|
إنها مواسم القحط.. فلتشرع النساء الكاتبات نوافذهن للرياح النقية |
|
|
|
جهاد الترك
|
|
2006-04-30 |
الصورة النمطية وعثرات الهوية في كتاب "مؤنث الرواية" ليسرى مقدّم نصّ صعب، مرهق، يستنزف دقائق الأعصاب، هو ذاك الذي استبطنته يسرى مقدم، كتابها: (مؤنث الرواية ـ الذات، الصورة، الكتابة ـ دار الجديد 2005). غير انه نقيّ كالبرق، آخّاذ، يلملم بقايا الروح من على المنزلقات الوعرة، حيث تولد اللغة من رحم ذاتها مطهّرة من شوائب التقليد والثرثرة وعقم الإنشاء. نصّ لا يشبه إلا نفسه، يستولدها على إيقاع الجدّة والدهشة والانبهار الآتي من لهب القول الأول. يحجم عن الافتتان بسحر الديبلوماسية المبتذلة، ويتشدّد في فرض قطيعة مع ألعاب الخفّة والسحر الرخيص. وينحو إلى تعميق الهوّة مع مألوف اللغة حيث يأكل التماسيح بعضها بعضاً في نتانة المياه الآسنة. نصّ يسعى إلى اقتلاعنا من مقاعدنا الوثيرة، من رتابتنا العاهرة، من علاقاتنا الكاذبة، من تآلفنا المضحك مع حواسنا، ليلقي بنا، على حين غرّة، في أودية موحشة بكر، حيث تتحوّل اللغة، بمفرداتها جميعاً، ضرباً شاقاً للصراع من أجل البقاء، أو الموت من أجل أن تبقى اللغة. متعة الاكتشاف في هذه الأجواء المحمومة بمتعة الاكتشاف أو الاستسلام الكامل للتورط في مغامرة لغوية غير مأمونة العواقب، تقدم يسرى مقدّم على ما يمكن اعتباره تأريخاً جديداً، لا يخلو من منهجية ابستيمولوجية صارمة، للبنى الفكرية والمعرفية والتراثية والعاطفية للمرأة الكاتبة. وسيلتها إلى ذلك، تقنيات مرهفة في اختيار المفاهيم وتوظيفها جيداً على نحو يجعل من هؤلاء الكاتبات عرضة لاختراق نقدي على مستوى من الموضوعية المقننة. ولأن الأمر كذلك، تنبري مؤلفة الكتاب إلى استخدام اطار محدد، على الأرجح، لتعيد صوغ شخصية المرأة الكاتبة. ثم تعمد، بعد الارتواء من تحليلاتها النظرية، إلى وضع هذه الأخيرة موضع التطبيق العملي، نقداً وتشريحاً ونفاذاً إلى حيث تكمن العلّة كالشرنقة في نفر من نساء كاتبات، اختارتهن المؤلفة، على وجه الخصوص، دلالة على ان ثمة ارتباطاً عميقاً في كينوناتهن تحول دون أن يتعانقن مع انوثتهن من دون عقد أو خوف. وهي إذ تفعل ذلك، إنما تتجرّأ، أولاً، على اجتياز تلك المنطقة الملغومة المحيطة بالمرأة الكاتبة، فتعطّل هذه الأفخاخ المزمنة واحداً تلو الآخر، ثم تستدرجها بسلطة اللغة إلى مأزق التعرية والانهيار. غير انها لا تفتك بها، بل تحيلها على ما خفي عنها من ذاتها، أو أخفاه عنها الرجل منذ ان أتقن لعبة الكرّ والفرّ والتمويه والكذب الجميل والإيحاء المسموم والترويض الدهري وشغف التسلّط. كل هذه "تمرينات" تاريخية استلهمها الرجل منذ ان توسّل في نفسه القوة، وفي "نسائه" الضعف، فأوهم نفسه وأوهم "أنثاه" بأن شرط التعايش بينهما يقضي بأن تركن هي إلى صورة يبتدعها هو لها، فتستقر فيها وتبدع من خلالها، وتقتنع بقضائها وقدرها. فصدّق الرجل كذبته، وارتدت هي صورتها، وأيقنت ان الرجل معطاء كريم. وأيقن هو ان البذل من شيمه، وأن الرضا من شيمها، وارتضت هي، في المقابل، ان تلتزم هذه المعادلة غير المتكافئة، بذريعة انها توفّر للمرأة الكاتبة هامشاً نادراً من المناورة يمكّنها من الاضطلاع بمهمة التمرّد على واقع تاريخي مجحف بحقها لطالما صادر رصيدها في أن تبرأ بنفسها من لعنة المحاكاة والاتباع اللذين يسبغان، وحدهما، مشروعيته على ما يُخيّل إليها انه إبداع حقيقي من لدن ذاتها. الاستكانة ولكن يسرى مقدّم سرعان ما تنقض على هذه