|
فؤاد معنا
|
|
2006-04-30 |
خاص: "نساء سورية"
قسمٌ من زملائِه حالفَهمْ الحظّ أو لأسبابٍ أخرى لا علاقةَ للحظِّ بها كان لهم نصيب التعيين في مطبخ الملك. حيث ينعمونَ بكلِّ ما لذّ وطاب. يقرّرون ويجيدون ما يطبخون، ليس عليهم من رقيبٍ ولا فوقَ رؤوسهم حسيب، المهمّ أن تُقدّمَ للملك تلكَ الوجبة الشهيّة وليرتع هؤلاء كيفما يشاؤون.. "برهوم" كان من الكثيرين الذين لم يجدوا لهم وظيفة في ذلك المطبخ، مع أنّه وبحسب رأيه لديه القدرة على انتقاءِ الأطعمةِ المفيدة، والتي لا تؤدّي لعسرِ هضم يودي بالملِك لإصدار قراراتٍ عسيرة أكثر منها يسيرة. لكن هذا رأيه فليحتفظ به لنفسه لا حاجة لهم به. لكن للحق لم يكن "برهوم" وأمثاله محرومين بشكلٍ مطلق. فمن وقت لوقت كان ينوبهم شيءٌ ممّا يفيض عن تلك الموائد. ذات مرةٍ حظي "برهوم" بدعوة لمجالسةِ الطبّاخين على إحدى ولائمهم، في الملحق الجانبي للمطبخ.. مطبخ الملك.. بدأ يفكّر أن السماء تفتح لـه أبوابها، وأن القدر ابتسم لـه أخيراً، وهذا هو الوقت قد أتى ليثبتَ لهم أنّه يستطيع تمييز الطعام الجيّد من الرديء، وقادرٌ على تبيان الصالح من الطعام من طالحه، وما يمكن أن يكون مفيداً لقرارات الملك من عدمه. قبل موعد الدعوة بساعاتٍ جلسَ يفكّرُ ويراجعُ كلّ كنوزِ معرفتِه وخلُدَ إلى ذاته بصفاءٍ تام لتجميع كلّ مدّخراتِها المعرفيّة كي يصلَ إليهم كتلةً من الوعي تثبتُ لهم كم هو قادرٌ على التمييزِ وكم هو مدرِك وواعٍ. حصل ما كان منتظراً. جلس إلى الطاولةِ الفاخرة التي تحوي العديد من أصناف الطعام البارد والمطبوخ. نعم هي طاولةٌ تخصّ الطبّاخين في مطبخِ الملك، لكن الحقيقةُ تقول أنّهم المسؤولون عمّا يأكله الملك، ولديهم من التوابل والمقبّلات الكميّة اللازمة والكفيلة بإبهارِ الملك في كلّ ما يقدّمُ لـه. يبدو أن "برهوم" وجدَ ما خفيَ على الملِك من مساوئ في كلِّ صحنٍ. أرادَ التعليقَ على صحن "التبولة" لكن قبل أن يتفوّه بحرف واحد قال أحد الطباخين: - صحنُ "التبولة" هذا يفضّلهُ الملك ويعتبرهُ أساسيّاً لكلّ وجبة. بعد هذا الكلام وجدَ نفسَهُ صامتاً لا يستطيع التعليق. فهو إن بيّن مساوئ صحن "التبولـة" يكون بذلك يشكّك في ذوق الملك وهذه جريمة ما بعدها جريمة. والموضوع لم ينتهِ عند صحن التبولّة، بل امتدّ ليشمل جميع الأصناف الموجودة على الطاولة. فكان كلّما انتقل إلى صحنٍ يحوي وجبة مختلفة ويتناول منه شيئاً يبادره أحد الطبّاخين ويبيّن أنّ الملك يفضّل هذه الوجبة في وقت كذا أو عندما يكون لديه ضيوف كذا أو أو.. الخ. وجد نفسَهُ محاصراً بين آراءِ الطبّاخين التي ترقى إلى المستوى القرار وبين رأيه الذي يعتقده صواباً لكن لا يستطيع