|
محمد سعيد حسين
|
|
2006-04-30 |
خاص: "نساء سورية"
تنشر هذه القصة للمرة الأولى خارج دفتي المجموعة التي تحمل نفس الاسم، أقدمها إلى قراء موقع نساء سورية بمناسبة حلول الأول من أيار عيد العمال العالمي وكل عام وأنتم بخير ـ ورقة في مفكّرة الخال: "زرعت على قبرها وردةً، ومضيت.. منذها.. نسيت شكل الحبق.. والجوريّ.. كانت صفراءَ.. فاتنة، قريبةً جدّاً.. من مواطن الحزن.. أسلمتُ قيادي لموتها البربريّ.. وغصتُ في لجّةٍ من التّوهّم بانعتاقها من رداءة ما كنّا نعيشه على عدد سويعات موتنا الرّتيبة.. هل أنسى طعم الملح في دموع من كانت ـ أو ستصبح منذ الآن ـ حبيبتي، وأنا مازلت أعدّد موتها، أحصيه بما لديّ من ترهّل الدّمعِ، ورثاثة الحزن..؟!! ما زلت أقلّبها على جهات الموت اللاّنهائيّة، أتعبّد أمام صنمها الماثل فيما ليس أنا، ولست غيره.. صفراء، فاتنة.. يشوب شحوبها، توسّلي إلى الموت أن يرفع يده الحمراء عنها.. ترمقني بعينين واهنتين مشفقتين.. تصرخ فيّ عيناها: "تأدّب يا ولد.. دعني أعش موتي كما يجب.." ولا أبالي ؛ صراخ آمالي بعودتها إلى جادّة العذاب المستمرّ ـ الّذي ألفناه سويّةً ـ تطغى.. أعود إلى توسّلاتي .. لاتموتي يا سيّدة القهر.. أنا أنتِ، والحزن كلانا...... على قبرها زرعت وردةً.. واكتشفت ـ ببراءة الأغبياء ـ أنّها أصبحت حبيبتي، وأمست حزني اللاّنهائيّ.." * * * بين عاملٍ يعمل، وعاملٍ لا... في الأوّل من أيار عام......... استطاع (العامل الأسترالي*) أن يعمل بطاقته القصوى في كبد زوجة خالي، فاستسلمت ـ بعد عذابٍ ـ لملاك الموت، تاركةً عملها في تهدئة خالي، وثنيه عن معاقبة التاريخ، لبطحة العرق، الّتي لم تفارقه بعد رحيلها. * * * (1) "ضحك على اللّحى.. كلّه ضحك على اللّحى.. لا تاريخ.. لا جغرافية" بقطعة فحمٍ سوداء، ضبطته يكتب على شاهدة القبر، في الذّكرى الأربعين.. كـان يكتب.. ويضحك... يضحك.. ونادراً ما يفعل.. تجرّأت، وسألت: ما يضحكك ؟! نهرني: أنت حمار.. لا تفهم.. ـ تخيّل أنني لست حماراً.. هذه المرة على الأقلّ. ـ عظيم.. رائع.. أنت مثلي.. كدت تصبح مثلي.. الآن أعترف أنّ أختي ولدت رجلاً.. خمسة (حمير)، لا بارك اللّه بكم، ليس بينكم من (ينهق)، إنّما الآن.. الآن أعجبتني، (رفست) على وتر التّغيير لديّ، التّغيير المتخيّل.. كأنّك كنت تقرأ ما(يجترّه) عقلي، ستفهم، مؤكّدٌ ستفهم ذات يوم.. سأنتظر ذلك اليوم الّذي تصبح فيه (حماراً) متحضّراً كخالك، يستطيع التّمييز بين العامل الأستراليّ، والعامل الأمريكيّ، والعامل "العامل" في معمل بلوك.....!! "... لكنّه العامل الأسترالي...!! لو كان أمريكيّاً، لقلنا أنّه إمبرياليٌّ، ولديه أهداف عدوانيّة ضدّنا، "لكْ" حتّى هذه لا(تظبط).. العامل أخو العامل أينما كان..يا عمّال العالم اتّحدوا..!!" تخيّل يا بنيّ، لو أنّ كلّ عمّال العالم، يعملون في قتل الزّوجات الطّّيّبات، ألا يحلّ قتلهم جميعاً...؟!! ليس الأمر صعباً كما تظنّ، عمليّة حسابيّة بسيطة، ونتخلّص منهم: (عامل أسترالي +عامل ثامن** = عالم ثالث عشر، ينخره الدّود، والسّلّ، والطاعون، والـ...) "يا عمّال العالم اقتتلوا، علّكم تفنون بعضكم البعض، وتعيش زوجتي الطيّبة سعاد، بقيّة موتها بلا عمّال، ولاعوامل، ولاعمولة.. في عالمٍ سيكون مختلفاً، فيه الكثير من الهدوء، والقليل من الألم... ويفرط الخال في الضّحك.. هنا.. يصل الضّحك إلى مداه الأوسع، تخرجُ يده من جيب سترته الدّاخلي، يرفع البطحة فوق فمه.. يمسح شاربيه بباطن يده العارية.. يمدّ يده إليّ بالبطحة.. ـ لا.. أرجوك يا خال.. يجب أن نعود.. الجميع هناك بانتظارك، جاؤوا يشاركونك إحياء الأربعين... ـ سلهم يا خال ـ قال ـ هل بينهم من يستطيع إحياءها ؟!! نشيج خافت يعقب السّؤال ـ التّساؤل ـ ويمضي مدرّس التّاريخ، هذا الرّجل المليء بالجنون، والعبقريّة، والحزن، العامل في معمل بلوك حتّى العاشرة ليلاً.. يمضي في الاتّجاه المعاكس لطريق الأربعين. (2) الأول من أيار، العام التّالي.. في مقبرة البلدة، عثرت على الخال، متّكئاً على قبر، يبكي بصمت.. الخال يبكي.. ونادراً ما يفعل، وبين الدّمعة والدّمعة، يلثم بطحة العرق على فمها. جلست قربه.. لم أفه بحرف، أبكتني دموعه.. أجهشت بكاءً.. تنبّه لوجودي.. أرسل قهقهةً أصبح معروفاً بها منذ حوالي عام.. ـ هوّن عليك يا خال ـ قال ـ هذا هو التّاريخ، أناس يبكون على من فقدوا، أناس يبكون على ما فقدوا، أناس يبكون على الباكين، وهناك دائماً ـ على شرفةٍ مرتفعةٍ ـ آخرون يضحكون على الجميع.. من الجميع.. فوق الجميع.. و.. "يا عمّال العالم اجتمعوا... !!" أفرد عبارته الأخيرة.. انتضى البطحة.. رفعها فوق فمه، امتصّ منها.. ناولني.. ـ اشرب.. لن تفهم عليّ إذا لم تصبح مثلي.. اشرب حتّى نتفاهم، ولن نستطيع ذلك إذا لم نكن على نفس الدّرجة من الغباء.. بغباءٍ شديد، حسدني عليه خالي (وحمير العالم أجمع)، أفرغت محتويات البطحة في جوفي، وأعدتها إليه، تشكو وطأة الفراغ، الذي قال عنه ذات سكرٍ، أنّه أكثر ما يؤلم البطحة وحاملها.. ـ اللّعنة عليك أيّها العربيد.. وعلى أمّك وأبيك، تشربها "بالصّرماية"، وتلوم أباك على نعته لك بـ (المخوّل) ؟! تخيّل ما يمكن أن يفعل، فيما لو اكتشف أنّك تشبهني أكثر ممّا أشبه نفسي ؟! عموماً لا بأس، هو المطلوب يا بني، كن كخالك، تر الأشياء على حقيقتها المقلوبة، وفي أسوأ الأحوال، تتخيّلها كما تحب أن تراها...تخيّل يا خال، لو أنّ أمّك لم تكن أختي، أو.. لو أنّها لم تتزوّج مثلاً، من سيصبح أباك، ومن أمّك ؟! فكّر معي بهذا، مؤكّدٌ أنّك طرحت على نفسك ذات السؤال، أكثر من مرّة، طبعاً سأندم.. سأندم كثيراً، لأنّها لو لم تجد ضالاًّ كأبيك "يهديها"، لبقيَت في (خلقتي)، كما بقيت (عيّوش الميري) في خلقة أبيها، الّذي مات قهراً لأنّه أنجبها في لحظة طيشٍ وشهوة، ومن حسن حظّ أخوتها، أنّهم لم يولدوا.. (3) سنةٌ، بعشر سنين.. تهدّل جسد الخال، جحظت عيناه، وغارت وجنتاه، أحيل على التّقاعد من مهنة التّدريس، لعدم الأهليّة، وتمّ الاستغناء عن خدماته في معمل البلوك، وبقايا الرّاتب التّقاعديّ المجزوء، تكاد لا تستطيع الحفاظ على بطحة العرق في حالة الامتلاء.. في غرفته، لاحظت أوّل دخولنا، عدا بعض الكتب الصّفراء المتناثرة هنا وهناك، وعدد من الكراتين المتخمة كتباً وأوراقاً، وبعض الزجاجات الفارغة، لاحظت قطعة من الورق المقوّى كتب عليها بالخطّ الكوفيّ العريض: (كلّه ضحك على اللّحى، لاتاريخ، لاجغرافية...) أجلسته في سريره المعدنيّ، تركته يغفو.. وتطفّلت على مفكّرة قديمة، قرأت: التّاريخ: الأوّل من أيّار، عام......... (تخيّل يا رجل، لو أنّ هذا العجوز الذي يسمّى تاريخاً، تزوّج بعد عجز ووهن، كيف سيكون المولود، إن كان هناك مولود ؟!! ربّما من سوء حظّنا نحن العمّال ـ متعددي المواهب ـ أنّ التّاريخ تزوج في فتوّته، وها