|
البنية الاجتماعية والثقافية للمرأة في ملحمة جلجامش |
|
|
|
د. وداد الجوراني
|
|
2006/ 04/ 30 |
|
صفحة 3 من 3 عشتار: سقطة البطل بعد أن حقق جلجامش انتصاره على خمبابا –بمشاركة أنكيدو –وكسب المعركة في القضاء على الشر الذي يكرهه شمش، عاد إلى الوركاء: غسل جلجامش خصلات شعره الطويلة، ونظف أسلحته، رفع شعره من على كتفيه، خلع ثيابه الملوثة، واستبدلها بثياب جديدة. ارتدى أثوابه الملكية وحزمها. عندما لبس جلجامش التاج، رفعت عشتار العظيمة عينيها، وقالت إذ رأت جمال جلجامش: هلم إلى يا جلجامش وكن عريسي أعطني بذرة جسدك، دعني أصبح عروسك، وتكون زوجاً لي. وبدأت عشتار تعدد للبطل جلجامش المكاسب التي سوف يكسبها، إن هو قبل الزواج بها، وكيف سينحني له الملوك والحكام والأمراء أمامه، ويقدمون له الجزية، كذلك فهي تذكره بخصوبتها كإلهة للخصب والوفرة، فهو حين يصبح زوجاً لها، سوف تلد نعاجه توائم وعنزاته تلد ثلاثاً، ولن يكون لثيرانه نظير، إضافة إلى ما ستقدمه له من الذهب واللازورد. فتح جلجامش فمه وأجاب عشتار العظيمة: "إذا اتخذتك زوجة. ترى ماذا أقدم لك من الهدايا مقابل ذلك؟ أي ألوان العطور والثياب لجسدك؟ أي خبز تأكلين؟ كيف أقدم طعاماً لإلاهة، وشراباً لملكة؟ (31). إن نبرة السخرية بادية في كلام جلجامش، لكنه تجاوز السخرية إلى التحدي والإهانة فأخذ يعدد مثالبها تجاه عشاقها وأزواجها، ومسخها إياهم إلى كائنات غريبة، مع كل ما قدموه لها من حب وقرابين وهدايا. بعد أن جرح جلجامش كبرياء عشتار بغطرسته المعهودة، صعدت إلى السماء، وطلبت من أبيها آنو "إله السماء" أن يخلق لها الثور السماوي لينتقم لها من جلجامش: يا أبي إن جلجامش سبني وأهانني "اخلق لي يا أبت ثوراً سماوياً ليغلب جلجامش ويهلكه (32) إن التحدي الثاني من قبل البطل جلجامش، أكبر من التحدي الأول، لأنه صرع الثور السماوي الذي خلقه كبير الآلهة "آنو" بمساعدة أنكيدو، ثم قذفاها بالفخذ الأيمن، وقال أنكيدو ساخراً ومتحدياً" لو أمسكت بك لفعلت بك مثل ما فعلت به (أي الثور) ولربطت أحشاءه بجنبيك. ثم غسلا أيديهما في نهر الفرات وسارا راكبين في درب السوق فاجتمع أهل الوركاء ليشاهدوهما وصار جلجامش يخاطب (مغنيات الوركاء) ويردد متباهياً: "من الأزهى بين الأبطال؟ ومن الأمجد بين الرجال؟ (33) تلك هي "سقطة البطل جلجامش وصديقه أنكيدو "السقطة المأساوية التي كان نتيجتها موت أنكيدو بأمر من الآلهة، عقاباً على قتل "الثور السماوي" وردا على تحديهما للآلهة. يقول لابات مفسراً سلوك جلجامش إزاء عشتار: "إن النداء الوقح الذي يوجهه جلجامش في النشيد السادس إلى الآلهة عشتار، هو لا شك، انعكاس تهكمي لمفهوم بائد لعبادة الآلهة. وفي هذا المعنى يقول آخرون، إن لتحدي جلجامش تبريراً ملحمياً صرفاً نابعاً من المطامح والقوى غير المحدودة، ومن عدم الرغبة في التراجع حتى أمام الآلهة. ويتخذ تحدي جلجامش (الذي ثلثاه إله وثلثه بشر) معنى أكثر عمقاً، فهو (يحتج ضد حقيقة أن الإنسان رغم أنه يمكن أن