النظرية، باعتبار انها موبوءة تفحّ منها رائحة الاستكانة، وجلد الذات والتردّد في الانقلاب على المناخ النمطي الذي أشاعه الرجل ـ الكاتب عن المرأة في أدبياته التي لا تحصى ولا تُعد. إذ ما الجدوى من تهافت المرأة ـ الكاتبة على ترداد إيحاءات مستمدة من الصورة التقليدية التي دأب الرجل ـ الكاتب على بثها عنها، ولو كان القصد من ذلك ادانة الرجل في ما يكتب عنها. إنها "استراتيجيا" مجهضة، في الأساس، لأنها تحيل المرأة ـ الكاتبة على الدوران السريع في حلقات مفرغة. وربما كان الأجدى القول، ان الاستياء الميلودرامي من مقاربة الرجل ـ الكاتب لشخصية المرأة (بما هي كائن مغيّب عن الفعل، أو أنها لا تعدو كونها من مخلوقات الرجل نفسه)، لن يكون، وحده، كافياً لدحض صورتها النمطية. فهي تحتاج، لتفعل ذلك، إلى مناعة من نوع آخر، تبدأ، أولاً، من الانعتاق النهائي من السلطة اللغوية التي قبض بها الرجل ـ الكاتب على جهازها العصبي. وترى مؤلفة الكتاب، ان النساء الكاتبات اللواتي يتوسلن التعبير بالرمز عن مآزقهن الوجودية ازاء الرجل، إنما يمارسن انتحاراً ذاتياً. ومرد ذلك، على الأرجح، إلى هوية مشوّشة لم ترقَ بعد إلى ما تفترضه لعبة المصير من تقنيات حيوية: فالقبول بالعيش على حافة الهاوية، يستولد، لدى المرأة ـ الكاتبة، ميكانيزمات للنجاة السهل، وهروباً دائماً من مقارعة الرجل في سلطته اللغوية، وانبطاحاً لذيذاً أمام سلطة المفاهيم التي يتربّع عليها شامتاً مقهقهاً". إن شبهة الهوية التي تثيرها المؤلفة بكثير من التحليل الابداعي، تفتح النقاش، من جديد، حول مسائل بالغة التعقيد في أدب النساء ـ الكاتبات، خصوصاً الرواية التي وجدن فيها ضالتهن المنشودة. لماذا؟ لأن الرواية، على نقيض الشعر، تنطوي على فضاءات رتيبة من الأمكنة والأزمنة، وتدافع الشخصيات، وجدلية الكرّ والفرّ، وسيناريوات البلاهة والجدّة، وكذلك الاستفاضة في الثرثرة المملّة أو الهادفة، والاعتناء بالتفاصيل الساقطة والضرورية، وسوى ذلك من مستلزمات الواقع المعيوش أو المتخيّل. ويبدو ان كل هذه الدروب والمسالك، مما يستجيب للوعاء الروائي الذي ترغب المرأة ـ الكاتبة في استدراجه إمعاناً في التعبير عن أزمتها المغلقة ازاء الرجل. الأمثلة في هذا الاطار، لا شيء يحول دون أن نستنتج ان يسرى مقدّم اختارت أمثلتها التطبيقية، من بين عدد وفير من النساء الكاتبات، لهذه الغاية، على وجه التحديد. والأغلب الأعم، ان استلهامها نصوصاً للكاتبات: رشا الأمير، إلهام منصور، نوال السعداوي، علوية صبح، أحلام مستغانمي، حنان الشيخ، صباح زوين، لا يندرج، بالضرورة، في ما تفصح هؤلاء عن قدرات استثنائية في الأدب الروائي، بل في ما تكتنزه هذه النصوص من دلالات خطيرة، واستثنائية في هذا المجال، على مراوحة المرأة ـ الكاتبة في اجترار أنماط من العجز الدفين في معالجة أزمة الهوية، والنجاح أو الفشل في الخروج من نفق التعثر في متاهات السلطة اللغوية للرجل. وتسأل المؤلفة، أثناء فكفكتها الكائنات والرموز والأحداث التي تناولتها هؤلاء الكاتبات في ما كتبن: هل المرأة ذات حقاً؟ أم انها يُخيّل إليها ذلك، باعتبار ان الصورة التي فبركها الرجل عنها ثم قننها بعد ذلك لتصبح معياراً ثابتاً تُقاس به أنوثتها طوراً، أو "رجولتها" طوراً ثانياً، أو شقاؤها أو سعادتها، طوراً ثالثاً، تحشرها، على الدوام، في دائرة المقاومة السلبية. فإذا أرادت، مثلاً، ان توصل صوتها المكبوت، تماهت مع الرجل في صوته القوي الأجش، ظناً منها ان هذا الأخير يمثل حالة من الامتلاء المعنوي والثقة لكبيرة بالنفس. غير ان الصراخ، على هذه الشاكلة في وادي الأشباح السحيق، من شأنه أن يوقظ الأموات فقط، فتستحيل القبور المنبوشة مطبات للأحياء. وعلى نحو مماثل، إذا سعت أي من الكاتبات الواردة أسماؤهن، إلى ادانة الرجل باعتباره متهماً دائماً بتجريد المرأة من ثوبها الإنساني وجعلها كائناً مدجّناً يدور في فلك الرجل، استخدمن أسلوبه الذكوري عينه لاصطياده كما اصطادهن. وفي هذا أيضاً تماه مع الرجل في تقنيات السيطرة والمصادرة. فهل ترى المرأة الكاتبة في قتال غير متكافئ وسيلة غريزية مثلى للدفاع عن النفس. فالعنف، والحال هذه، لا يستدرج الا العنف. ثم ان الرجل يستمرئ هذه المواجهة لسببين، على الأقل: أولهما انه يرى في المبارزة استفزازاً لأعزّ ما يملك، وهو ممارسة القوة الطاغية، ولديه الكثير منها في أرشيفه التاريخي. وثانيهما، انه قد يتذرع بهذا التصادم المرتقب ليؤكد لنفسه أولاً وللمرأة ثانياً، ان اقدام هذه الأخيرة على استعارة رجولة الرجل، دليل صارخ على استنفاد المرأة أدواتها الصراعية. وليس لجوؤها الى هذه الوسيلة الرجولية، سوى اقرار مسبق بأنها خسرت المعركة بالضربة القاضية. هل تلمّح المؤلفة الى ان المرأة الكاتبة على وشك ان تعلن استسلاماً تاريخياً للصورة التي وضعها لها الرجل؟ الأرجح لا. فالنتاج الروائي لمن أتت على استخدامهن أمثلة تطبيقية، ينبئ بإرهاصات، تعتقد يسرى مقدم انها لا بد وأن تنتقل من حيّز الوجود الى الفعل. كيف؟ ان الاحساس العميق بخطورة الانسحاق أمام سلطة الرجل، يدفع بالكاتبة نوال السعداوي، في "مذكرات طبيبة" الى القول متعجرفة: "جلست على قمتي العالية، أنظر تحت قدمي الى المجتمع". أما في كتابها "سقوط الامام"، فتتجرأ على الرجل بجعله عرضة لتبادل الأدوار الى الحدّ الذي تسحب البساط كاملاً من تحت قدميه، بقولها ان الأنوثة "كالرؤية الجديدة للكون كالضوء"، والذكورة ظلام "ينامون في النهار، وفي الليل ينهضون". وفي رواية "حين كنت رجلاً" لإلهام منصور، ترى يسرى مقدّم ان الشخصية الرئيسية فيها (هبى)، "قد تحولت رجلاً في جسد أنثى، فاضطهدت أنوثتها وقهرتها، ظناً منها انها تنتصر لذاتها، اذ تميت المرأة الكامنة فيها، ولم تدرك الا لاحقاً ان الفارق بين الذكر والأنثى لا يتعيّن بالفارق ذاته بينهما، فالأول طبيعي فطري، والآخر اجتماعي مكتسب، على ما تقوله سيمون دو بوفوار في كتابها "الجنس الآخر". أما رشا الأمير في روايتها "يوم الدين"، فهي تعتمد الراوي الذكر، والراوي البطل، وفي هذا، تلحظ يسرى مقدم انه "قد يكون في استبطان الآخر، الرجل، وكتابته بقلم امرأة، تعويض لا نكتابية مزمنة تطمح، دون ان يتحقق طموحها، الى كتابة هذا الآخر، وهو ما نقع على ملمح له في ثلاثية أحلام مستغانمي". وتلحظ أيضاً ان المرأة في كتاب "يوم الدين"، كشفت بسرها عن سرّ تفاهة الرجل وتهافته بلسان الراوي الذكر، أنطقته بها، وأكتبته اياها "امرأة النص" التي لقنته "ألفباء الحياء". وفي رواية "مريم الحكايا" لعلوية صبح، "ثمة اختزال لذاكرة النساء يحيلها الى بياض لو لم تقص الروائية شخصيتها الرئيسية عن الكتابة، تبعده وتنفيه الى الجنوب بقصدية واعية ومدركة تسوّغ القتل، قتل الآخر حين نُغيّب ولا نعود نحن". وفي رواية "عابر سرير" لأحلام مستغانمي، "تخلع المرأة قلوب الرجال كما تنتعلهم". وفي هذا تقول يسرى مقدّم: ان هذا الخلع سلوك ذكوري لا مراء وبامتياز، اذ كيف لمستغانمي سواء في كتابتها او انكتابتها ان تنتج ذاكرة بريئة من استنساخ ذاكرة الآخر؟ ويتحول هذا الاحساس الواهم بالتفوق على الرجل في رواية صباح زوين "لأني وكأني ولست"، أنيناً صامتاً حيناً وصاخباً أحياناً: "انطويت فقط انطويت، رغبت في الانتهاء وفي الموت رغبت"، "انتزعت مني الأمكنة والوجوه انتزعت"، "كم وددت الكلام، واقتلاع الصراخ من جوفي"، "متّ وتفتّت وبكيت بكيت". وترى يسرى مقدم في هذه المواقف لصباح زوين "احتجاجاً على أحكام لغة ترى الى المرأة رؤيتها الى مخلوق ناقص، ينسحب نقصانه على وجوده وابداعه، لتفصح بذلك عن قلق الذات الناهدة الى وجودها المكتمل...". المواقع لا شك في ان هذه الاقتباسات، متواضعة لا تفي بالغرض الذي تطمح مؤلفة الكتاب الى اعطائه حق قدره. غير أنها تشير، على نحو بالغ الدلالة، الى ان المرأة الكاتبة، وهي تتقدم لاستعادة مواقعها مما يعتبره الرجل ممتلكات خاصة له، انما تفعل ذلك بلغة الانتقام الغريزي. فتارة تحكم عليه بالجنون، أو تطرده من ملكوتها، أو تهزأ به، أو تتعالى عليه، أو تقهره، أو تكتب بلسانه، أو تحيله حطاماً مهشماً. وهذا لا يعدو كونه، في أحسن الأحوال، رد فعل سلبياً، يُعزى الى نزف حاد في الروح أكثر منه محاولة حقيقية للتطهر من أدران الصورة التي رسمها الرجل للمرأة، فتأطرت فيها. ولذلك بتنا لا نستغرب فوز الرجل في رهانين اثنين: ايهامه المرأة الكاتبة بأن منشأ سعادتها معه، هو في اقرارها بهزيمتها في الخروج من "الاطار ـ الصورة"، وبذلك تنصرف عن استهدافه بحقدها الى الحقد على نفسها. والثاني، ان ادمانها على المراوحة في دائرة المقاومة السلبية، يجعل نصّها مجرّد هوامش على ابداعات الرجل الكاتب، لا قيمة فعلية لها سوى بحثها المستميت عن الكتابة الرمزية. وهذا ما يؤدي الى ابعاد نصها الى الضفاف البعيدة حيث تتكاثر لغة الأقنعة ودلالاتها ورائحة الخوف المنبعثة منها. وفي سياق مماثل، بتنا لا نستغرب أيضاً، ان تطرح مؤلفة الكتاب نصّها على نحو متواز مع النصوص الأخريات التي اقتبستها. والأرجح ان لهذا الأمر ما يسوّغه. وليس المقصود، في هذه المقارنة، اقامة مفاضلة بين هذا وتلك. فالأول، معالجة نقدية نادرة ومتفوقة تتوسل لغة نقية تتسلل الى ما وراء الحجاب لتكشف المستور. والنصوص الأخرى روائية يتخبط معظمها في الصراع على الصورة النمطية التي خلفها الرجل وراءه لتلهو بها المرأة. ومع ذلك، يرتبط أحدهما بالآخر، على قاعدة ان نصّ يسرى مقدّم يشكل الاطار النظري للخارطة الجينية التي تحدّد عثرات النصوص الأخرى بما هي احجام للنساء الكاتبات عن مواجهة الذات، ومحاولة البحث عن العلّة في مكان آخر. ولكن قد يتفوق نصّ المؤلفة على مثيلاته الأخريات من حيث انه حقّق اختراقاً في اتجاه الكشف عن ان للنص سلطة لغوية كبيرة تفتقر اليها نصوص النساء الكاتبات. ان التطهر الذي تحضّ عليه المؤلفة، هو ذلك الذي يفتح نافذة الذات في مواسم القحط للرياح الصافية المشوبة بلقاحات الربيع، لا أن تسلط النساء الكاتبات أعاصيرهن على نوافذ الرجل فتقتلعها من جذورها. وماذا ينفع هؤلاء لو جرفت السيول الموحلة سلطة الرجل، المتوهمة في الأساس، الى قاع المحيط، لا شيء على الاطلاق. لأن هذه النهاية غير السعيدة التي تضمرها النساء الكاتبات للرجل، انما يخطّها هو بأيديهن حفاظاً على استمرارية الصراع بين التوأمين اللدودين. ان المرأة الكاتبة ستظل مكتوبة ولو كتبت بانتظار ان تكتمل دورة الحياة فيها أو الموت. ان قدرها على المحك، وسيبقى كذلك حتى تطرد شياطينها مصحوبة بأشباح الرجل ذات يوم قريب. |