هو كما نرى، لم ينجب لنا سوى القادة، والقوّاد.. عظماء السياسة، والحرب، والفنّ، والأدب، والعهر، والـ...... أمّا الجغرافيا، هذه الزّوجة المقهورة، الّتي يزني بها أبناؤها، على مرأىً من زوجها، وبمباركته، هذه الزّوجة الّتي يوزّع زوجُها أعضاءَها على أبنائه كما يريد، أو كما يريد الأقوياء منهم، دون أن تُسْأل ـ ولو مرّةً واحدةً (مع من تحبّين أن تقضي ليلتك هذه ؟!!) هذا هو التّاريخ.. وهذه هي الجغرافيا.. ونحن كما أرى، على شاكلتهما، مع مراعاة تعدّد المستويات... ) حاشية: في هذه الّلحظة بدأت سعاد، تخوض جولة صراعٍ جديدة مع العامل الأستراليّ.. حاشية أخرى:عامل الزّمن لم يمهلني لتجنّب هجمة العامل الأسترالي.. تأخُّر عامل المقسم بالرّدّ، أخّر حضور سيّارة الإسعاف... في المشفى ـ بعدما عملت (عمايل) ما عملها عنتر ـ تنازل عامل الاستعلامات، وأبلغ الطّبيب المقيم، إلى غرفته، عن وجود حالة إسعافيّة مستعجلة.. الطّبيب يحاضر: "من أهمّ عوامل تنشيط عمل العامل الأسترالي، عدم الالتزام التّام بالحمية المقرّرة..." "تناول الحلويّات، عامل مهمّ في إكساب الجسم المناعة المناسبة.." سعاد تقول: حتّى الحلويّات أصبحت بطعم الدّفلى... أنا أقول: كلّ شيء في حياتنا بطعم الدّفلى.. كم هي عظيمة شجرة الدّفلى.. استطاعت أن تصبغ كلّ المتع المتاحة، بطعمها الخاص.. حاشية أخرى أيضاً: لم تنس سعاد ـ في خضمّ احتدام صراعها مع العامل الأسترالي ـ أن تقول: كلّ عام وأنت بخير.. كم هي رائعةٌ سعاد.. سعاد رائعةٌ حقّاً.. حاشية أخيرة: بعد عودتنا من المشفى، اعتذرت سعاد، لأنّها عطّّّّّلتني عن الذّهاب إلى معمل البلوك... !!) (4) في الأوّل من أيّار، بعد عامين.. الذّكرى السّنوية الثّانية لرحيل سعاد.. قبل شروق الشّمس، ثمّة كهلٌ في مقبرةٍ... من بعيد رأيته، ممدّداً بجوار قبرٍ نبت العشب على أطرافه، اقتربتُ أكثر.. وجلاً اقتربتُ، على وجهه بقايا ضحكة.. وفي يمينه بطحة فارغة، لم أوقظ النّائم , على شاهدة القبر خربشات كثيرة سوداء، شتات كلمات، منها: ((عامل... تاريخ... أسترالي...عالم... بطحة... جغرا.. وطن... عمّال... عوالم... عوامل... عمالة... علمنة... عو... لـ......... )) على يمين الجثّة ورقة بللها الدّمع، أو شيءٌ آخر، قرأت: "ثمّة تاريخ.. ثمّة جغرافيا.. ثمّة وطن يتوق للأعلى.. الأعلى الأجمل.. الأعلى، محرقة الخصى الموبوءة، الّتي لا تنجب سوى أشباه الرّجال القانعين بما قُسِم، الأعلى، الأكثر من نهدين يشتمانك بالشّهوة، والأطول من ساقين ترميانك إلى جحيم اللذّة، الأعلى، الشّهوة الّتي لا تخبو، لذّة الخلود المبتغى، يا عمّال الأرض انتحروا.. أو فلتثبوا نحو الأعلى.." (5) الأوّل من أيّار، العام التّالي... على قبر خالي، تبتسم ساخرةً، زهرة دفلى... على شاهدة قبر خالي، كتَبَتْ قطعة فحمٍ سوداء ؛ بخطٍّ أستراليٍّ عريض:(الجغرافية النّهائية، لوطن العامل الكوفيّ.. مدرّس التّاريخ.. خالي... ) (6) مساء الأول من أيار عام............ وصلت البيت عائداً من معمل (بلوك) أعمل فيه حتّى العاشرة ليلاً... ـ " كلّ عام وأنت بخير بابا...!!" في مواجهة الباب، كان يقف طفلي، ذو السنوات السبع، وفي يده الممدودة إليّ، تدمع زهرة دفلى: * * * العامل الأسترالي: اسم فيروس في الدّم، يعمل على تخريب الكبد ** العامل الثّامـن: الاسم العلمي الطّبّي لمرض (النّاعور) وهو مرض في الدّم أيضاً. 1-3 أيار 2000
|