يصبح شخصية بطولية، أجدر من الآلهة، إلا أنه رغم ذلك يبقى كائناً فانياً) (34). كان موقع الإنسان أمام الآلهة، قد تغير كما يبدو، وتوجد رسائل من العصر البابلي القديم تشير إلى أن المرء قد توجه إلى الآلهة راجياً –وبصيغة مطالبة بل وحتى بصيغة تهديد مبطن –فإن لم يتحقق الطلب المقدم إلى الآلهة، فسوف ينتقم الإنسان بالتوقف عن تقديم الهبات (القرابين) بعد ذلك أو بالتقليل منها، أو بعدم الالتزام بمواعيدها المنتظمة.. لقد اصطبغت علاقة الإنسان بآلهته، بصبغات شخصية، بل وإنسانية جداً، فقد تحولت مشكلة المجموعة إلى مشكلة الفرد. لكن المنهج الأنثروبولوجي يتناول قضية (جلجامش –عشتار) من جانب كونها تمثل علاقة الرجل "الذكر" بالمرأة "الأنثى"، وأن لها جذوراً تعود إلى عصر سابق على الزراعة حين كان نشاط الذكور بالصيد والبستنة المجزيين، مقارنة بنشاط النساء القائم على القطف واللقط.. والنتيجة تصبح تقابلا بين الجنسين، يجعل من النساء كائنات حبيبة في الواقع ومحقرة جهاراً، وتمثل أيضاً النشاط الذكوري الغني بالتجارب والمغامرات بالقياس إلى النشاط النسائي، بما فيه من طمأنينة رتيبة واهنة، كوهن اللقط والقطف المحكوم بالرياح والأمطار والعاصفة (35). لكن الذي يطرحه كلنغل، يمكن أن يكون قريباً –نوعاً ما –من الواقع النفسي والديني للفرد في المجتمع البابلي آنذاك فهو يعلل تمرد البطل الإنساني وتحديه بأنه (كان للوعي الفردي ذي الطابع البابلي القديم انعكاسه في الأدب، فأدخل نموذجاً جديداً للبطل، يرمز إلى الإنسان الناجع في الحياة، الرجل الذي حقق ذاته، لكن هذا الوعي المتنامي للشخصية بالذات، والذي أراد الوصول إلى مستوى الآلهة، وجد من الظلم والتعاسة، أن يكون الإنسان في الدنيا –على العكس من الآلهة –غير خالد) (36) وأيامه معدودات، بينما استأثرت الآلهة بالحياة الخالدة، وهي عين المأساة القائمة في التناقض بين الإنسان والإله. هوامش البحث: (1) "بعض" هذه المواد القانونية مجهولة النسبة لا يعرف لها مشروع، أشار لها الدكتور فوزي رشيد في (الشرائع العراقية القديمة) دار الرشيد للنشر (بغداد 1979). ص 11. (2) ظلال الوادي الكبيرة، سلسلة الموسوعة الصغيرة –دار الشؤون الثقافية (بغداد 1992). ص 132. (3) عقراوي. ثلماستيان، المرأة دورها ومكانتها في حضارة وادي الرافدين (بغداد 1978)، ص 34. (4) إن الملك لبت –عشتار كان من أوائل المشرعين وقد سبقت تشريعاته المسماة باسمه، تشريعات حمورابي بأكثر من قرن واحد، ويمثل قانون لبت –عشتار على ما يرجح –حضارة السومريين –تمثيلاً كبيراً ويرى الأستاذ طه باقر أن كلا من لبت –عشتار وحمورابي كان من ملوك السلالات السامية الغربية التي تأسست بعد أن قضى العيلاميون على سلالة أور الثالثة (السومرية العظيمة) بزمن قصير (ينظر باقر، طه، قانون لبت –عشتار ومملكة أشنونا، دار الشؤون الثقافية العامة (بغداد 1987)، ص 10 –11، 24 –25). (*) إن قانون مملكة أشنونا المكتشف في تل حرمل (تل محمد حالياً) أقدم القوانين المدونة