|
نهى أخرس: الأمومة في الدانمارك من حق الأب والأم على حد سواء |
|
|
|
ثناء السبعة
|
|
2006-04-30 |
خاص: "نساء سورية"
"نهى أخرس" امرأة من حمص، ربما لا يميزها شيء عن أي امرأة أخرى في هذا البلد. تفيض منها طيبته، وتترقرق سهولته وبساطته من كلماتها. لكن طموحها ورغبتها في أن تكون شخصيتها الخاصة دفعاها إلى المزيد والمزيد من التعلم. حتى لو في .. روسيا. لذلك حملت أمتعتها القليلة ذات صباح واتجهت إلى ذلك البلد البارد. وحصلت على ماجستير بالعلوم الفنية، بعد أن أنجزت دراستها باختصاص الديكور- قسم العمارة الداخلية. ثم توجهت إلى بلد بارد آخر هو الدانمارك. حيث تعيش الآن، وتعمل مدرسة لمادة التربية الفنية في المدرسة الفنية في كوبنهاغن. حيث اتبعت عدة دورات في صناعة السيراميك والزجاج. ومن صلب عملها تطوير المواهب الفنية في المدرسة التي تضم نشاطات خاصة بالمتاحف والسينما والمسابح. نهى أخرس تهتم بالمطالعة والرياضة ومتابعة النشاطات الاجتماعية. وفي زيارة عائلية لها إلى مدينتها حمص، قلنا لأنفسنا أنها فرصة لنتعرف على شيء من التجربة الدانماركية في مجال قضايا المرأة والطفولة. خاصة أن مثل هذه القضايا لم تغب عن اهتمام السيدة نهى خلال حياتها في الدانمارك.-هل هناك قانون خاص بالأسرة في الدانمارك؟ -- في الدانمارك، القانون يحمي الجميع: الزوج والزوجة، أثناء الزواج وبعد الانفصال. والقانون يأخذ مصلحة الأطفال بصفتها المصلحة العليا. ولذلك تقرر الحضانة، بعد الطلاق، بناء على مصلحة الطفل. فهي قد تكون مشتركة بين الأم والأب، أو قد يتنازل أحد الوالدين للآخر عنها. أما النفقة فتقدر بناء على دخل المنفق. والملفت أن النفقة ليست بالضرورة واجبة على الأب. بل تحسب على من لا يقوم بالحضانة سواء كان الأب أو الأم. فإذا كان الأب هو الحاضن، تدفع المرأة النفقة. أما في حال وفاة المنفق، فتقوم الدولة بصرف النفقة للحاضن. كما أن الأمومة من حق الأم والأب على حد سواء، إذ يمكن للأب أن يأخذ إجازة أمومة إذا رغب بذلك. وإذا كان راتب الرجل أقل من راتب المرأة، فإنه غالباً ما يأخذ هو إجازة الأمومة. وهذه الإجازة هي سنتان كاملتان. السنة الأولى بأجر كامل، والسنة الثانية بـ 80 % من الأجر. كما أن الخلافات بين الزوجين لا تحل في المحاكم العادية. بل في محاكم عائلية خاصة بهذا الأمر. وهي ذات صلاحيات واسعة، حتى أنها قد تقرر ما لا يتطابق مع القانون الواضح بخصوص الخلافات حول الطفل، آخذة في الحسبان مصلحة الأطفال كمصلحة عليا.  - كيف يجري تغيير القوانين في الدانمارك، وهل هي عملية صعبة؟ -- القوانين هناك في تغير وتطور مستمرين. ففي السنوات القليلة الماضية صدر عن البرلمان نحو عشرين ألف قانون جديد. فالمجتمع حي وفعال في كافة المجالات. ولأنه كذلك، فإنه لا يتوانى عن تغيير القوانين لتواكب الحياة المتغيرة. وعادة ما يطرح أي قانون له علاقة بأي من جوانب حياة الإنسان، في البرلمان للمناقشة. وطبعا يقر حسب الأكثرية. من الجدير بالذكر أنه يحق لأي مواطن حضور جلسات البرلمان في الدانمارك. مع أنها تنقل تلفزيونيا على الهواء مباشرة. وفي قاعة البرلمان هناك مكان مخصص للنواب، ومكان آخر مفتوح لمن يريد الحضور. حتى إنني عندما تلقيت دروساً في اللغة، اصطحبونا جميعا لحضور جلسة في البرلمان. وأود الإشارة إلى أن تقدم الحياة يغير حتى