرةِ بأنّ معظمَ الأغاني الرقيقةِ الحزينةِ، والزغاريدِ، وَأغاني الأطفال، كانت من نظمِ المرأةِ، وشعرِها العفوي، الذي لحنتُه كما يتناسبَ مع مفهومِها وأحاسيسِها، واللحظةِ التي تحياها. وبهذه المناسبة أذكر أن والدتي رحمها اللهُ كانت تحدَّثني عن جدةٍ لها فتقول: (يا بنتي: كانت ستي الله يرحمها شاعرة، وكانت تعدّ، وتقول من قينها حكي حلو كتير وما حوا حكاه قبلا، تقول وتعدّ مثل كل الرجال). وأجيبها قائلة: يا أمي طالما أنها كانت تقولُ كلاماً لم يقلُه أحدُ قبلَها، فيا أمي جدتُك كانتْ شاعرةً بالفطرةِ، ولكن أحداً من الناسِ لم يسجلْ لها هذا التميز، لأنها امرأة أمية، والقينة في المعجم التي شبهوها بها، هي الأمةُ، مغنيةٍ، أو غيرَ مغنيةٍ، وهي حين تقول من قينها غدت أشبهَ بالقينِ، المغنية، التي كانت تغني في مجالس الأنس والطرب أبيات الشعرِ التي لقنها إياها مالكها، ودرَبها على قولها لتزدادَ قيمتُها عند شاريها.. ولكننا نتجاوزُ ذاك التنكر لأمثال موهبةِ جدةِ أمي، وموهبةِ المرأة الضائعة بين مواهب الرجال، وهي التي لا يعجزُها قولُ الشعرِ لأن الله لم يخصَّ به جنساً دون سواه، نرحلُ إلى زمن أبعد بكثير، نطلُّ على أوغاريت، لنقَف على ذاك المخزون الفني من الحضارةِ التي أنتجتَ أول نوتة موسيقية مسجلة في العالم. دعونا نقتحم باب الزمان ونعودُ لنسألَ عن سر تلك (النوتة) المدهشة، الأحجية الفكرية، ,الذوقية التي أخذ علماء الآثار في استحضار لحنها الذي انبعث من بين أصابع المرأة عازفة القيثار في الأوغاريتية، والذي ثبت أن سلمها شرقيُ حسب (راؤول فيتالي) وكذلك المرأة الضاربة على الدفِ، وسواهن ضمن خلدتهُن الشواهدُ الأثريةُ الباقية، والتي كرمتِ المرأة صاحبة الفن، والذوق، ورهافةِ الأحاسيسِ، واعترفت بإبداعها منذُ أقدمِ العصور. نحن لن نجهد أنفسنا كالآثاريين، لبحث عن لحن مض، فالألحانُ العاميّةُ، المنوعةُ، إن دلت على شيءٍ، فإنما تدلُ على تقدير، وتخليد المرأة في ذاك الزمان، والتي أزهرتِ الألحان بين أصابعها، لتصل إلينا كباقة ورود نادرة في العطر والشذا. وإلى صوت المرأة، صورتها، ومعاناتها كما صورها التراث نعودُ لنطلعَ على مراحل حياتها كما تناولتها الأغاني، ولعلها في زمنِ أوغاريت حصلت، على حقوقها أكثر مما نالتها في عصور لاحقة. مرحلة ولادة البنت: في أغنية العموري يوجد البيتان التاليان، وفيهما إشارةُ واضحةُ إلى الخوف من ولادة الأنثى بقول: العموري راكب بغلي ومرتو حبلي.. هنيالو المرتو حبلي وبتجبلو صبيّ وهو أمل صريح. ذلك. أن البنت مرفوضةٌ سلفاً، في حين يُرحبُ بالولد أيما ترحيبٍ، وتندرجُ مقولة (حتى يجي الصبي منصلي عالنبي) تحت ذاكَ العنوان الكبير، الذي يظهرُ الترقب والسعادة بقدوم الصبي، وذاك الأمل القديم الدائم الذي عانت المرأة من تبعاته دهوراً، من أغاني العروس: لمين هالدار الوسيع وعالي ومسيجة بالورد والريحان هادي دارك يا بو العريس ريتو دايم وخلفته صبيانوتبين المقطوعة التالية آمال الرجل الواضحة في أن يكون في ذريته الذكور، لا غيرَ، سنداً، عضداً، اماتداً