|
نجود حسين
|
|
2006-04-30 |
خاص: "نساء سورية"
"قصة" ربما... بل نعم.. إلى الحافة... أوصلني.. أو أنني أنا التي وصلت؟ و كان وجعاً حقيقياً.. سببته حمى ناتجة عن احتراق بلا لهب. وطوال ستة أسابيع لم أسمح له بوعي أو بغير وعي أن يصل حد الاشتعال. سنوات عشر مرت منذ تشاركنا السقف نفسه وذات السرير وطفلين ورغبة بسكينة الآخرة. أحببته وأنا أبدأ مرحلة النضج.. ليس وقتاً طويلاً ذلك الذي عبرناه ليتم ارتباطنا، لكنه كان كافياً بالنسبة إلي كي أقرر: أن هذا الرجل أريده. كنت أدرك أنّي لست أجمل فتاة في العالم.. أو أني أنثى خارقة.. ولم أ سأله قبلاً إن كان يحبني!!! فقد اعتبرت ذلك الخاتم الذي حبسه في إصبعي ووشم به تاريخي ,التأكيد الذي أردته للحب. نعم. لقد كانت سنواتنا المشتركة التي مضت موسومة بالاستقرار.. لا زلازل في تلك العلاقة , لا هيجانات خطرة , إنما ككل شراكة ثمة هزات تزيد المتن استقراراً. لقد آمنت منذ البدء , بل مارست دوري كامرأة … تشكل عائلة , تبني مملكة , تحصنها من الداخل , وتقوم بواجباتها كنحلة في ربيع صاخب. في الخارج كان العالم يتغير , وأنا أحاول التعرف عليه والتواصل معه عبر انجاز ولو ضئيل في ثقافتي وأفكاري. أعرف أنني لم أكن امرأة مميزة.. لكنني كنت جديرة به. منذ بضعة أشهر متغيرات كثيرة طرأت على حياتنا، أوصلتها حد السكون، وزعزعت السكينة.؟! كنت أعزوها إلى ضغوط العمل والانشغال وتكاثر الأفكار وهمِّ الحياة والمتطلبات اليومية. لقد بدأ يفقد زخم الحياة الذي يتمتع به. لم يعد الرجل المتطلب في بيته حتى ضمن الحدود المقبولة بالنسبة لي. يجلس على المائدة يأكل بغير شهية -إنما بالتزامه المعهود بالجلوس مع الأسرة – أي شيء يوضع أمامه وبلا تعليق؟ الآن يوافق على متابعة أي قناة على التلفاز، وأي برنامج دون أدنى اعتراض! يفتح جريدته، يقرأ صفحاتها ساعات.؟! و رغم أنه لم يعتد الرد على أي اتصال هاتفي, لكنه بين الفينة والفينة يرفع سماعته ليتأكد من جهوزيته.. لقد اعتدنا مذ تزوجنا أن ينام هو على الجهة اليمنى مستلقياً واتخذ أنا يساره.. يمضي الآن لياليه على جنبه الأيمن, مكتوف الساعدين, ساكناً. أصبحت ألاحظ أن أنفاسه لا تخرج متواترة كغافٍ. ينسل باكراً من السرير، فيحضر قهوته بنفسه. لست أذكر... منذ متى لم تلتق عيناي بعينيه! كثير من الوقت مر, قبل أن اكتشف أن هذا الرجل هارب من شيء ما إلى بيتي، مثلما يهرب مني إلى وحدة وسكون. قد يكون كل ما يفعله بسيط, لكنه غير عادي نسبة لما كان عليه. مما أطفأ كل وهج كان يبثه حضوره. مديداً كان غبائي لدرجة أنني لم أكتشف الصخب الذي بداخله ويجبره على الصمت. حين يخرج صوته كان ثمة صدى مختلفاً لنبرته. كيف لم ألمح ذلك الطيف الذي يحتفظ به في عينيه؟ كيف لم أحس بذلك الظل الثقيل الذي يرتمي فيه؟! منذ ستة أسابيع... جلس مساء قريباً مني بعد أن أطفأ التلفاز وألقى الجريدة... أمسك يدي وضغطها حتى تألمت وهو ينظر في عيني.. الآن.. أدركت كمَّ مخزونه من الحزن والوجع.. وهو يصرخ بهمس: إني أحبها! لم أكن أريد.. لم أسعَ.. لم أحاولْ.. لم أجربْ.. لم أعبرْ.. لكني أسقط في الحب..! -2- لا أدري كم من الأيام مر.. وأنا أروح وأجيء في فسحات المنزل كآلة متحركة.. تفعل كل شيىء.. ولا شيء! فقط صوت ضجيج ارتطام صدى تلك الجملة في أجواف هيكلي. يخرج أحياناً على شفتي اللتين تتمتمان (إنه يسقط... يسقط.........) وهذا ما يجعلني أكثر حركة.... صوت جرس يقرع.. لا بد أنه في داخلي يحذر أنْ يكفي دورناً... مرة أخرى يعاود رنينه خلف باب يدق باستعجال , وباستعجال.. -ها.. إنه بابي. تتحرك الآلة باتجاهه تفتحه. تندلق عليها حرارة بعناق وقـبل. أيتها الجاحدة.. أين تختفين؟؟ "هذه يارا.. التي كانت ذات جدائل حلتها على مقاعد الجامعة وتركت خصلات شعرها تطول وتقصر كما يشتهي زمنها ورجلها. أشعلت لفافة تبغ من نوع غريب وهي تتبعني." - لقد هاتفتك إحدى عشر مرة.. ولم تتكلفي عناء الرد, ابنتك قالت: ماما ليست موجودة. "نعم أنا لست هنا.. لقد بقيت هناك.. بل آمل لو أني بقيت هناك.. كان علي أن أترك فاكهتي تنضج على الشجرة. كان علي أن أتركها حتى ترسم رائحتها علائم اشتهاء نوالها في عينيه." أطفأت لفافتها: انظري ألا تري فيَّ جديداً!! "أشعلت لفافة أخرى وهي تنهض عن مقعدها البلاستيكي في مطبخي.. ودارت حول نفسها فاردة ذراعيها أعلى وأسفل.. ثم ضمتهما كراقصة في ساحة بلاط." ظافر عائد لتوه من مؤتمر في القاهرة.. وقبلها كان في دبي،أما ما ترينه فهو من روما. "نعم التي أمامي امرأة مرسومة بدقة, منحوتة بعناية, تقف على حافة منصة في صورة لها خلفية مطبخي. سائرة باتجاه النافذة، وبهدوء أخرجت من حقيبتها الأنيقة التي كان غلافها جلداً لأفعى مسكينة بلا أنياب.. علبة تبغ أخرى. وبدأت مجزرة الإشتعال." - تخيلي.. ظافر يدخل إلى المنزل كمن أتى ليحضر "اجتماع"..! أتعرفين، أنا لم أطه طعاماً في منزلي منذ شهر -تغيرت نبرة صوتها- لا وقت لدي. قلت لظافر أني أريد تغيير الترتيب الداخلي للمنزل, نحن نسكن الآن في شقة مفروشة, تصوري.. ظافر وظف مدبرة للمنزل. خمني... ظافر أتاني أمس بأحدث جهاز خلوي ثمنه خمسة و.. وألف.. توقعي.. ما الذي حمله إليَّ ظافر اليوم... ورفعت في سبابتها مفتاحاً ضخماً أسوداً.. - صغيرة.. لكنها حمراء.. ثمة ما يشتعل وينطفئ.. ويدور - أتعلمين، ظافر قلما يأتي إلى البيت لكنه يغمره ببهجة في حضوره. ظافر يأتي إلى البيت محملاً بأشياء لا تخطر على بالي, أحيانا أريدها، وأحيانا أشتهيها وغالبا لا تعنيني. لكنني اعتدت استقبالها. أتصدقين ظافر يقول أفعلي كل ما يخطر ببالك أو ما لا يخطر.. وأنا أفعل لا شيء.. متقابلين كانا كرسيانا البلاستيكيان. في مضمار عينيها، ابتداءاً من الحدقة نحو الخارج، كانت تتلاحق وتتسع هالات بدأت بالفرح وآخر ما اتضح منها هو الفراغ! بين يديَّ، وضعتُ منكبيها.. زلزلتها وصرخت: أيتها البلهاء. ثم همست: - إنه يغرق في الحب! ثمة معبر أسود امتد من آخر حلقة الفراغ في عينيها هابطاً وتدحرجت معه عبارتها: إني أعرف..! 14/5/2005
|