البوح به كي لا يوسم بالخيانة العظمى، ممّا أدى به ونتيجة لامتعاض وألم ألمّ بمعدته، وهذا الألم كان مصدره أمرين متلازمين.. طعام لا يستسيغه ورأي لا يستطيع البوح به. استقرّ هذا الألم والامتعاض على "مغص" في معدته بدأ ينحره من الداخل يريد الخروج ولا هو يستطيع القرار في خروج هذا "المغص" فبدا "يحوص" على كرسيه للدرجة التي جعل جلساءُه من الطبّاخين ينتبهون لحالته يريد إخراج هذا الألم. لكن ليتمّ ذلك لا بدّ من إصدار ذلك الصوت، فهل هذا مسموح؟ أم أنَّ عليه طلب الموافقة!؟.. حالة "برهوم" أمست واضحة وهذا كبير الطبّاخين يطرح حلاًّ للمشكلة: - عليك ان تتقدّم بطلبٍ خطّي تطلب به الاطّلاع وإبداء الرأي في حالتك. ثانِ الطبّاخين لم يدع "برهوم" يلفظ أوّل كلمة من سؤال كان سيطرحه بل بادر للقول: - ستشكّل لجنة تنظر في طلبك.. وإن نلت الموافقة على إصدار ذلك الصوت كان لكَ ذلك وإلاّ فذلك ممنوع. يكتب الطلب على عجلة ريثما يتّم البتّ به بالسرعة المطلوبة. ينقسم الطبّاخون لقسمين، قسمٌ يأخذ الطلب لغرفة مجاورة للمداولة والدراسة وإبداء الرأي به، وقسم بقي يحرس "برهوم" حرصاً على عدم إصداره ذلك الصوت قبل الموافقة من اللجنة المختصّة. بقيت اللجنة في تداول ودراسة وتمحيص وتدقيق حول كيفيّة صدور ذلك الصوت ونوعيته ومدى تأثير هذا الصوت على مائدة الملك، بل والأجدى في النقاش كان يتمحور كم سيكون لهذا الصوت لو خرج وقعاً وإيقاعاً يؤثّر على الـ "ريتم" الذي تعوّد الطباخين أن يطبخوا عليه. المهمّ أن لا يستعجلوا.. التأنّي مطلوب في هكذا قرارات. وهم على حالهم في أخذ وردّ بقي ينتفخ بطن "برهوم" حتّى غطّى طاولة الملحق الجانبي للمطبخ واحترس الطبّاخون الحرّاس بالملاعق والشوَك خوفاً من أيّ شيءٍ قد يعكّر صفو الأمن والاستقرار. كان الانتفاخ الذي وقع به "برهوم" فوق طاقة الإرادة ولا ينفع في هذه الحالة لجان أو قرارات لذا وغصباً عنه وبلا قرار منه.. .. انفجر.... نعم انفجر "برهوم" قبل صدور قرار اللجنة بالموافقة أو عدمها.... نتف جسده غطّت جميع المأكولات على تلك الطاولة الكبيرة... كان لانفجاره صوتاً وصل آذان أعضاء اللجنة من الطبّاخين الذين هرعوا لمكان الصوت يتوعّدون بإنزال أقصى العقوبات بهذا المارق.. يصلون الملحق الجانبي.. يجدون أشلاءَه قد تناثرت حتّى غطّت المكان.. أحد طبّاخي اللجنة يسأل طباخاً من الحرّاس: - هل استأذنكم في انفجاره؟.. لم يجبه بل بدأ يشير نحو الحائط.. بعضُ نتف جسد "برهوم" تصطفّ على الحائط وتكتب: - آسف جدّاً.. أرجو المعذرة لعدم طلب الإذن وأخذ الموافقة على ذلك الصوت الذي أصدره تشظّي جسدي.. لكم نُتَفي حاكموها واحكموها كما تشاءون.. 28/5/2005
|