التي جاءتنا من العراق القديم، ويعتبر أقدم شريعة كشف عنها البحث حتى الآن. يقول طه باقر (إذا كان لبت –عشتار قد أصدر قوانينه قبل حمورابي بنحو 164 –175 سنة فيكون زمن قوانين حرمل أي قوانين مملكة أشنونا نحو قرنين من الزمان قبل إصدار شريعة حمورابي ويصادف زمن إصدار قوانين أشنونا العهد الذي استقل فيه ملوكها بعد سلالة أور الثالثة بزمن قليل فكانت الحاجة شديدة لملوك هذه المملكة إلى إصدار شرائع في مملكتهم خاصة بها)، باقر، طه، المصدر السابق، ص 42، 44. (5) يعتبر الملك أورنمو مؤسساً لسلالة أور الثالثة 2111 –2003 ق. م وشريعته تعتبر في الوقت الحاضر أقدم شريعة معروفة لدى الإنسان. ولكن هناك شرائع عراقية أخرى أقدم من شريعة أورنمو ولكنها لم تصل إلينا بعد، حسب رأي الدكتور فوزي رشيد، (ينظر رشيد، فوزي، الشرائع العراقية القديمة، دار الرشيد للنشر (بغداد 1979)، ص 25). (6) إنتو: تمثل كلمة Entu صيغة التأنيث من الاسم الأكدي Enu أي "الكاهن الأعظم" وفي السومرية En ومعنى إنتو "السيدة الآلهة" وكان لها مركز ديني واجتماعي مرموق وتأخذ مركز الصدارة في قوائم الشخصيات المهمة.. وتكون الكاهنة عادة إما ابنة الملك أو أخته، (ينظر: عقراوي ثلماستيان، المصدر السابق، ص 167). (7) ناديتو: Naditu صنف من النسوة اللواتي نذرهن آباؤهن إلى المعابد لخدمة أحد الآلهة: ناديتو لشمش، ناديتو لننورتا، لمردوخ، لسن.. الخ ومنع عنهن الزواج والإنجاب، وتعود معظم الكاهنات "ناديتو" إلى الطبقات العليا، وكان من بينهن عدد من الأميرات (ينظر عقراوي ثلماستيان، المصدر السابق، ص 73 –175). (8) قادشتو Qadistu: مركزهن في المجتمع كان دون الكاهنة ناديتو، وأعلى من المرأة كلماشيتو، باستطاعتها الإنجاب وإرضاع أطفال غيرها من النسوة، وليس هناك دليل أكيد يشير إلى أن الزواج كان مسموحاً لها، وهذا حداً بالباحثين إلى اعتبار هذا الصنف من النساء من بغايا المعبد، (عقراوي ثلماستيان، المصدر السابق، ص 180). (9) كلماشيتو Kulmasitu:منذورة للإله Votarees وتعود معظم الكاهنات من هذا الصنف إلى العائلات الغنية (عقراوي ثلماستيان، المصدر السابق، ص 181). (10) شوكيتو Sugeitu: يذكرون من بين اللواتي شاركن في احتفالات الزواج المقدس.. تذكر شريعة حمورابي أن للشوكيتو حق الزواج والإنجاب (عقراوي ثلماستيان المصدر السابق ص 184) (11) سال زكروم Sal -Zikrumلها علاقة بالمعبد ولكنها ليست مندورة إلى إله معين، ومركزها الاجتماعي دون الكاهنات وبقية المنذورات (عقراوي ثلماستيان، المصدر السابق، ص 185)، (ولمعرفة المزيد عن أصناف النساء يراجع فوزي رشيد، الشرائع، المصدر السابق، ص 152). (*) المنا والشيقل: من مصطلحات المكاييل التي كانت تستعمل في العراق القديم. كلنغل، هورست، المصدر السابق، (تنظر المواد حسب تسلسلها في الصفحات 173 –177)، وينظر: (12) رشيد، فوزي، الشرائع العراقية القديمة، المصدر السابق، ص 117. (13) باقر، طه، الملحمة، المصدر السابق، ص 76. (14) ن. م، ص 86 –87. (15) باقر، الملحمة، المصدر السابق، ص 86 –87. (16) يقول لابات في تفسير هذه العلاقة بأن الأحلام المنذرة التي يقصها جلجامش على أمه وجهوده في الحلم لإزاحة صخرة هبطت من السماء بحضور المدينة كلها، هي من المرجح تذكير برتبة اجتياز قديمة كانت اختباراتها تحيل الشاب إلى محارب (ينظر: لابات، رينيه، المعتقدات الدينية في بلاد وادي الرافدين، المصدر السابق، ص 162). (17) باقر، طه، الملحمة، المصدر السابق، ص 10. (18) ن. م، نفس الصفحة. (*) الإلهة "آي" أو "آية" زوج شمش ، وهي تمثل الفجر مثل الآلهة اليونانية "إيوس" " Eos" والرومانية "أرورا" " Aurora". (*) حراس الليل هم الآلهة الموكلون بحراسة الليل، والإله "سين" الإله القمر الذي اعتقدوا فيه أنه أبو الإله شمش حيث يتولد النهار من الليل. (19) رو، جورج، المصدر السابق، ص 279 /لمعرفة المواد القانونية التي تصب في موضوع احترام الأم ينظر رشيد، فوزي، الشرائع العراقية القديمة (في صفحات متفرقة). (20) تنظر المادة 110 من شريعة حمورابي، (رشيد فوزي) ص 136. (*) ويختفي ذكر بائعات الخمرة من النصوص المسمارية بعد العصر البابلي الوسيط، مما يدل على أن هذه المهنة أصبحت على الأرجح بعد هذا التاريخ من اختصاص الرجل فقط. (ينظر: عقراوي، ثلماستيان، المرأة دورها ومكانتها..، المصدر السابق، ص 190 "الحاشية"). (21) باقر، طه، لبت –عشتار، المصدر السابق، ص 51 (تنظر المادة 15 من قانون أشنونا). (22) هذه الإضافة عند ساندرز في السطر الأخير –ليست موجودة عند الدكتور فاضل عبد الواحد، (ينظر ساندرن المصدر السابق، نفس الصفحة). (23) باقر، طه، الملحمة، ص 137 –138. ن. م، ص 129. (24) عبد الواحد، فاضل سومر: أسطورة وملحمة، المصدر السابق، ص 192. (*) من أسماء المكاييل في العراق القديم. (25) رشيد، فوزي، الشرائع، المصدر السابق، ص 260. فكرة النشوء من عالم الحيوان، إشارة إلى عملية خلق أنكيدو في البرية من قبل الإلاهة أورورو (الباحثة). (26) ترافيموف، ب، س، جماليات ملحمة جلجامش، ترجمة عزيز حداد، منشورات دار مكتبة الصياد، (بغداد 1973)، ص 168. (*) وهي –من جانب آخر –الصورة التي رسمتها الذهنية الجزرية لصورة البطل في مراحل تطوره النفسي والحضاري وإعطائها تبريراً قدسياً. (27) عبد الواحد، فاضل، سومر: أسطورة وملحمة، المصدر السابق، ص 210 (28) عبد الواحد، فاضل، الملحمة، المصدر السابق، ص 212. (29) باقر، طه، الملحمة، المصدر السابق، ص 121. (30) ن. م، ص 122. (31) ساندرز، الملحمة، المصدر السابق ص 70. (32) باقر، طه، الملحمة، المصدر السابق، ص 112. (33) باقر، طه، الملحمة، المصدر السابق، ص 116. (34) إيسبورغ، يا إي، موسوعة نظرية الأدب، القسم الأول، المصدر السابق، ص 175. (35) شتراوس، ليفي، الأنثروبولوجيا البنوية، ترجمة مصطفى صالح (دمشق 1977)، ص 143. (36) كلنغل، هورست، المصدر السابق، ص 84. 2/12/2004 مجلة الآداب الاجنبية - مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 116 خريف 2003
|