لقيمة العشيرة القديمة وأسيادها الرجال: الحبابات الحبابات فتلوني ورفيقي مات الحبابات بمشقيتي غريب وضاعت عرقيتي الله يكتر ذريتي صغار ولابسين شرابات والشرابة، طاقية كانت تنسجها المرأة من خيوط الحرير الطبيعي بواسطة ريشة القنفذ، يلبسها الطفل على راسه مباهياً بها، تظهر مدى العناية بالولد الذكر. وإذ نذكر بمقولة يرددُها الناسُ حينَ يعمُ الصمتُ بين عددِ من المتسامرين للحظة، فينبري أحدُهم قائلاً: (شو جابت بنت) مقولةٌ تبشير بشكل واضح إلى فقدان مفردات السرور حين تلد المرأة بنتاً، حيث يعم الوجوم والصمت. - التعليم: عانت المرأة من الجهل عند الجاهلين من الناس، ويسّر لها البعض فرص التعليم بحذر، وقد كشفت إحدى الأغاني توق المرأة للتعليم ذاك التوقِ الذي كان يؤرق الأهل، ويحسبون له ألف حسابٍ، وهو أن تتوصل الفتاة المتعلمة لكتابة رسالة لمن تحبُ. ذاك الجرم الذي يظلُ دون الجُرم الذي يتجلى بجهلها وحرمانها من نور العلم. من أغنية دلعونا أورد: حبيبي سافر الله يسهلو.. ولا بعرف اكتب مكتوب تا ارسلّو ولا عندي صديق حتى يوصلّو.. ونموت بحسرة وبيدفنونا في سن الزواج: معظم الزيجات كما كان سائداً كانت من ابن العم لحفظ ثروة، أو قوة الائلة، ويأتي ابن الخال في الدرجة الثانية، وكانوا كثيراً ما يرددون: (فلانة مقطوعة سرتها لابن عمها) أي أنّها ومنذُ لحظة الولادة، وُهبت على شكل سلعة لشخص معين، وغدت ملزمة عنده وتبلغ سن الزواج بالرضا بما تقسمه لها الأهلُ. وإذا كانت بعض الأغاني قد سجلت رأي المرأة برفض تلك المنح، التي لم يكن لها فيها أي رأي فلم تكن غالباً لتنجو من ذاك الواقع، وكانت تقضي عمرها تردد (أعطوني أهلي غصيبة) ولنستمع إلى ما تردده المرأة بهذا الصدد من أغنية الزلف بلحنها الرقيق الذي يمس المشاعر: وتصيح يا عمامي وتصيح يا عمامي ما بريد حدا منكن لو زحنوا عضامي كنّا الجازه غصيبي في شرع الإسلامي تادب حالي ببحر وأسري مع المياوفي أغنية أخرى نتبينُ اعتداد المرأة بنفسها، واستغنائها عن الزواج بابن العم أو ابن الخال، وهي المطلوبة، المرغوبةُ من علية القومِ، النجوم، من أغنية دلعونا نورد: يا ابن عمي ويا ابن خالي إخطب واتجوز مانك عبالي كنّا عروسك بدر الهلالي أنا الثريا وحولي النجوماوبالرغم من ذاك الالتزام القسريّ في حالة الزواج من ابن العم حيث تتبدى المرأة كسلعة آدمية، تنتقل من منزل إلى منزل آخر بصمت، لتفاجأ بأن شاريها من أكثر الزاهدين فيها، من أغنية دلعونا نورد: يا عمي ما ريد ابنك ويعيرني يا سودا إن كني مانو عاجبتو على أهلي مردوداوالمقطوعة التالية من أغاني العروس تظهر حماسَ الأسرةِ للزواج من ابنِ العم، وتيسّرُ بشكلِ واضح إلى أن أبناء العمومة سياجُ المرأةِ المتينِ، والذي ليس بالضرورة أن ينبت الورد والريحان: يا عروس فوتي عالبيت فوتي ولاد عمك سبعة عالتخوتي ولاد عمك ستة سبعة تماني كليتون حمالين جفوتيوفي حالات القسر والإلزام بالزواج من ابن العم أو سواه، تؤرخ المرأة ذاك الحدث المر من حياتها بالفناء الحزين، الذي يظلُ يتردد