|
نور الدين الهاشمي
|
|
2006-04-30 |
خاص: "نساء سورية"
شمس آذار تغمر بدفئها الفتي ساحة حي الملك الأشرف في شرق المدينة.. الوقت ضحى... وعمال الأنوال اليدوية قد خرجوا من دكاكينهم الباردة إلى الساحة يغسلون أجسادهم المتعبة بنور الشمس.. بعضهم قد أسند ظهره إلى الجدران الحجرية السوداء وجلس آخرون على كراسي واطئة وأحجار.. يتحلقون حول إبريق الشاي ويديرون السجائر بين أصابعهم بمهارة ثم يبللونها بلعابهم وهم يمررونها ذهاباً وإياباً تحت شواربهم الكثة المفتولة.. الجميع ينتظر قدوم جميلة إلى الساحة من أحد الأزقة الضيقة المتعرجة.. فجلستهم الصباحية لا تكتمل أبداً إلا بقدوم هذه المرأة التي تجاوزت الخمسين.. نحيلة.. سمراء.. بارزة الوجنات غليظة الشفتين.. قلقة النظرات.. نارية المزاج.. ليس فيها من بقايا الأنثى سوى اسمها.. تبزّ الرجال في الجرأة والصراحة والشتائم الفاضحة... وهاهم الرجال في الساحة يتوقون للضحك ا لعارم يزيلون بهم الهم والتعب وصدأ الأيام الكالحة... ستبرز بعد قليل من المنعطف وهي تشتم كالعادة أحد ما خلفها ثم تدخل الساحة كالوتر المشدود حتى منتهاه فتفرغ بقية الشتائم على أول من تصادفه كائناً من كان.. ثم تتوقف وتجول ببصرها على رجال الساحة وتهز رأسها ثم تقول: - آه يا أنذال.. تتركون أختكم جميلة جائعة وأنتم تشربون الشاي.. وحين يحاول أحدهم الرد تغرقه بسيل من الشتائم فينفجر الضحك المكبوت وتدمع العيون ويسرع ب عضهم لإصلاح الأمر فهذا يقدم لها كرسياً وذلك يصب لها الشاي وآخر نصف رغيفه الساخن.. يكتمل الصلح المؤقت بسيجارة تضعها خلف أذنها فتجلس وتبلل قطع الخبز بالشاي وتستمتع بامتصاصها ومضغها في فمها الأورد.. ثم تطرح سؤالها المنتظر وهي عابسة! - أين المغضوب؟ يتبادل الجميع نظراتهم بحذر.. وينقذ أحدهم الموقف بكذبة مفضوحة - ابنك إسماعيل ذهب إلى المصبغة يلاحق صبغ الغزل - تكذبون يا أولاد الحرام.. أنا أعرف أنه مختبئ مني هنا في مكان ما.. ثم تمد جميلة لساناً طويلاً تشقق وأصفر - انظروا.. انظروا.. شهر كامل لم أذق فيه قطرة حليب أو دمعة لبن.. آه لو وجدت ابن الكلب لقطعته بأسناني.. كان إسماعيل أكثر رجال الحي بؤساً وهزالاً يعمل أياماً وراء نوله وسرعان ما يصيبه التعب والملل فيهجر النول لينتقل مهنة إلى أخرى فتارة نراه عاملاً في فرن أو يدفع عربة خضار أو يساوم على خروف صغير أو دجاجة لكنه يعود دائماً مخفقاً إلى حضرة نوله من جديد.. وحين يحل الشتاء تتورم مفاصله فيغيبه المرض عن الدكان معظم أيام الشتاء.. تنتهي جميلة من طعامها فيتوق الرجال لاستثارة البركان الكامن أمامهم.. يطلق أحدهم أول سهام الشيطان - سمعت أحدهم يؤكد بأنه رأى أبا إسماعيل في البادية فتثب نظرات الشرر إلى العينين الصغيرتين القلقتين.. لكن جميلة تمتم حنقها.. ويصر الرجل على إطلاق البركان - ومعه زوجة بدوية حسناء... تنتفض جميلة كالملدوغة وتنهال بالشتائم على زوجها وعلى الحاضرين وكل الرجال الأوباش.. وتهم بالذهاب وهي تبربر.. فيسرعون لتهدئتها ويكذّبون ناقل الخبر ويلومونه - لو دار أبو أسماعيل الدنيا بأركانها الأربعة فلن يجد أحلى من جميلة.. - سيعود إليك حتماً - ما الحب إلا للحبيب الأول.. يعلو فرح طفولي وجه جميلة فتجلس شاردة لكن سؤالاً ماكراً يعيد الوجوم إلى وجهها من جديد - أتدرون لماذا ذهب أبو إسماعيل إلى البادية؟ وتنصت جميلة بحذر إلى الأجوبة - من الفقر.. - من عسكرية تركيا - من المصيبة التي عنده في البيت.. ويهرب صاحب السؤال الأخير بعيدا وهو يستعد لانهمار الشتائم على رأسه.. ولكن جميلة تكبح نفسها بصعوبة - أبو إسماعيل لم يهرب مني يا مسطول.. انظر.. جمال وحسب ونسب ولسان كالشهد - لماذا هرب إذن؟ - ألم تسمع ما فعله الأتراك.. لقد أخذوا المال والرجال والأرزاق ولم يتركوا للناس شيئاً .. وأقسم أبو إسماعيل بأنه لن يسلم رأسه لهؤلاء الظالمين.. فهرب إلى البادية.. وأيد آخر كلامها متصنعاً الجد.. - لولاه لمات معظم أهل الحي من الجوع.. أخبري هؤلاء الجاحدين يا جميلة تمعن جميلة النظر إليه ورغم أنها تتبين طيف السخرية يلوح على الوجوه لكنها تتابع بزهو - كان أبو إسماعيل يرسل لي من هناك الخراف الصغيرة والجديان فأذبحها وأسد بها الأفواه الجائعة - وجلود الكلاب التي وجدوها في مغارة الوادي!! تضج الساحة بالضحك الصاخب وتدمع العيون ويرتفع سعال المدخنين وهم يجدلون سجائرهم من جديد.. ولا يرضى أحدهم أن يبقى البركان خامداً - أنا رأيت بأم عيني التي سيأكلها الدود.. أكثر من مئة جلد كلب.. - مائة جلد يا ابن الكلب.. إنها لا تزيد عن خمسين كلباً - أحقاً تطعمين الناس لحم الكلاب يا جميلة؟ - لم يبق شيء لم يأكلوه.. حشائش البراري.. أوراق الأشجار الجيف.. روث البهائم.. ويقسم أحدهم بأن لحم الكلاب لذيذ ومغذ ولولاه لمات في صغره من الجوع.. فتزهو جميلة وتقسم بأنها فعلت ذلك رغماً عنها بعد أن ساق الأتراك الرجال إلى الحرب وصادروا كل ما يؤكل ولم يبق في الحي سوى النساء والأطفال وأصحاب الجاه.. الطرقات تمتلئ كل صباح بجثث الجائعين والكلاب والعسكر تسرح في الشوارع.. - كيف تمسكين بها؟ - أغري الكلب بلحم كلب فيتبعني حيث أريد - وهل صدق الناس أنها لحوم خراف جديان؟ - الجوع كافر والجائع لا يسألك عما تطعمه ولو كان لحم أخيه.. هاهو الوقت يمضي.. جلسة الضحي كادت تخبو دون أن تظهر جميلة.. النفوس قلقة والعيون معلقة على الزقاق الذي ستأتي منه... وحين استقر الرأي على إرسال أحد الأولاد ليطرق بابها المتهالك برزت جميلة تخطو بصمت مطرقة محنية الظهر دون غطاء يستر شعرها الأشيب حدس الجميع بأن شيئاً ما قد جرى.. دعوها بحب للجلوس فما زال هنا خبز وشاي وتبغ.. لم تأبه.. سألوها عن سر صمتها وحزنها لم تجب تابعت سيرها تعبر الساحة ذاهلة تلاحقها العيون بدهشة صاح أحدهم مازحاً - انتبهي يا جميلة.. ابنك إسماعيل يضع عينه على أرملة غنية توقفت جميلة ورنت إلى محدثها تغالب دموعاً نراها لأول مرة إسماعيل ميت في البيت.. اذهبوا وادفنوه!! تابعت سيرها وبدت لي كأضعف مخلوق على وجه الأرض.. ***3/2005
|