طقوس الناس. فذات مرة ذهبت لزيارة صديقة لي وتهنئتها بعيد المرأة، حاملة معي باقة من الورد. فضحكت صديقتي وقالت: لم نعد نشعر بضرورة الاحتفال بهذا العيد. فقد حققنا أشواطا كبيرة في مجال المساواة. بل حتى عيد الأم، الذي يجري الاحتفال به في التلفاز، وترينه مدرجا على التقويم، تكادين لا تلحظينه في الشارع أو الحياة اليومية. فالمرأة لم تعد تستمد شخصيتها من الأمومة. العيد الذي يحتفل به بقوة، وتشارك فيه كافة الأحزاب وعدد كبير جدا من الناس، وتجري فيه طقوس احتفالية وخطابات وبيانات وزينة ومسيرات، هو عيد العمال.. وطبعا يحتفلون أيضا بالأعياد الدينية.. - كيف هو العمل التطوعي، وعمل الجمعيات؟ -- كل خمسة أشخاص يمكنهم حشد مائة عضو مساعد، يستطيعون طلب ترخيص إلى دار البلدية الخاصة بمكان إقامتهم. وبمجرد حصول ذلك تقدم الدولة لهم مقراً فوراً. وفي كل بلدية قسم خاص بجمعيات المجتمع المدني. وهم يركزون على الجمعيات ذات الهدف الإنساني والاجتماعي، ولا يرفضون إلا الطلبات التي تتطلب ترخيص جمعيات تعمل ضد أمن البلد، أو تدعو أو ينجم عن نشاطها نشاط إرهابي. وفي الوقت ذاته ليس هناك أية رقابة أمنية على الجمعيات المدنية وعملها. في الدانمارك الكثير الكثير من الجمعيات، جمعيات للرفق بالحيوان، وجمعيات تعنى بالبيئة، وأخرى لدعم الأطفال، وثالثة لمكافحة السرطان، ومساعدة اللاجئين.. وغيرها الكثير. كما أن للكنائس دور اجتماعي كبير جداً. والعمل التطوعي منتشر في البلد، إلا أن أغلب المتطوعين عم من كبار السن. كان لي تجربة شخصية كمساهمة في تأسيس جمعية الصداقة العربية الدانماركية التي نشطت لفترة طويلة. وأقامت الكثير من النشاطات الأدبية والاجتماعية ومعارض فنية ومعارض أزياء تراثية وغيرها.. - خلال تجربتك كعربية في الدانمارك، هل لاحظت أن الجاليات الأجنبية تتمكن من الاندماج في المجتمعات المضيفة بسهولة أم لا؟ -- تقدم الدولة الدانماركية الكثير من المساعدات لتشكيل نواد خاصة بالجاليات. لكن طبعا هناك بعض المجالات شبه المقتصرة على عمل الدانماركيين. كالتدريس مثلاً. وفقط إذا كان المهاجر يعمل مدرسا أصلا في بلده الأصلي يُسمح له بتدريس لغته الأم في الدانمارك. وهذا يسهل عملية الاندماج عموماً. لكن تبقى هذه عملية مختلفة من جالية إلى أخرى حسب خصوصية كل جالية وخلفيتها الثقافية وحتى الصفات الشخصية. مساعدات الدولة للمهاجرين عبر إعادة تأهيلهم وتمكينهم من المهارات المطلوبة في سوق العمل تساهم أيضا في الاندماج. لكن الملاحظ أن معظم المهاجرين، عموماً، يعملون في مجال التجارة. - ماذا عن العنف ضد المرأة، وكيف يعالج في الدانمارك؟ -- حسب ملاحظتي، فإن العنف موجود في كل المجتمعات. لكنني أعتقد أن نسبة من يمارسون العنف عموما في الدانمارك هي نسبة ضئيلة جدا. وغالبا ما يكون ممارسو العنف من السكيرين. وهناك مراكز وملاجئ للنساء المعنفات يمكنهن اللجوء إليها ريثما يتم حل الخلاف بين الزوجين في المحكمة. ويثق الجميع بالمحكمة وهي تحمي الجميع. وربما تكون نسبة العنف الممارس بين المهاجرين أعلى مما هي عليه بين الدانمراكيين. طبعا هناك مشاجرات وخلافات.. كما كل المجتمعات الأخرى، لكنها غالبا لا تصل إلى مستوى العنف. خاصة أن النساء هناك لا يضحين بحياتهن أو سعادتهن إكراماً للبقاء مع الأطفال كما يحدث في مجتمعات أخرى. لذلك نلاحظ أن نسبة الطلاق مرتفعة في الدانمارك. فالمرأة غير مضطرة للاستسلام للرجل والخضوع له. وهي تضمن، في حال الطلاق، حقوقها كاملة التي تحصل عليها عن طريق المحكمة. كما أن القيم الشائعة في المجتمع تسهل للمرأة الارتباط برجل آخر متى رغبت بذلك. - أعرف أنك درست في روسيا، فهل لاحظت هناك عنفاً ضد المرأة؟ -- في المجتمع الروسي، العنف ضد المرأة أكثر بكثير مما هو عليه في الدانمارك. وهذا، برأيي، نتيجة الضغط العام الذي يعاني منه الشعب الروسي. أي القمع السياسي وتدني الوضع الاقتصادي. لكن المرأة حصلت في روسيا على حقوقها كاملة من الناحية الحقوقية. كما أنها تتواجد في جميع المهن بما فيها قيادة البلدوزر الذي لم أره في الدانمارك. - وماذا عن العنف ضد الأطفال الدانماركيين؟ -- لا أعتقد أن هناك طفل في العالم يتمتع بحقوقه كما هو الطفل الدانماركي. فهو يحصل على أفضل محاكمة قانونية. والأطفال يعطون أرقام البوليس للتبليغ عن أي عنف يتعرضون له في البيت أو في المدرسة أو الشارع. كما أن الدولة تمنح مبلغا من المال كل ثلاثة أشهر للأهل حسب أعمار أطفالهم. والذين هم دون الخامسة من عمرهم يحصلون على أعلى مساعدة. كما أنه يمكن للأهل أن يتقدموا بأن الطفل يستهلك ملابس ومستلزمات أكثر من غيره، لأسباب مقنعة، فيحصل الأهل على مبلغ إضافي للمستلزمات الإضافية. - وكيف ترين المدارس ونظام التعليم؟ -- تستمر فترة الحضانة حتى 3 سنوات. تليها مرحلة الروضة من 3 حتى 6 سنوات. ثم تبدأ الدراسة في المدرسة النظامية. لكل منطقة بلدية خاصة لها حرية التصرف بشؤون هذه المنطقة والمرافق الموجودة فيها، بما في ذلك المدارس. وتعين البلدية أخصائي علم نفس وعلم اجتماع في كافة مراحل التدريس. ولهؤلاء غرف خاصة وعيادات تبحث مشاكل كل طفل وحالته.. والطفل مشمول برعاية هؤلاء في كل تصرفاته، حتى تلك التي لا تخطر على بال. فإذا زادت حركته، أو نقصت، أو ضرب أحد أصدقائه.. فإنه يتابع فوراً، ويستدعى الأهل للتشاور والمساعدة في عملية تضافر الجهود بين المدرسة والبيت. أما أطفال مدمني الكحول والمخدرات فيحصلون على عناية مضاعفة من قبل هؤلاء المختصين. جميع المدارس تقدم كأس حليب يوميا لكل طفل. وبعضها يقدم وجبة كاملة. تبعاً لكل بلدية والمدارسة التابعة لها. بل إنه يقدمون العازل الجنسي للأعمار المتقدمة في المدارس ويعّلمون أهميته وطريقة استعماله، ويحصلون على توعية جنسية متقدمة. الانترنت متاح للجميع، فهو في متناول جميع الأطفال في جميع المدارسة. كما أن هناك خطة ستنجز قريباً وستؤدي إلى أن يصل خط انترنت مع كل خط هاتفي. وكل من يشترك بالانترنت يصير خطه الهاتفي، مع مكالماته، مجاناً. وفي كل منطقة حدائق وملاعب أطفال تدعم من قبل شركة السكن التي تتكفل بخدمات كثيرة ملحقة بالسكن، كالاهتمام بالحديثة وملعب الحي وإصلاحات المنازل وتدفأتها وتأمين المياه الساخنة واللاقطات التلفازية المركزية ومواقف السيارات.. - وأخيرا؟! -- وأخيرا لدي الكثير من الأمنيات لبلدي الذي أتمنى أن ينجح ويتقدم ويخطو خطوات كبيرة لصالح المجتمع والإنسان. وذلك يحتاج إلى تحقيق تشاركية سياسية حتى لا يتهمش المجتمع بالحزب الواحد. والأهم من ذلك هو المشاركة المجتمعية، أي تفعيل مؤسسات المجتمع المدني، وسيادة القانون، والالتزام بمبادئ حقوق الإنسان، وإلغاء حالة الطوارئ.. 22/6/2005

|