على شفتيها ما بقيت المرأة عُرضة للظلم وانتهاك الحقوق، من أغنية زلف: وتصيح يا جندل، وتصيح يا جندل ما ريد شب اللكن عصيبي يا أندال بكرة بتحبي الحصدي ومنسحب المنجل ويصيح زرع الكن حنطا حليبياوهي هنا ذكرت الحصاد، وهو من أشق الأعمال، ربما لأن ملجأها الوحيد لتفريغ طاقاتها وترديد غلبتها، وأحزانها، وإثبات قدرتها كما الرجال، وهي الصبورة على كل الصعاب. ونرى المرأة أيضاً ترفع صوتها، وتعلن أسفها في حالة الزواج غير المتكافئ من شخص لا يرقى إلى مستواها، وتطلعاتها. نورد شكوى الفتاة بصراحة لأمها، وكيف أنها تحدد طموحاتها بصراحة، من زلف أيضاً: البنت تقول لأمها يوما ما ريد راعي والوحل لا ركبتو والقمل فيه ساعي ما ريد غير بو عبية حميره وسيوفو لماعي هذا اللي يرد الحمل لو كان مرمياويقصد بالجمل المرفق، تمكنُ هذا الشخص الذي تحلمُ به لافتاة على تحملِ الصعابِ مهما كانت ثقيلة، والعبء الأُسري إن هي وقعتْ في ضيقْ. ودائماً تلجأ الفتاة إلى أمها التي ذاقت الغلب مثلها، هذه الأم والتي تلامُ كثيراً حين تتجاهل ما يناسبُ الفتاة، ويجلبُ لها السعادة، بخاصةٍ إذا عوملت كسلعة تباع لمن يدفع أكثر أيضاً من زلف نورد: البنت تقول لأمها... يوما ظلمتنيني... أول خطيب الإجا لأيش ما عطيتني تا اجا الندل وبحضنو رميتيني يا حيف شهد العسل ينخلط بالميا وطبعاً بفقدُ شهدُ العسل قيمتُه لو اختلطَ بالماء، والفتاة شبهتْ نفسها بالعسل وقيمته الكبيرة، فيما شُبه من لا ترضاه بالماء، وما أبعد الشبه بينهما. وهذا ما ينطبق على المثل القائل: لا تبيع غير بالغالي، ولا تأخدي ندل الرجالي. لأن من يبيع بالرخيص بيستهزأ ببضاعته. وأيضاً إلى الأم يوجه اللوم، والشكوى حين تتهاون في إنقاذ ابنتها من زيجة مصلحة من رجل مسنٍ في زواج الظلم، والموت المبكر للأماني والأحلام على وسادة لا تزورها فراشات الصبا حين يدفن العمر في أوجه، إما من أجل كسب، أو لمراضاة تذهبُ المرأة ضحيتها، أو مال، ذاك البازار الخاسر كثيراً ما ذكرتهُ المرأةُ، والذي لم يكن يعود عليها سوى بالقهر، والندم، تردد الفتاة من دلعونا موضحةً رأيها بالزوج المسنِ: ما ريد الشايب يوما ما ريدو طالع ومعدى والعصا بيدو يا رب السما تعطيه وتزيدو حصبه وبرديه وعما وجنوناوهو وصف كافٍ ذكرت فيه كل الأمراض الفتاكة والمستعصية في ذاك الزمان، وأيضاً تقول: ما ريد الشايب لو حط بتقلي دفنوها لبيضا يوما تشوكني بدي حبيبي شب بيلبقلي بيشيل عن قلبي كل الهموماوكما يصعب على من فقد حقه نسيانه، كذلك يصعبُ على المرأة نسيان أو تجاهل حقها في الزواج من شاب قريب من سنها، من سكابا بلحنها الحزين: شوف الزين بقصر ولمحني جر الميل بعيونو دبحني عطوني لابو ضهير المحني تاموت وروح وعيني بالشباباويتعالى التحذيرُ للأهل الذين يتنكرون لحقوق الفتاة، فيزجوّن بها في زواج لا يعود عليها سوى بالفين، لا يتحقق فيه العدل، ولا ما شرعه الله للإنسان عن أغنية زبوبا التي تصف الفتاة على هذا الشكل الجميل: زنوبا شكر دايب وردي نبراس الحبايب لا تعطوها للشايب يلحقكن خطا وذنوبا
|