خاص: "نساء سورية"
لستَ بحاجة لتصلي إلا إلى النية والوضوء, لكنك لتقرأ الحرف أنت بحاجة إلى المعرفة لتستطيع الولوج إلى رهبة اشر قات النور. فللحرف باستطالاته وانحناءاته دلالات تستكمل الطرق إلى الصلاة والعبادة بمعناهما المعرفي. لكن الشعراني.. ينأى بذاته عن أدلجة فنه (حسب قوله). لكنه لا ينفك يدور متصوفا في فضاءات حروفه مستلهما خطى وخطوط كبار المتصوفه, وغير بعيد عن كنه الحرف يخط ألحان المعرفة. الشعراني.. أكاديمي درس الفن فجاءت أعماله متكاملة من حيث التكوين والحركة بخفة وقوة نادرتين, حتى تتحول اللوحة لديه إلى بناء تشكيلي لافت تضاف إلى قوة الفكرة المبسطة والعميقة في آن. وإذ يختلف عن الحرفيون في تشكيله من حيث قلة عناصر اللوحة ألوانا وفضاءات إلا انه يغني لوحته بأسلوبية خاصة تأخذ اللوحة إلى مصاف الرفعة الجمالية باحترافية عالية تسجل له. الخطاط منير الشعراني.. الغائب عن بلده لأكثر من 20 سنه يحط رحال أعماله في صالة أتاسي معلنا عن معشوقه الحرف . للشعراني بحوث متعددة بتطور الحرف وذلك بسياق تاريخي يقول: يجمع المؤرخون العرب القدماء على أن بداية الحرف تطور من الحمريه السبأيه, عبر اكتشافات الأثريين عن نقوش زبد, والنمارة والتي تتميز ببنائها الهندسي ذي الأصل اليمني. الاكتشفات الحديثة تؤكد ان تطور الخط كان عن النبطي. وبعد بحثي عن سبب الاختلاف بين القبائل التي سكنت في مكان اكتشاف النقوش, يرجع إلى أن بعضها اخذ توصيل الحرف من الرموز النبطية, فيما أخذ الآخرون بالشكل الهندسي والدائرة ذات الأصول الحمريه, بمعنى أنهم كانوا جميعا على صواب, وذلك بعد الربط الذي كان مفقودا.  *- تؤطر الكلمات باقواس, أتحاول الولوج من خلال اقواسك إلى اغوار روحك, ام إلى اغوار دلالات الحرف؟ **- القوس عنصر أساس من عناصر التراث العربي, استخدم في العمارة, وبمختلف فنون التزين الإسلامي, وهو يقدم حلا جماليا الجأ إليه حين أرى ذلك مناسبا. أنا حريص على أن انطلق في حداثتي من الجذور لأنه لا حديث بدون قديم ينسب اليه, والحداثة بالنسبة إليّ تعني الهضم والاستعياب لكل الموروث الجمالي, واعادة انتاجه بصورة تناسب الزمن الذي تتم فيه, وتجاري ما تطورت إليه ثقافة العين. لذا فانا أثبت الأسس الفلسفية الجمالية بخطوطها العامة وأعيد صياغتها بما يلائم العمل الذي أقوم به اليوم مستفيدا من كل ما يمكن من التطورات التي أصابت الفن. وهذا لا يعني أنني سلفي أو تقليدي. بل على العكس, فانا احرص على الانطلاق من الموروث للإبقاء على ما يتفق مع رؤيتي, ليس الفنية فحسب, بل الحياتية بشكل عام. وفي الوقت نفسه أنا حريص على نقد ونقض ما لا أراه ملائما لهذه الرؤية. أشار النقاد إلى أن هناك حس أو توجه صوفي في أعمالي. وفي هذا المقام أقول: أنا لست صوفيا بمعنى الدروشة, ولا بمعنى الاستيلاب الذي نعرفه عند أدعياء الصوفية اليوم, ولست صوفيا بالمعنى الغيبي. أنا صوفي بما يعنيه جوهر الصوفية من التوحد بين المحب والمحبوب, بين العاشق والمعشوق, وانا أتعامل مع الخط العربي كمحبوب. *- تخرج في خطوطك عن الموروث, إلى الحكمة المتداولة, أو إلى المثل, أو إلى أي قول فيه خصوصية ما, هل لخياراتك خصوصية محددة؟ **- يمكن اعتبار خياراتي في العبارات, خيارات تلتقي مع الفهم الصوفي للظاهر والباطن, لتعدد مستويات القراءة لكل نص. آخذاً بعين الاعتبار في المرتبة الأولى ما يهم الإنسان الذي هو غاية الوجود, فأتعامل مع كل ما من شأنه أن يحرض عقله ويفتح مداركه ويجعله يتساءل عن ما يعنيه ويحفظ له كرامته الإنسانية بكل معانيها. في هذا السياق اخترت عبارات وان كان بعضها لصوفيون كبار مثل ابن عربي, والنفري, إلا أنها في مجموعها تنسجم مع رؤيتي. وأنا الجأ إلى خيارات من الكتب المقدسة. *- يتميز الحرف العربي باستطالته الحركيه والصوتيه, إضافة إلى ذلك, يستطيل لديك بصوفية, معلناً الغنى والتقشف في آن؟ **- يقول ابن عربي: (السماع إذا لم يوجد في غير الإيقاع لا يعول عليه) وهذه العبارة قمت بتشكيلها مرتين لأني على قناعة بان الموسيقى والشعر موجودان في كل شيء, ليس الموسيقى والشعر بمعناهما الحرفي, بل في كل شيء في الوجود. والخط العربي في نظري هو موسيقى العين, وهو التجريد البصري الذي يوازي التجريد السمعي, الذي بدوره يعطينا الموسيقى المتعارف عليها. ومن هنا تأتي العلاقة بين الحروف والنقاط في استطالتها واستداراتها وفي أفقيتها وعموديتها وفي توزيع النقاط في ثناياها. واستند إلى هذه الرؤية دون افتعال ولا قصدية, يساعدني في ذلك الطاقة التعبيرية الكامنه في الخط العربي. *- التوازن الحركي للخط سمة لديك, كيف يتكامل هذا التوازن على فضاء اللوحة, المفتوح على المطلق ان جاز التعبير؟ **- في عملي، وأنا لا أحب أن شرح العمل، العمل لا ترك للمتلقي أن يقرأ العمل بحواسه لا بما تعنيه الصيغة الظاهرة للكلمات, أحرضه ليقرأ ما وراء العبارة, الكتلة والفراغ في علاقتهما بالعبارة. وبما ان الخط العربي هو تجريد جمالي, ينطلق من المشخص إلى المجرد. والتجريد كما افهمه ليس الانطلاق من اللاشيء لتشكيل عمل فني, بل هو الانطلاق من الموجود وتجريده من شوائبه وزوائده للوصول إلى جوهره واسّه الذي هو خلاصته الدالة عليه. وابن عربي يقول: العارف صاحب تجريد. وأرجو أن اصل إلى مرتبة العارف في عملي الفني. *- الجمل الخطية لديك محملة بمعان, ما الأهم لديك الجملة, الخط, أم التكوين..؟ **- انظر إلى العمل على انه شيء واحد, وان جماليته تقوم على الجدل الجمالي بين عناصره جميعا, لذا فان التشكيل عندي يقوم على هذا الجدل بين كل عناصر العمل. أريد أن يصل من خلال عين المتلقي إلى قلبه أولا ثم إلى عقله ووجدانه ليتعامل معه بحب فيلامس شغاف قلبه وثنايا عقله وضميره. *- ثمة نافذة مشرعة في لوحاتك, أتطل منها على أفق ذاتك, أم على آفاق الحرف؟ وفي إحدى اللوحات عبارة تقول: فكرك فيك يكفيك. واخرى تقول: الحجاب عليك منك. **- من خلال عملي اطل على كينونتي, اطل على ذاتي, لكن ليس بمعنى الذات المفرده, بل بمعنى الذات التي تشكل ذرة من ذات المجموع. *- هل ثمة عبادة من نوع ما في تشكيلك الحروفي, وجدته أو تسعى إلى إيجاد ذاتك به؟ **- من اللوحات الأولى التي شكلتها عبارة تقول: الحق, الخير, الجمال. وان كان ثمة عبادة لي فهي الحق, الخير, الجمال. *- حسب خبرتك وتجربتك في عوالم الحرف, هل لبناء الحرف أي سمات دلالية تقود إلى معنى من المعاني؟ **- يقول النفري: الحرف يسري حيث العقد. 28/5/2005
|